في الطب الثوري (مادة مترجمة)

17-09-2017
-A A +A

ترجمت بواسطة: قاسم الشاعر.

"Vale mais la vida de un ser humano que todo el oro del hombre mais rico del mundo" - Che.  
إن حياة الإنسان أغلى من ذهب كل أغنياء العالم”- آرنستو تشي جيفارا
التاريخ: أغسطس 19، 1960
الحضور: الكتائب الشعبية أو الجيش الشعبي Cuban Militia

هذه الاحتفالية البسيطة هي واحدة من مئاتٍ غيرها من الممارسات التي يحتفل بها الشعب الكوبي يومياً بنيل حريته وتطور قوانينه الثورية، وتقدمه في طريق الاستقلال الكامل. لهذه الاحتفالية أهميةٌ خاصة لدي. تقريباً يعلم كلكم أنني بدأت مهنتي منذ سنواتٍ كطبيب. وحين بدأت المهنة وبدأت دراسة الطب، كانت معظم الأفكار التي أمتلكها اليوم كثوريّ غائبةً عن فكري، وبعيدةً عن مخزون مُثُلي.

كل ما أردته كان النجاح، تماماً مثل الجميع. حلمت بأن أصبح باحثاً طبياً مشهوراً. حلمت بأن أعمل بكل كدٍ لاكتشاف شيءٍ يخدم البشرية. كان هذا الحلم يمثل نصراً ذاتياً بالنسبة لي. كان حالي كما حالنا جميعاً، ابناً لبيئتي. بعد التخرج، ولظروف خاصة وربما لشيء مرتبط بشخصيتي، بدأت السفر في أنحاء القارة الأمريكية، وأصبحت ملماً بكل أنحائها. باستثناء هاييتي وسانتو دومينجو، زرت كل دول أمريكا اللاتينية تقريباً. خلال زيارتي تعرفت على الفقر والجوع والمرض عن قرب؛ وذلك لكوني طالب طبٍ في البداية وطبيباً فيما بعد. لكن رغم ذلك، كنت عاجزاً عن معالجة أحد بسبب عدم توفر المال. كانت الناس مُخدّرة بسبب المجاعة المستمرة والعقوبات المتتالية، لدرجة أن أي أب يستطيع أن يتقبل خسارة ابنه، وكأنه حدث غير مهم. كان هذا الحدث يتكرر كثيراً بين الطبقات المقهورة في أراضينا الأمريكية. في هذه الأوقات بدأت أدرك وجود أشياء مهمة، ربما تكون بأهمية أن أصبح طبيباً مشهوراً أو أن أساهم في العلوم الطبية بتميُّز؛ أردت أن أساعد هؤلاء الناس!

لكن رغم ذلك بقيت ابناً لبيئتي، تماما كما نبقى كلنا. كان كل ما أردته أن أساعد هؤلاء الناس عبر جهودي الشخصية. كنت قد سافرت كثيراً، وفي تلك الأوقات كنت في غواتيمالا حين كانت تحت حكم أربينز [فترة نجاح الثورة ضد الديكتاتورية]، وبدأت حينها تدوين بعض الملاحظات لصياغة الطبيب الثوري. بدأت البحث حول ما يعنيه أن تكون طبيباً ثورياً.

أثناء وجودي هناك، بدأت أحداث العنف؛ عنف غذّته شركة الفواكه المتحدة، ووزارة الخارجية [الأمريكية]، وفوستر دالاس- في الواقع كلهم شيء واحد- وكلبهم المدعو كاستيلّو آرماس [عسكري انقلابي من جواتيمالا كان منفياً]. كان الانقلاب ناجحاً لأن الناس لم تبلغ درجةً من النضج كتلك التي يمتلكها  الكوبيون اليوم. وفي يوم عادي كأي يوم آخر، أخذت طريق المنفى، أو على الأقل قررت الهرب من غواتيمالا كونها لم تكن بلدي.

