"أعمدةُ روتنبرغ مشانقُنا": استعمار فلسطين بِكهربتِها

29-04-2018
-A A +A

يوم الخميس 24 آب 2006، اتصل أحدهم بمنزل عبد الرحمن في جباليا. كان الهاتف مقطوعاً لأن الفاتورة لم تُسدَّد لشركة الاتصالات الفلسطينية، غير أنّه جرى تفعيله لإجراء هذه المكالمة.
أجابت زوجة عبد الرحمن (أمُّ سالم) على المكالمة، قال المتحدّث على الخط: "اخلوا المنزل على الفور وأخطروا الجيران".
سألته أمُّ سالم: ومَنْ يتكلم؟!
فكان الجواب: "جيش الدفاع الإسرائيلي". ثم سرعان ما أُغلق الخط.
حاولت أم سالم استعمال الهاتف، غير أن الخط انقطع من جديد. غادرت العائلة المنزل مباشرةً، ليتم بعدها قصفه من قبل حوامة عسكرية وتدميره بالكامل.*

إنّ عملية تفعيل خط الهاتف المقطوع وإعادة قطعه بعد الانتهاء من استخدامه لغرض مُحدّد تجعلنا نعيد النظر في تأثير العديد من الشبكات التي تحيط بنا؛ من الشبكات الخلوية في الأثير، إلى شبكات  الصرف الصحي، وصولاً إلى النقاش الذي يدور حديثاً عن الدور الذي لعبته شبكات المراقبة والكاميرات في تتبّع المقاومين بالأونة الأخيرة.

في كتاب "أرض جوفاء" يتحدث الكاتب إيال وايزمان عن توافق منطق الاتصالات الخلوية، على نحوٍّ غريبٍ، مع الاحتلال المدني للضفة الغربية، إذ يتمدّد كلٌّ منهما عبر شبكات تستقر قواعدها على الأرض، وتكون مرتفعةً في محاذاة خطوط الرؤية أو الإشعاع.

إن أسلاك الكهرباء أو الهاتف والإنترنت ليست مجرد وسائطَ ناقلةٍ للطاقة والإشارات، كونها  تحمل أبعاداً سياسيةً وثقافيةً واقتصاديةً تنعكس على المجتمع بشكل رئيسي، وتعمل على  تأثيرٍ  متبادلٍ مع المستخدمين  يصعب ملاحظته. صِيغَ هذا الأثر المتبادل بمفهومٍ علميٍّ  يُسمّى "نظرية شبكة الفواعل"، وهي "منهج في علم الاجتماع، غرضها دراسة الوضعيات الاجتماعية، ومبدؤها اعتبار العوامل من أشياء وأفكار وعمليات وغيرها فواعلَ إلى جانب الإنسان، والاستغناء عن مفهوم القوى الاجتماعية؛ أي أنها تنظر إلى العوامل المادية (بين الأشياء) والمعنوية (بين المفاهيم) على حدٍّ سواء".

بهذا التعريف لنظرية شبكة الفواعل، يبدأ الباحث "رونين شامير" مقدمة كتابه (Current Flow :The electrification of Palestine) "تدفّق التيار: كهربة فلسطين"، الصادر عام 2013، بُغيةَ توضيح المنهجية المتبعة في تحليل تاريخ شبكة الكهرباء في فلسطين، إذ يتبنّى "شامير" فرضية "ديفيد ناي" التي تدعي أن "كلَّ تقنية جديدة هي عملية بناء اجتماعي، وطرق تبنيها محددة ثقافياً".

ينطلق الكتاب، الذي سنستعرضه في هذه المقالة، من سؤالٍ أساسي، مفاده: "كيف ساهمت عملية تزويد فلسطين بالكهرباء في خلق التمايزات الاجتماعية: بين العرب واليهود، والحضر والريف، والخاص والعام، والسوق والدولة؟"، مستخدماً بذلك سجلات ستة أرشيفات من المكتب الاستعماري في الأرشيف الوطني البريطاني، وسجلات شركة يافا للكهرباء. كما يتعقّب الكاتب المراسلات والعقود والمخططات الأولية، وصولاً إلى المذكرات القانونية التي تخصّ شبكة الكهرباء في فلسطين، وذلك بُغية تتبّع مسارات الأسلاك ومواقع الأعمدة، وتدفق التيار الكهربائي من نقاط التوليد إلى المستهلك. يقع الكتاب في 219 صفحة، و ينقسم إلى خمسة فصول، بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة.

