المقاومة ضد كبح العلم

22-11-2017
-A A +A

بقلم: د. ليزا روزينبوام
ترجمة: جمانة كالوتي، يزن هدمي ومحمد فرح، تدقيق: لجين الصدر
فريق الترجمة - مجموعة ابن الجزار القيرواني الطبية

يصادف معظمنا كأطباء مرضىً يفضلون العلاجات غير المثبتة بالدليل العلمي؛ كالطعام العضوي لعلاج أمراض القلب أو حميات التخلص من السموم لعلاج أمراض السرطان. شخصياً، لم أقدم يوماً إجابة حاسمة أو مفيدة، إنما كنت أقدم مجموعة من الحقائق، وإذا شعرت أن كلامي لم يكن مقنعاً، عرضت حقائق أكثر وأنا أمنع نفسي من إظهار الامتعاض. وفي النهاية، استخدم جملة "الأنا" التي تعلمناها في مدارس الطب: "أنا أفهم أن هذا ما تعتقده"، غير أنني أعلم أن لغة جسدي تكشفني. فليس من المفاجئ إذاً أنني لم أنجح يوماً في التغلب على التشكيك في العلم. وبالرغم من أن العديد من الأطباء يجيدون التعامل مع هذا الموضوع بمهارة بين بعضهم البعض -بحكم إنتمائهم إلى المجتمع العلمي نفسه-، إلا أننا غالباً ما نكون ندور في نفس المحاور. فسواءً كنا نناقش علوم التطعيمات، أو التغير المناخي، أو فرض الضوابط على استخدام الأسلحة، فإننا نميل إلى التأكيد على الأدلة العلمية الموجودة، وعندما تفشل هذه الأدلة (في الحصول على الإقناع) يغلب علينا شعور بالاشمئزاز.

حالياً، تظهر الإدارة الأمريكية دحضاً عنيداً للحقيقة مما أدى إلى ظهور قلق من أن التصادم بين العلم والمعتقدات سوف يزيد شراسة، وأن العلم قد يتم فعلاً كبحه. فقد نعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التغير المناخي بأنه "خدعة"، وأظهر التشكيك في اللقاحات، وعيّن كرئيس لوكالة حماية البيئة رجلاً قاتل ضدّ مهامها ومبادئها. كما زُعم أن بعض أعضاء إحدى الوكالات الفدرالية قد سئلوا عن آرائهم في علم المناخ، وذُكِر أن علماء فدراليين آخرين يواجهون أوامر تقيّدهم وتمنعهم من حضور مؤتمرات علمية أو ذكر اكتشافاتهم ونتائجهم. فقد قام مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها CDC بتأجيل مؤتمر قمة عنوانه المناخ والصحة كان قد خُطط له. وبينما ظهرت هذه الخطوة كإشارة تحذيرية، كان القصد منها مهادنة الإدارة التي تعتمد عليها الوكالة للحصول على الدعم المالي.

في مواجهة كبح العلم؛ هل على العلماء المقاومة، أم إكمال عملهم بهدوء؟ المقاومة تبدو أساسية؛ فحقيقة أنَّ قيامَ مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بتأجيل المؤتمر دفعت باتجاه اتفاق لتنظيم لقاءٍ بديلٍ، تُذكِّرنا بأن المقاومة هنا لا تتوقف على الاستمرار في المسيرة العلمية فحسب، وإنما تعتمد أيضاً على ضمان الانتشار الفعّال للاكتشافات العلمية. ومن المهم أيضاً أن نعرف أن كبح العلم لا يؤدي إلى عدم الإيمان أو التصديق به، بل إن عدم التصديق بالعلم -وخصوصاً في العلوم التي ترتبط بشكل كبير بالسياسة، كعلم المناخ مثلاً- سوف يخلق ثقافةً يكون فيها كبح العلم أمراً متقبّلاً. إذن فإن السؤال الحقيقي هنا هو: كيف نستطيع المقاومة بشكل فاعل، وكيف نستطيع دفع العامّة المشككة إلى الإيمان بالعلم؟

أولاً علينا أن نتوقف عن الافتراض بأن إنكار الشيء يعكس بالضرورة نقصاً في المعرفة وبالتالي يمكن مواجهته بالحقائق. فعندما يكون الشك متجذراً في الهوية الثقافية للفرد أو مغلفاً بعواطفه القوية، كثيراً ما تفشل الحقائق في إقناعه، بل يمكنها فوق ذلك أن ترسخ التشكك في قلبه أكثر فأكثر. هذه الظاهرة يُشار إليها بمصطلح "الانحياز المعرفي"، وقد ظهر أثرها في شتى القضايا، بدءاً من عقوبة الإعدام إلى التغير المناخي وحتى التطعيمات الطبية.