حينها أدركت فكرة محورية: حتى يكون الطبيب ثورياً، بل حتى ليكون أي امرئٍ ثورياً لا بد ـ أولاً ـ من وجود ثورة. السعي الفردي المنعزل رغم كل نقاء منطلقاته لا نفع له، والرغبة الجارفة للتضحية بعمر كامل في خدمة أنبل القضايا لن تحقق غاية، ما دام الفرد يعمل وحيداً منعزلاً في إحدى زوايا أمريكا، محارباً قوى الرجعية المانعة للتقدم من حكومات أو ظروف مجتمعية. لإشعال ثورة، لا بد من توفر ما هو موجود الآن في كوبا؛ لا بد من تحريك الناس كافة، الذين يتعلمون أهمية السلاح عبر استخدامه، ويفهمون قيمة الوحدة من خلال التزامهم الوحدات العسكرية.

نصل الآن لجوهر المشكلة التي بين أيدينا في هذه الأوقات. اليوم، يملك الفرد الحق في أن يكون طبيباً ثورياً، بل حتى أنه من الواجب أن يكون كذلك؛ متعالياً على كل شيء، مُسخِّراً كل معلوماته التقنية ومهنته لخدمة الثورة والناس. في هذه المرحلة عاد سؤالٌ قديم: كيف يستطيع الفرد أن ينجز ما يحقق الرخاء لمجتمعه؟ كيف يستطيع الفرد توحيد الجهود الفردية تجاه احتياجات المجتمع؟

نحتاج إلى مراجعة حياتنا من جديد، كل ما نمارسه كأطباء، كل ما نفكر به، كل جزئية من جزئيات النظام الصحي العام، كل ما كان قبل الثورة. لو حرصنا على مراجعة كل ذلك بحس نقدي مرهف، سنصل إلى استنتاج مفاده أن جُلّ أفكارنا ومشاعرنا في الفترة الماضية يجب أن تُنبذ في خزانات الأرشيف، وأن إنساناً جديداً يجب أن يُخلق. لو قام كل فرد منا ببذل أقصى ما في وسعه في سبيل إكمال خلق هذا الإنسان الجديد، سيكون من الأسهل على باقي الناس أن يساعدوا في خلقه وجعله مثالاً لكوبا الجديدة.

من الجيد أن أؤكد لكم- سكان هافانا الحاضرين اليوم- فكرةً مهمة: في كوبا اليوم هناك إنسان جديد قيد التكوين، إنسان لن نستطيع إدراك وجوده هنا في العاصمة، لكنه موجود في كل زاوية من زوايا الدولة. لمن زار منكم جبال سييرا ماسترا في السادس والعشرين من تموز، لا بد وأنه تنبه لظاهرتين غريبتين عنه: الأولى هي جيشٌ ممن يحملون فؤوسهم ومعاولهم، جيش يسير في موكب مهيب، وبكل فخر ملوحاً بفؤوسه في مهرجانات أورينت الوطنية. فخره الأعظم أن يسير حاملاً هذه الفؤوس، ومن أمامه يخطو رفاقه العسكريون حاملين بنادقهم. لكن لا بد أنكم تنبهتم لأمرٍ أكثر أهمية. لا بد وأنكم شاهدتم أطفالاً ممّن يبدو على بنيتهم الجسدية أنهم أبناء ثماني أو تسع سنوات، لكن جميعهم تقريباً تفوق أعمارهم الأربعة عشر عاماً. هؤلاء هم الأبناء الحقيقيون لسييرا ماسترا، الذرية الحقيقية للفقر والمعاناة. هؤلاء هم نتاج المجاعة وسوء التغذية.

في كوبا الصغيرة هذه، كوبا التي تمتلك أربع أو خمس قنوات متلفزة ومئات من الإذاعات، ورغم كل التطورات في العلوم، حين وصل أطفالها لمدارسهم لأول مرة خلال الليل وكانت مضاءة، حين رأوا المصابيح الكهربائية، تعجبوا من كون النجوم في تلك الليلة قريبة جداً من رؤوسهم! نفس هؤلاء الأطفال، الذين شاهدتم بعضهم بكل تأكيد، يتعلمون اليوم في مدارسهم مهاراتٍ منوعة ما بين القراءة إلى التجارة، بل حتى يتعلمون العلوم الصعبة حول كيف يكونون ثوريين.