"أعمدة روتنبرغ مشانقنا"

منطلقاً من وعد بلفور، يبدأ الكاتب عملية التأريخ لشبكة الكهرباء في فلسطين، إذ منحت الإدارة المدنية البريطانية رجل الأعمال اليهودي (بنحاس روتنبرغ) الرخصة الاحتكارية لتوليد وتوزيع الكهرباء. كانت تحاول مثل هذه الامتيازات فرض نفسها كنظام حكمٍ غير مباشر، ساعيةً لتحقيق مرامٍ سياسية.

وعلى الرغم من افتقار فلسطين في تلك المرحلة لجميع العناصر الهامة لجعل المشروع مربحاً (مراكز حضرية واسعة، عدد المستهلكين المستعدين، نظام نقل حضري متطور، صناعات متعطشة للطاقة...)، بالإضافة لممانعة القيادات العربية وبعض السياسيين البريطانيين ذلك، إلّا أن "روتنبرغ" حصل على ذاك الامتياز، لتبدأ معركةٌ قانونيةٌ مع مواطن يوناني يُدعى "يوربيدس مافروماتيس" الذي منحته الحكومة العثمانية، في العام 1914، امتيازَ توليد الكهرباء في فلسطين.

وصل صدى هذه المعارك القانونية إلى محكمة العدل الدولية في "لاهاي"، التي أصدرت حكماً قضائياً ينصّ على أن "مافروماتيس" لا يملك أيَّ حقٍّ أو امتيازٍ بشأن شبكة الكهرباء في يافا، مقابل امتلاكه كاملَ حقوقه في امتياز القدس. وتبعاً لذلك، أصبحت مدينة القدس والمناطق المجاورة لها منطقةً كهربائيةً منفصلةً.

تجاهلت بريطانيا تحذيرات العرب من كون الامتياز سيمنح الصهيونية تفوقاً وفرقاً اقتصادياً، واستمرت في انحيازها تجاه اليهود، ليبدأ "شامير"، في كتابه، بفحص تأثير عملية ربط عناصر فيزيائية وتمديد كوابل وأعمدة على إعادة ترسيم جغرافيا فلسطين، وخلق فروقات بين العرب واليهود، وتشكُّل المجموعات والتمايز العرقي – الوطني، وصولاً للكيفية التي تُرجمت فيها القوة الإنجلو-يهودية السياسية على شكل قوة اقتصادية؛ لعبت دوراً أساسياً على طريق الانفصال.

يتحدث الفصل الأول من الكتاب، والمعنون بـ"محطة توليد كهرباء يافا"، عن بدء تنفيذ المشروع وإنارة "تل أبيب" في العاشر من حزيران 1923 باستخدام مولدات الديزل، دون تحقيق البند الثالث بالامتياز الذي ينصّ على إنشاء محطة توليد هيدروكهربائية باستخدام توربينات مائية في منطقة الجريشة على الضفة الجنوبية لنهر العوجا.

برر "روتنبرغ" التغيير في التقنية المستخدمة بإرجاعه إلى الظروف السياسية المتعلقة بإمداد فلسطين بالكهرباء، مُعلِّلاً تغيير خطته الأساسية بارتفاعٍ غيرِ معقولٍ لأسعار تأجير الأراضي التي ستُبنى عليها المحطة، نظراً لإجماع أصحاب الأراضي على رفض المشروع، بعد التأكد من مخاوفهم بأن الشبكة الكهربائية كانت بمثابة أداة لتحقيق مصالح الإمبريالية، لتبدأ حينها عملية إيقاظ المشاعر الوطنية في الصحف والخطب العامة، ومقاومة المشروع بالمسيرات التي هتفت عالياً (أعمدةُ روتنبرغ مشانقُنا).

ترسيم الكهرباء للحدود الجغرافية والقومية

يستعرض الفصل الثاني من الكتاب الدورَ الذي تلعبه الأعمدة الكهربائية في ترسيم الحدود بين المناطق، رافضاً اختزالَ دورها في الجانب التقني؛ أي أنها جزءٌ من مكونات الشبكة فقط، إنّما طوّر الكتابُ نموذجاً يتعامل معها كتشكيل اجتماعي؛ بمعنى أن تجميعها وتوسعها يعتمدان على مسائل اجتماعية مختلفة مثل (السياق السياسي، والقدرات  التنظيمية .. ).