وقد وجدت إحدى الدراسات أن الأهالي المترددين بشأن تطعيم أطفالهم تقلّ رغبتهم في التطعيم عند إعطائهم معلومات تدحض الخرافة القائلة بأن التطعيمات الطبية تُسبب التوحد. على عكس ما يظهر لنا فإن هذا التصرف لا يعكس قلةً في المعلومات أو الذكاء؛ في الواقع، عندما يتعلق الأمر بالعلوم المناخية، فإن الأشخاص الذين يُظهرون مستويات عليا من قدرة استيعاب المعلومات هم أيضاً الأمهر في إنكار الأدلة التي تتحدى معتقداتهم.

علاوةً على ذلك، إن النزعة لإنكار الأدلة التي تهدد هويتنا ومعتقداتنا ليست محصورة بحزب أو مذهب واحد: فالليبراليون المتحررون على سبيل المثال هم أكثر ميلاً من المحافظين لإنكار العلوم التي تشير إلى أن الأطعمة المعدلة جينياً أطعمةٌ سليمة. يحصل هذا الأمر حتى في داخل المجتمع الطبي، سواءً أكنا نتجادل حول اختبارات فحص الثدي أو أدوية الستاتين (الأدوية المخفضة للكوليسترول) أو مصداقية دراسةٍ ما تحصل تحت رعاية شركة دوائية معينة، فإن معتقداتنا وتوجهاتنا في كل ذلك تؤثر على استعدادنا لتقبّل البيانات والمعلومات.

ثانياً، في هذه الفترة المليئة بالمشاحنات والتوترات، علينا أن نكون حذرين لئلا نقوم بدون قصد بتسييس العلوم التي لم تخضع حتى الآن لنظرة عالمية معينة. السيد دان كاهان هو خبيرٌ في طريقة تأثير عواطفنا وهوياتنا على تفسيراتنا للحقائق العلمية، وهو قد شارك مؤخراً في تأليف دراسة تبحث في كيفية تأثير "الآراء المجتمعية ذات الطابع الثقافي المعارض" على قدرة الناس في استيعاب معلومات حول قضية علمية محايدة ظاهرياً: فيروس زيكا على سبيل المثال. لقد تم تداول قصص تقترح بأن فيروس زيكا سببه إما التغير المناخي أو الهجرة، وكلاهما موضوع مشحون ومثير للجدل. وبسبب ذلك قيّم الباحثون تأثير سماع تلك القصص على طبيعة إدراك أفراد البحث لتهديد فيروس زيكا. فأولئك الذين ارتبطت نظرتهم للعالم بالتشكيك حول موضوع التغير المناخي أصبحوا أكثر تشكيكاً حول تهديد فيروس زيكا عندما انتشر خطأً أنه مرتبط بالاحتباس الحراري؛ وأما أولئك الذين كانت نظرتهم للعالم تميل نحو تفضيل العالمية وفتح الحدود فإنهم قللوا من خطورة فيروس زيكا عندما تم ربط سبب ظهوره وانتشاره بالهجرة.

تكمن الخطورة في أن إضافة ثقل هُويَّاتي منحاز لقضايا علمية محايدة تجعل عملية مقاومة إنكار العلم في عهد ترمب على وجه الخصوص صعبة. لأننا نركز انتباهنا على قضايا علمية متنازع عليها بدل القضايا المتفق عليها، فإنه من السهل علينا نسيان أن أغلبية الحقائق العلمية، والسياسات المتعلقة بها لا تحفز النزعات القَبَلّية. فأنت لا ترى معارك متحزبة حول علاج النوبة القلبية أو خطورة التعرض للإشعاع، لكن كما وضح كاهان فإن ترمب يعتمد على تحويل القضايا غير المثيرة للفرقة إلى قضايا استقطاب، فالمؤشرات التي تشير إلى أنه ربما يُنَصِب مشكك في اللقاحات على رأس الهيئة المسؤولة من مراجعة سلامة استعمالها مثال مثير للقلق على ذلك، بما أن التشكيك في اللقاحات منحصر منذ فترة طويلة في مجموعة ضئيلة هامشية (بالرغم من ذلك فهي مثيرة للجلبة). تعليقاً على ذلك قال لي كاهان:"أنا لم أرَ في حياتي شخصاً لديه نفس الرغبة العدائية في زيادة عدد القضايا التي تبعث على مثل هذا التضاد، إنه المُلَوِث الرئيسي لبيئتنا العلمية"، مثله من المُلَوِثين يحرضون بخبث على معارك ثقافية تنتج في النهاية زيادة في عدم الثقة في العلم.