هؤلاء هم مثال الإنسان الجديد الذي يولد اليوم في كوبا. إنهم يولدون اليوم في أماكن منعزلة، في أنحاء متفرقة من سييرا ماسترا، يولدون في التعاونيات ومراكز العمل. كل ما ذكرناه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بموضوع خطابنا اليوم: دمج الطبيب أو العامل في المهن الطبية في الحركة الثورية. مهام تعليم وإطعام الصغار، مهمة تعليم الجيش وتوزيع الأراضي التي كانت مملوكة من الإقطاعيين والسادة الغائبين، ومنحها للعمال الذين كانوا يكدحون فيها ليلَ نهار دون أن يحصدوا ثمرتها، كل ما ذكرته هو من إنجازات الطب المجتمعي الذي نمارسه في كوبا.

المبدأ الذي يجب أن نبني عليه عملنا في محاربة الأمراض هو خلق جسد قوي. لا أعني خلق جسد قوي من خلال تفنن الأطباء في ممارستهم الطبية على كائن ضعيف وتقويته، بل أعني تكوين جسد قوي من خلال عمل الجميع متحدين لخدمة المجتمع كاملاً بمجموعه.

بناءً على ذلك، يوماً ما سيقوم الطب بتغيير توجهاته إلى أن تصبح وظيفته منع الأمراض وتوجيه أفراد المجتمع ليمتلكوا زمام السيطرة ويتحملوا مسؤولية صحتهم. حينها يصبح دور الطب أن يتدخل فقط في الحالات الطارئة، أو لتنفيذ عملية جراحية أو مهمة تقع خارج نطاق مهارات أفراد المجتمع الذي نحاول خلقه.

في ذلك اليوم ستكون المهمة المطلوبة من وزارة الصحة والمؤسسات الطبية هي توفير خدمات الصحة العامة لأكبر عدد ممكن من الناس، وتطوير برامج الطب الوقائي، وتوجيه العامة ليهتموا بالممارسات الصحية السليمة. ما نحتاجه من أجل تنظيم هذه المهمة، هو تماماً ما نحتاجه لأي مهمة ثورية، ألا وهو الفرد. لا تقوم الثورة بتأطير الأفراد على شكل واحد كما يدعي البعض، ولا تقيد إرادة الجموع، بل على العكس تماماً، فالثورة تحرر المواهب الفردية وتوجّهها. ومهمتنا الآن هي توجيه القدرات الإبداعية للعاملين في كل المجالات الطبية نحو السعي للطب المجتمعي.

نحن الآن في نهايات حقبة، لا أتحدث عن كوبا فحسب. لا يهم ما يقوله المخالفون أو حتى ما يتمنونه، الرأسمالية بشكلها الذي عرفناه وتربينا عليه وعانينا منه هي الآن تتقهقر في كل أنحاء العالم. المحتكرون يسقطون، والعلم يؤسس لانتصار جديد في كل يوم. في القارة الأمريكية كان لنا الشرف والمهمة العظيمة أن نكون نحن في طليعة حركة التحرر، تلك التي بدأت منذ زمٍن في القارات المقهورة الأخرى: أفريقيا وآسيا. تغيير اجتماعي جذري، كهذا الذي نشهده، يتطلب تغييراً جذرياً في عقلية الناس.

الفردانية، أي السلوك المنفرد للشخص منعزلاً عن محيطه الاجتماعي، يجب أن تختفي من كوبا. في المستقبل يجب أن نعيد تعريف الفردانية، حتى تصبح التسخير الفعال لكامل الفرد  لتحقيق أفضل منفعة للمجموع. لا يكفي أن تكون هذه الفكرة مفهومة اليوم، لا يكفي أن تستوعبوا جميعاً ما أقوله وتفكروا بطريقة مختلفة عن الماضي والحاضر والشكل الذي يجب أن يكون عليه المستقبل. لتحقيق تغيير جذري في الفكر، لا بد من إحداث تغييرات داخلية هائلة، وأن نشاهد تغييرات خارجية واضحة، بالأخص في تأدية مهامنا وواجباتنا تجاه المجتمع.