وفقاً لذاك النموذج، نتج لدينا صراعٌ بين الراغبين بالانضمام للشبكة والرافضين لها بسبب طابعها الصهيوني. أدّى ذلك إلى خلق حركة مستمرة عملت على تشكيلٍ جديدٍ للمساحات وانفصالٍ بين المناطق المزودة بالتيار عن تلك غير المزودة، واستخدامها كأداة للمقارنة بين المستهلكين.

(لم تكن الشبكة لتنتج تمايزاً مناطقياً ما لم تتصرف الأعمدة بطريقة أخرى؛ طريقة خلقت فروقاً قانونية - مادية بين سريان التيار في يافا وتل أبيب).

رويداً رويداً، توسّعت الشبكة في مختلف المناطق على نحوٍّ أسرعَ من الترتيبات القانونية. وكلما اتجهنا شرقاً، كان يقلّ اتساع الشبكة ويتعمّق الفرق بينها وبين المناطق المتصلة. وعند النظر بأثرٍ رجعيٍّ، نجد أن شبكة الكهرباء التي بدأ توسّعها عام 1923 من يافا، عملت على رسم الحدود التي اُقترحت في ما بعد، لتمثِّل خط التقسيم أو المقترح لاحقاً بخط وقف إطلاق النار، ومناطق  الحدود السياسية المتنازع عليها حتى اليوم بين الكيان الصهيوني والفلسطينيين.

أدّى تمدّد الشبكة، بصورةٍ مرنةٍ وبشكلٍ مُطَّردٍ، إلى تعقيداتٍ سياسيةٍ بخصوص التشريعات والقوانين التي تنظم قطاع الكهرباء، وهذا ما يتناوله الفصل الثالث من الكتاب، إذ يكشف لنا هذه التحديات؛ أهمُها تدخُّل "روتبنرغ" في صياغة بعض القوانين لصالح شركة الكهرباء بحجة عدم قدرة الجهات القانونية على استيعاب الحساسيات السياسية على أرض الواقع، وافتقارها للخبرة التقنية المحلية.

يضيف الكاتب، في هذا الفصل، عنصراً جديداً من العناصر المؤثرة، وهو عدّاد التيار الكهربائي الذي لعب دوراً هاماً كأداةٍ تنظيميةٍ في رسم العلاقة بين الشركة والمُستخدِم من خلال توظيف علم القياس لتحديد الأسعار. والأهمُّ من ذلك ترسيمُ الحدود بين الفضاءين العام والخاص والتمايز بين المستهلكين أنفسهم، حسب كمية استهلاك كلِّ مستخدمٍ من خلال جمع إحصاءات الاستهلاك، وتصنيفها إلى فئاتٍ خلقت تقسيماً طبقيّاً اجتماعيّاً جديداً.

رحلة البحث عن المستهلك الأكبر

لم يكن عدد السكان المرتبطين بالشبكة كافياً، كي يصبح المشروع مُجدياً اقتصادياً. لذلك، توجّب البحث عن مستهلكٍ كبيرٍ، وكان مُحدَّداً آنفاً من قبل "روتنبرغ"، وهو (حكومة الانتداب)، فمنذ حصوله على امتياز الكهرباء، راسل الجهات المختصة لتحقيق مطامعه في تحويل الحكومة إلى المستهلك الأكبر.

فشل "روتنبرغ" في الجانب الأهم المتمثّل في تزويد شبكات سكة الحديد بالكهرباء، على الرغم من الدراسة التفصيلية التي أجراها لإثبات أن تحويل قطارات سكك الحديد من الفحم إلى الكهرباء سيساعد على التنمية الاقتصادية في البلاد، إذ كانت- آنذاك- آبار النفط  تتفجر في الخليج العربي، ليكون محرك الديزل المنافس الجديد، وساعد في ذلك خط البصرة-حيفا.

يفصّل الفصل الرابع من الكتاب أسباب فشل تزويد القطارات بالكهرباء، ويوضّح في الآن ذاته نجاح "روتنبرغ" في تحويل الحكومة إلى المستهلك الأكبر للكهرباء، مُزوِّداً العديد من المنشآت الهامة بذلك، مثل مكاتب البريد الفلسطيني ودائرة جمارك حيفا، والمستشفى الحكومي في يافا، وصولاً لتزويد القيادة العليا لوزارة الطيران في صرفند، ليتم خرق الامتياز مرةً أخرى بتزويده لمنشآت عسكرية، وحصوله على قرضٍ من الحكومة بقيمة ربع مليون جنيه استرليني.