الاستراتيجية التي يعتمدون عليها تستغل جانباً أساسياً في الطبيعة البشرية، وهو أنه عندما نضطّر كبشر أن نختار بين أن نُقِّر بما هو معروف للعلم كحقيقة، وبين أن نحافظ على هوية المجموعة التي ننتمي إليها، فإننا في الغالب نختار الخيار الثاني.

هذا البحث المتواصل عن حفظ الهوية يساعدنا على فهم كيف أن مهاجمة المشككين في اللقاحات بوصفهم كأغبياء أو خطيرين قد يعود بنتائج عكسية (كما لاحظ البعض)، بالخصوص ونحن نواجه رد فعل ثقافياً عنيفاً ضد النخب الأكاديمية. وهو كذلك السبب الذي يوجب علينا تجنب أن نكون حادّين في تصحيح المعلومة عندما يصدر ترمب استفزازاً مضاداً للعلم بخصوص مسألة غير مثيرة للفرقة، لئلا نثير شكوكاً قائمة على الهوية السياسية. حتى في المواضيع المُسْتَقْطِبة فإن المقاومة المدروسة بدقة قد تكون هي الخيار الأنجع للمقاربة. لذلك فإن المقاومة الواعية، كخلق تحالف ليقوم بهدوء بإعادة تنظيم جلسة المناخ والصحة المؤجلة، قد يكون هو الطريقة الأنجع في هذه الأوقات المثيرة للفرقة.

لكن المقاومة المدروسة قد تثير الشعور بأنّها صعبة التحديد. باعتبار العوامل العديدة المساهمة في كل خطر على العلم (شاملةً الهويات المتصورة المُهَددة والطرق التي يتم بها تحقيق التهديد) فإنه من الصعب إصدار تعميم عن ماذا يتبع التصرف السليم. مع تغير المناخ على سبيل المثال إذا كان هدفنا هو تشريع فيدرالي يحافظ على البيئة فإننا ربما نحتاج لتظاهرة عامة كبيرة كمظاهرة النساء (21 يناير 2017 واشنطن) لخلق الإرادة السياسية الكافية، أو ربما كما اقترح عالم الاقتصاد السلوكي كاس صنست تين :العلاج الأنجع للإنكار الناتج من ولاءات قبلية هو أن تقابل بـ "مصاديق مثيرة للدهشة" و هم أفراد لديهم الرغبة في تأييد العلم ويثق فيهم من قبل المُنكِرين نسبة لانتمائهم الهوياتي المشترك.

كمثال حديث على ذلك قامت مجموعة بارزة من المحافظين بنشر سياسة مقترح لتبطئة الاحتباس الحراري. في واقعنا نعرف الكثير عن التحديات التي تواجه توصيل المعرفة العلمية مقارنة لمعرفتنا لسبل مواجهة هذه التحديات. على الرغم من ذلك، هنالك بصيص من أمل يلوح من خلال تحرر العديد من الأمريكان من تبني ما يعرف بالحقائق البديلة "أكاذيب تروج كحقائق". فليس العلماء وحدهم في سعيهم لجعل الحقيقة يمكن أن يُصَدق بها من جديد. كمجتمع علمي فإننا لفترة طويلة تناولنا توصيل المعرفة العلمية بطرق غير علمية. فقد تعلمنا في الجامعات الطبية أن ننظر للشخص في عينه، و نبدي القدرة على التواصل مع جميع الثقافات، لكن إذا كانت غايتنا من التواصل أن نحول المعرفة العلمية إلى سياسة مجتمعية تحسن الحالة الصحية لمجتمعاتنا، فإننا يجب أن نركز بسرعة على إنتاج المعرفة التجريبية الفعالة في إدراك الهجمة الشرسة على الحقيقة.

نشر النص الأصلي في جريدة نيو إنجلد الطبية.