هذه التغييرات الخارجية نشهدها في كوبا كل يوم. حتى تتعرف على الثورة، وتدرك حجم الطاقات التي كانت مخزونة لمدة طويلة لكنها خاملة في داخل الناس،  عليكَ أن تزور كل كوبا، وترى التعاونيات ومراكز العمل التي تنشأ كل يوم. وثمّة جزئيةٌ مهمة في الوصول إلى جوهر السؤال الطبي لا تكون فقط في زيارة هذه الأماكن والتعرف على الناس والأعمال التي يقومون بها؛ بل لا بد أن نعرف ما هي الأمراض التي يواجهونها، ما الذي يعانونه، ما هي مآسيهم اليومية التي يقاسونها منذ سنين، وما الذي ورثوه إثر قرون من القهر والخضوع الكامل. يجب أن يذهب الطبيب وكل عامل في الحقل الطبي بنفسه لمحور عمله الجديد، ألا وهو الإنسان بين المجتمع، الفرد بين الجماهير.

إن من واجب الطبيب أن يبقى قريباً من مريضه، وأن يكون مطلعاً بشكل عميق على نفسيته من الداخل، مهما حدث من تغيّرات في هذا العالم، لأن الطبيب هو من يهاجم ألمه ويلطفه، فهو يمارس وظيفة قَيّمة ويحمل مسؤولية كبيرة في المجتمع.

هنا في هافانا وقبل أشهر قليلة، رفضت مجموعة من الأطباء حديثي التخرج الذهاب للمناطق الريفية النائية، وطالبت بمكافآت قبل موافقتها على الخروج. من وجهة النظر القديمة، يبدو هذا التصرف منطقياً تماماً، أو على الأقل هذا ما كان يبدو لي وأراه عين الصواب. أعاد هذا الموقف لذاكرتي ما كنت أنا عليه وكيف كنت أفكر قبل سنوات. هذه الحادثة تمثل تماماً قصة المصارع الروماني الذي ثار؛ المحارب الفردي أو البطل الذي يريد تحقيق مستقبل أفضل وظروف معيشة أرقى، وتحقيق ما يحتاجه الناس منه.

لكن فلنتخيل معاً، ماذا سيحصل لو تمكن محل هؤلاء الفتية القادمين من عائلات مقتدرة بالمجمل وكانت قادرة على تغطية نفقات سنوات من الدراسة، شبابٌ من الطبقة الأقل حظاً من إكمال دراستهم وبدؤوا بممارسة مهنتهم؟ ما الذي سيحصل لو تمكن مائتان أو ثلاثمائة من الكادحين من التخرج في الجامعة هكذا بعصا سحرية؟

بكل بساطة، ما كان سيحصل هو أن هؤلاء الفقراء سيسعون بكامل حماسهم لمساعدة إخوانهم، مباشرةً من غير تأخير. سيطلبون ومن دون أدنى تردد أصعب الوظائف وأكبرها مسؤوليةً؛ حتى يثبتوا أن سنوات دراستهم لم تذهب هباءً. ما سيحدث هو ما سترونه خلال سنوات قليلة قادمة، حين تتخرج الدفعات الجديدة من الكادحين من أبناء العمال والفلاحين، ويحصلون على شهاداتهم العلمية في مختلف المجالات.

لكن لا يجوز أن ننظر للمستقبل بحتمية مطلقة، ونتعامل مع الناس إما على أنهم أبناء كادحين وعمال أو أنهم معادون للثورة؛ هذا لا يجوز لأنه مبالغ في التبسيط، ولأنه غير صحيح، ولأن لا شيء يستطيع أن يُعلِّم الرجل المستقيم أكثر من عيشه داخل الثورة. لا أحدَ منا، نحن المجموعة الأولى التي وصلت إلى جرانما، المجموعة التي استقرت في سييرا ماسترا وتعلمت أن تحترم الكادحين والعمال الذين عشنا معهم، كان من طبقة العمال أو كانت خلفيته من الكادحين. بالتأكيد كان من بيننا من احتاج للعمل، وكان منا من عانى شيئاً من الحرمان أو التمييز في طفولتهم. لكن الجوع، الجوع الحقيقي أو بالأحرى المجاعة، لم يجربها أحدٌ منا. لكننا بدأنا بالتعرف عليها خلال سنتي وجودنا الطويلتين في سييرا ماسترا. حينها اتضحت لنا الكثير من الأمور.