ساعدته في الحصول على القرض رسالةُ توصيةٍ من رجل أعمال يهودي بريطاني ذي نفوذ صناعي يُدعى "السير الفريدموند"، كتب فيها "إن تزويد السكك الحديدية بالكهرباء أصبح "غير  مهم"، فلسطين اليوم تختلف اختلافاً جوهرياً عما كانت عليه قبل سنتين. انظروا للأرقام، إن الطلب على الكهرباء يرتفع، لقد نشأت صناعاتٌ ثقيلةٌ تتطلب كمياتٍ كبيرةً من الطاقة الكهربائية، ما لا يقل عن 160 مصنعاً في تل أبيب وحدها. إن فلسطين تتطور الآن تماماً مثل الولايات المتحدة، ولا يوجد أيُّ شيءٍ مماثلٍ في أوروبا".

لم يكن الارتفاع المفاجئ للعرض والطلب متوقعاً بخصوص الكهرباء، إذ توسّعت شبكة يافا- تل أبيب بشكل سريع، ليصل الارتفاع لستة أضعاف طاقتها الإنتاجية. أظهر تقريرٌ سريُّ أعدّته الشركة أن الطلب على الإنارة المنزلية ازداد بنسبة 260٪؜ بين تشرين الأول 1923 وتموز 1925 ، فيما ازدادت إنارة الشوارع بنسبة 160٪؜، كما ازداد الطلب على طاقة ضخ المياه بنسبة 290٪؜ .

أعلنت الشركة عن ازدياد عدد المستهلكين في العام ١٩٢٥ (من ١٥٢٨ لـ ٣١٤١ مستهلكاً)، وزيادة في عدد المصابيح المنزلية من (14905 لـ 31684 مصباحاً)، فضلاً عن1787 عداداً كهربائياً جديداً. ويشير التقرير، كذلك، إلى ازدياد طول خط الضغط المنخفض من 12 كم نهاية 1923 إلى أكثر من 27 كم بحلول نهاية 1925، مؤكداً أن الجزء الأكبر من النمو كان يحدث في مدينة "تل أبيب" وليس في يافا.

في محاولة تفسير سبب هذا الانفجار في الطلب، يتحدث الكاتب عن وصول موجة غير متوقعة من المهاجرين اليهود عام 1924، كان عددهم ما يقارب الستين ألف مهاجر بولندي، نتيجةَ حدوثِ تضخّمٍ ماليٍّ في بولندا في ذاك العام. تزامن ذلك مع تمرير الكونغرس الأمريكي قانونَ "جونسون- لودج"، الذي فرض قيوداً متعمَّدةً على الهجرة الجماعية البولندية للولايات المتحدة.

على إثر ذلك، توجّه العديد من اليهود البولنديين إلى فلسطين بسبب وجود جالية يهودية متواضعة في فلسطين مستعدة لاستيعاب الوافدين الجدد، فضلاً عن توقع وجود فرص اقتصادية غير مكتشفة بعد أن حكمتها "بريطانيا العظمى"، وسماح سياسات الهجرة البريطانية بوفود أولئك ممّن يمكن أن يستحيلوا "أصحاب رأس مال"، ويمتلكون أكثر من ٥٠٠ جنيه استرليني، إذ يُقدَّر أن ٤٠٪؜ من الوافدين انطبق عليهم هذا الشرط.

الهجرة اليهودية وعام الصناعة

رَسَّخ تدفقُ الأشخاص ذوي رأس المال والمؤهلين تجارياً وريادياً للمشاريع اللازمة للمدن الوليدة المنطقَ الرأسماليَّ في فلسطين. تمركز معظمهم في تل أبيب (62%؜ من المهاجرين)، وارتفع عدد سكانها إلى 40 ألف نسمة نهاية عام 1925. لم تعد "تل أبيب" بلدةً يهوديةً صغيرةً بجوار يافا، بل بدأت تظهر عليها علامات منافستها ليافا، على نحوٍّ حقيقيٍّ وملحوظ، سواء من حيث الحجم أو ديموغرافية السكان.

أعلن أحد المراقبين أن العام 1925 هو "عام الصناعة"، إذ أسفر تدفُّق الناس ورأس المال والتوجه التجاري عن نتائجَ فوريةٍ على الأرض، فتضاعف كلٌّ من رأس المال الاستثماري والعائدات الحكومية، ونما الناتج الصناعي في مجالات متعددة مثل: الأغذية والطباعة والمواد الكيميائية. وكانت صناعة الغزل والنسيج مزدهرةً بشكلٍ خاصٍّ، بعد نقل العديد من مصنّعي المنسوجات ورشَ عملهم من بولندا إلى فلسطين.