نحن الذين كنا نعاقب وبشدة كل من كان يقترب من ممتلكات أغنى عامل أو مالك أرض، ثم جلبنا نحن أنفسنا في أحد الأيام عشرة آلاف رأس ماشية إلى سييرا ماسترا، وبكل بساطة قلنا للكادحين (كُلوا). أكل يومها الكادحون اللحم لأول مرة من سنين، بل حتى بعضهم كانت هذه هي المرة الأولى في حياته!

إنّ الاحترام الذي كنا نكنّه للحق المقدس لملكية هذه الماشية فقدناه في خضم المعارك. وبات جلياً لنا أن حياة إنسان واحد تفوق في أهميتها ألف ألف مرة كل ملكيات أغنى رجل على وجه الأرض. كنا قادرين على تعلّم ذلك، ونحن لم نكن من الطبقة الكادحة ولا من أبناء العمال. هل نستطيع- وقد كنا مرفّهين- أن نهتف من أبراجنا العاجية أن باقي الناس في كوبا لن يستطيعوا تعلم ما تعلمناه؟! أبداً، يستطيع الكل أن يتعلم ذلك، بل حتى الثورة تطالب الجميع بتعلم هذا، وبأنْ يكون مفهوماً لدى الجميع أنَّ شرف خدمتك لجارك يفوق أهميةً أيّ مكافآت مادية، وأنك مهما جمعت من ذهب وأموال، فلا شيء أدوم وأبقى من الفخر والعرفان الذي تناله من خدمة الناس. يستطيع كل طبيب في إطار عمله أن يراكم هذا الكنز الثمين، بل يجب عليه أن يراكم هذا الكنز من عرفان أهله وتقديرهم له.

علينا إذاً أن نبدأ بمحو مفاهيمنا القديمة، ونسعى للاقتراب أكثر وأكثر من الناس، ونصبح أكثر وعياً. لا نريد أن نتعامل معهم كما كنا في السابق. أعلم أن جميعكم سيقول "كلا كلا، أنا قريب من الناس، أنا أحب الحديث مع العمال والكادحين، وأذهب هنا وهناك في أيام الإجازات لحملات وأعمال خيرية وهكذا..." عفواً، الجميع فعل ذلك، لكننا فعلناه من باب "الأعمال الخيرية". ما نريده اليوم هو فعل التكافل والتضامن. لا نريد أن نذهب للناس ونقول لهم: "ها نحن ذا، أتيناكم لنتفضَل عليكم بحضورنا، ولنقوم بالأعمال الخيرية بينكم. جئنا لنعلمكم من معارفنا، ونريكم أخطاءكم وانعدام ثقافتكم، وإهمالكم حتى للقضايا الأساسية." ليس هذا ما نريده. ما نريده عوضاً عن ذلك هو أن نذهب لهم بعقل متسائل ونفس متواضعة للتعلم، لننهل من ذلك النبع العظيم للحكمة، ألا وهو الناس.

مع مرور الوقت وطول المخالطة، ستبدو لنا مفاهيمَ كثيرةً كنا نراها مألوفةً خاطئةً؛ مفاهيم كانت مألوفة لدرجة أنها أصبحت جزءاً منا ومن مسلمات أفكارنا.سنحتاج غالباً إلى تغيير مفاهيمنا، لا في الحياة العامة وحسب، ولا مفاهيمنا الاجتماعية والفلسفية فقط، بل حتى سنجد أنفسنا نغيّر كثيراً من مفاهيمنا الطبية.

سنرى أن المرض ليس بالضرورة أن يُعالَجَ دائماً كما كنا نعالجه في مستشفيات المدن الكبيرة. يجب أن ندرك أنَ على الطبيب أن يكون مزارعاً أيضاً، يزرع أطعمةً جديدةً ويغرس ثمراتٍ متنوعةً. يجب على  الطبيب أن يسعى لإشباع حاجة الناس للأطعمة الجديدة، ويسعى كذلك لزيادة التنوع في السلة الغذائية في كوبا، والتي تعاني مع الأسف من محدوديتها وفقرها، رغم كونها واحدةً من أغنى الدول في العالم تنوعاً وقدرة زراعية. يجب علينا أن ندرك في هذه الظروف دورنا في أن نكون تربويين مرشدين.  وعلينا كذلك  أن نكون سياسيين مع الناس، لا أن نذهب إليهم مستعرضين "حكمتنا" العظيمة عليهم، بل نذهب إليهم  لنوضح لهم أننا هنا لنتعلم معهم، لنثبت لهم أننا معاً نتشارك التجربة الرائعة العظيمة: بناء كوبا الجديدة.

لقد قطعنا مسافة كبيرة منذ اليوم الأول من العام 1959 حتى اليوم، مسافة لا تُقاس بالوسائل التقليدية. غالبية الناس ومنذ مدة طويلة فهمت أننا لم نسقط ديكتاتوراً فحسب، بل نظاماً كاملاً. الآن نصل للجزء الذي يجب على الناس أن تدركه، وهو أن نظاماً جديداً يجب أن يُقام على أنقاض النظام القديم البائد؛ نظاماً جديداً يجلب السعادة المطلقة للناس.

أذكر قبل مدة، خلال الأشهر الأولى من السنة السابقة، وصول الرفيق جولين من الأرجنتين. كان وقتها شاعراً عظيماً كما كان اليوم، لكن ربما لم تكن كتبه قد تُرجمت لكل اللغات التي تُرجمت لها اليوم،  قرّاء جدد يتعرفون على شعره في كل يوم، وفي كل لغة. لكنه كان نفس الرجل الذي هو عليه اليوم. رغم كل شهرته، كان من الصعب على جولين أن يُلقي قصائده ، قصائد الشعب، لأنه جاء خلال الحقبة الأولى؛ حقبة التعصب. لم يتوقف أحدٌ منا ليفكر كيف لسنواتٍ طويلة وبإخلاصٍ منقطع النظير، سَخَّر جولين الشاعر العظيم كل قدراته الشعرية العظيمة في خدمة الناس، والقضية التي آمن بها. لم يرَهُ الناس على أنه فخر كوبا، بل رأوه ممثلاً لحزب سياسي كان محظوراً.

الآن بعد أن مضى كل هذا، اكتشفنا أن الاختلاف في وجهات النظر المتعلقة بإدارة قضايانا الداخلية لن يقود لانقسامات إذا كان لنا عدوٌ مشترك وهدفٌ واحد. يجب علينا أن نتفق ما إن كنّا نواجه عدواً واحداً، وهل نسعى لهدف مشترك؟

الآن وقد توصلنا لقناعة مطلقة بأننا بالتأكيد لدينا عدوٌ مشترك، فلن يضطر أحد إلى التلفت  يُمنةً ويُسرةً ليرى إن كان هناك من يتربص به، ربما جاسوس ينتظر أن يسمع ما يقول ليوصله للسفارة. لن تضطر للتوجس حين تقول رأيك عن المحتكرين بكل وضوح: "عدونا، وعدو كل القارة الأمريكية، هو الحكومة الاحتكارية للولايات المتحدة الأمريكية."  إذا أدرك الجميع الآن أن هذا هو العدو المشترك، وبات واضحاً للجميع أن كل من يقاتل ضد هذا العدو فهو شريكنا، حينها ننتقل للجزء الثاني. هنا والآن في كوبا، ما هي أهدافنا؟ ماذا نريد؟ هل نريد تحقيق السعادة لشعبنا أم لا؟ هل نريد تحقيق الحرية الاقتصادية المطلقة لكوبا أم لا؟