لم يقتصر تدفق المهاجرين على المناطق الحضرية، ففي منتصف عشرينيات القرن الماضي أصبحت زراعةُ الحمضيات صناعةً زراعيةً مزدهرةً ، ليبدأ المهاجرون بزراعة البيارات على طول ساحل شمال يافا، على امتداد الطريق نحو حيفا لمسافةٍ تزيد عن 100 كم، كما أُنشئت مستوطناتٌ زراعيةٌ سعى من خلالها أصحابُ المشاريعِ اليهودُ إلى تحديث تقنيات زراعة الحمضيات، ليتضاعف بذلك الإنتاج الزراعي، ويزداد عدد سكان المستوطنات الزراعية بنسبة 75٪؜.

اقرأ/ي هنا: يافاوي يا بردقان: بعضٌ من تاريخ برتقال يافا

اعتمد رأس المال الخاص المستثمر في المشاريع الصناعية والزراعية على إمكانية الحصول على الكهرباء. بالمقابل، اعتمد توسع شبكة الكهرباء على تزايد الطلب الصناعي والزراعي. كان على الكهرباء أن تشقّ طريقها بالقوة ضد التقنيات المنافسة الأرخص ثمناً والأكثر سهولةً، أو ببساطةٍ ضد التي كانت موجودةً أساساً، لتتمّ إعادة رسم شبكة  الفواعل الكهربائية، وعقد صلات جديدة مع فواعل أخرى، مثل المساحات الزراعية والمضخات، والمحركات الصناعية وأشجار البرتقال.

جَسَّدت فئةُ الري اتصالَ الزراعة اليهودية بالكهرباء، ما جعل الزراعةَ النصفَ الثانيَ المُشكِّلَ للاقتصاد اليهودي المتنامي. في العام 1933 كانت كمية الطاقة المباعة للري تساوي تقريباً الكمية المباعة للفئات الأربعة الأخرى مجتمعةً (منها الصناعي والتجاري والمنزلي).

التأسيس لاقتصادٍ يهوديٍّ قويٍّ

أمّا الفصل الخامس والأخير من الكتاب، فيستعرض دور المياه في تحديد سياسات الهجرة، إذ كان تنظيم الهجرة اليهودية مرتبطاً بشكل صريح بتوافر الأراضي القابلة للري كمقياسٍ لقدرة استيعاب البلاد للمهاجرين.

بدأ الهيدرولوجيون اليهود بدراسة ومسح المياه الجوفية ومصادر وخصائص المياه السطحية، فقدّموا تقاريرَ ومذكراتٍ تفصيليةً للمنظمات الصهيونية حول اقتصاد المياه في فلسطين وعدّة قضايا، مثل المياه الجوفية وعمق الآبار ومستوى ملوحتها. أمّا حكومة الانتداب فكانت متخلِّفةً عن الركب، إذ لم تكن لديها سياساتٌ للتنمية ومعرفةٌ طبوغرافيةٌ وهيدرولوجيةٌ كافية، لنشهد تأخُّرَ النمو الزراعي العربي، مقابل سيطرة واسعة يهودية على مصادر المياه أدت إلى توّسع النشاط الزراعي، وبالتالي توجُّه الشبكة الكهربائية نحو رأس المال اليهودي.

بجانب ذلك، أُنشئت منصةٌ إحصائيةٌ لتجميع ما أصبح يُعرف تدريجياً باسم "الاقتصاد اليهودي"، حيث بُذِلت جهودٌ إحصائيةٌ مستمرةٌ ومنهجيةٌ لجمع وقياس ومقارنة أنشطة السوق عن طريق تجميع الأرقام على أسسٍ عرقيةٍ، ضمن حساباتٍ سياسيةٍ تم تطويرها ضد الجهود المبذولة لبلورة اقتصاد وطني، لتزداد الفجوة بين الاقتصادين العربي واليهودي، ولتلعب الشبكة الكهربائية الدور الأساسي في عملية ترسيم الحدود هذه.

عملت العديد من المؤسسات الاقتصادية المدعومة من الصهيونية، مثل الجمعية الاقتصادية الفلسطينية والوكالة اليهودية، على نشر الدراسات والأخبار والجداول والبيانات الإحصائية المتعلقة بالأنشطة الاقتصادية للسكان اليهود، وأصدر "الكيرن هايسود" (الصندوقُ التأسيسيُّ) المجلةَ الإحصائيةَ لفلسطين. ومع إنشاء الرابطة الصناعية اليهودية، أخذ هذا الإنتاج المعرفي يدعم، بشكلٍ كبيرٍ، حقيقة وجود اقتصاد يهودي مستقل.

بالمقابل، لم تجد المؤسسات العربية آليةً إحصائيةً للجمع والتحليل المنهجي للبيانات، إذ ظلّ الاقتصادُ العربيُّ جزءاً من بيانات الحكومة العامة للانتداب، التي حاولت الحفاظ على سلطتها عبر تجنّب نشر البيانات التي من شأنها الإسهام في الانقسامات الاقتصادية في البلاد. وبهذا، يثبت البريطانيون أنهم أوفوا بوعودهم بتسهيل إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. ورغم أن اليهود كانوا لا يزالون أقلية (أقل من ٢٠٪؜ من السكان)، إلّا أن اقتصادهم حقق نحو نصف القيمة للاقتصاد في عشرينيات القرن المنصرم.

عن محور التاريخ وأدواته

تتمثّل النظرة التقليدية للتاريخ في أنّ البشر هم محور التاريخ، بيد أن كثيراً من المفكرين اتّجهوا لاعتبار تاريخ الإنسان تاريخاً تقنياً بالدرجة الأولى، على اعتبار عدم إمكانية حلول أيّ تقدمٍ في التاريخ البشري إلا باقترانه بتقدمٍ تكنولوجيٍّ، بدءاً من تطور أدوات الصيد، وصولاً لسيارة "تيسلا".

اليوم، نشهد سباقاً سريعاً بذاك الخصوص، إذ تتطور التقنيات بصورةٍ أسرعَ من ثقافة استيعابها، كما تتأخر مجموعةٌ بشريةٌ عن المواكبة، لتكون التكنولوجيا، اليوم، الراسمة لإطار الزمان والمكان أيضاً. في هذا السياق، نرى مثلاً أن أزمة الكهرباء المستمرة في قطاع غزّة عملت على إعادة تشكيل حياة الفلسطينيين هناك، وتحديد إنتاجهم بناءً على أوقات وصل وقطع الكهرباء. 

من هذا المنطلق، يجب علينا- كفلسطينين- إعادة النظر في موقعنا من التاريخ التقني تحديداً، إذ إنّ جميع التفاصيل التي وردت في الكتاب توضح تأثير تكنولوجيا واحدة، وهي الكهرباء، على الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وكيف لعبت الدور الأكبر في جعل العرب خارج إطار التاريخ.

إنّ الدرس  الأهم من هذه الدراسةً هو فهم الخسارة الناتجة عن قبول أو رفض أي مشروع يدّعي التنمية في فلسطين، إذ تشكل هذه الجدليةُ أكبرَ مشاكل الفلسطينيين في الوقت الراهن، لنعاود السقوط في نفس المأزق  (تقبُّل شبكة الكهرباء والسماح للنور بالعبور، أو رفضها والبقاء تحت الظلمات).

يمكن إسقاط ذلك على جميع مشاريع التنمية في البلاد، فمثلًا فتح الشوارع وتوسعتها في العديد من القرى يخدمان، نوعاً ما، سكان القرية، لكنه الأهم من ذلك أن هذه المسألة تخدم الاحتلال في سهولة تعقّب المقاومين واستهدافهم، وبالتالي تدمير العمق المسلّح للمقاومة الفلسطينية. كما يخدم تقبّلُ مشاريع الرعاية الصحية وتحديد النسل الاحتلالَ في الحفاظ على السيطرة الديموغرافية، فتوظَّف هذه المشاريع كأدواتٍ بيوسياسيةٍ.

بجانب ذلك، يظهر أيضاً الدعم المقدم من وكالة التنمية الأمريكية (USAID) للمشاريع الزراعية  وتطوير المزارع، واشتراط هذه المشاريع زراعةَ أنواعٍ محددةٍ (فروالة، ورد، خيار .. )، لتتبين لاحقاً حاجة العدوّ الصهيوني لهذه المنتوجات للتصدير ودعم اقتصادها.

هناك عشرات الأمثلة التي تُبقينا عالقين في هذه المأزق. وللخروج منه، يجب التفكير بمنظور أن كلَّ شيءٍ يحمل نقيضَه بداخله، وبالتالي تتوجّب علينا ضرورة استمرار البحث عن النقيض بداخل كل مشروع لإحباط هدف الاحتلال من ورائه.