هل نريد أن نخوض نضالنا لنكون أمة حرة بين الأمم الحرة، دون أن نضطر للاستقطاب نحو أي حلف عسكري؟ هل نريد أن نصبح أحراراً في شؤوننا الداخلية والخارجية دون أن نضطر لطلب الإذن من سفارة أيّ دولة عظيمة؟ ألا نخطط لتوزيع ثروات أولئك الذين يملكون كلَّ شيء لنعطيها لمن لا يملك شيئاً؟ إذا أردنا أن نحقق سعادتنا عبر العمل الإبداعي اليومي المتجدد، فعلينا أن نحدد أهدافاً نسير نحوها. وكل من يمتلك نفس الأهداف أياً كان، فهو صديق لنا، حتى لو كان يمتلك مبادئ أخرى أو كان ينتمي لمؤسسة أو أي كيان آخر، كل هذه نقاط ثانوية.

في أوقات الخطر المحدق، وأيام التوتر الشديد والبناء العظيم، ما يهم هو الأعداء الكبار والأهداف الكبرى. إذا كنا متفقين بالأصل، وكنا جميعا نعرف إلى أين نحن ذاهبون الآن، فعلينا أن نبدأ العمل، الآن.
قلت قبل قليل إنه لكي تكون ثورياً، فلا بد من وجود ثورة في البداية. نحن بالفعل في طور الثورة. بعدها، يجب أن نتعرف على الناس الذين سنعمل معهم. أعتقد أننا لم نألفهم بشكل كافٍ بعد، وأننا بحاجة إلى بعض السعي في هذه الطريق مدةً من الزمن. ربما تتساءلون عن الكيفية التي ستتعرفون بها على رفاقكم غير طريق العيش في التعاونيات والعمل فيها. بالتأكيد لا يستطيع الجميع فعل ذلك، وهناك كثيرٌ من الأماكن التي تتطلب وجود طبيب، لأنّ وجوده مهمٌ فيها. أعتقد أن الكتائب الشعبية واحدة من أعظم تجليات التكافل والوحدة بين الشعب الكوبي. تعطي الكتائب للطبيب اليوم مهمةً جديدة وتساهم في إعداده. تعده لما كان قبل وقت قصير المصير الحزين والحتفي لكوبا؛ أن نمسي ضحيةً لعدوان مسلح على مستوى واسع.

لكن ينبغي أن أنبهكم أن الطبيب حتى ولو كان في وظيفة الجندية وكان ثورياً، يجب أن يبقى دائماً طبيباً. لا يجوز أن ترتكبوا نفس الخطأ الذي ارتكبناه في سييرا، أو ربما لم يكن خطأ، لكن كل رفاقنا الأطباء جرّبوا ذلك. لم نكن نرى شرفاً في البقاء بجانب الجرحى أو المرضى، وكنا نظن ذلك مشيناً. كنا نبحث عن أي وسيلة ممكنة لنمتشق سلاحاً ونذهب للخطوط الأولى من المعركة، لنُظهر بطولاتنا وما نحن قادرون على فعله.

الآن تغيرت الظروف، وعلى الجيوش الجديدة التي يتم تشكيلها للدفاع عن البلد أن تمتلك وسائلَ مختلفة. سيكون للطبيب أهميةٌ عظيمةٌ في تشكيلة الجيش الجديد. يجب أن تحافظ على كونك طبيباً، وتلك وظيفة من أجمل الوظائف في الوجود، وإحدى أهم الوظائف في الحرب. لا أتحدث عن الأطباء فقط، بل أيضا الممرضين وأخصائيي المختبرات، وكل أولئك الذين يسخّرون أنفسهم لهذه المهمة الإنسانية يمتلكون أهميةً عظيمة.

رغم أننا مدركون الخطرَ المحدق بنا، وعلى الرغم من تجهيزنا لأنفسنا لرد أي عدوان من كل من يتربص بنا في هذا المحيط العدائي، إلا أننا ينبغي أن نتوقف عن التفكير في ذلك. لو جعلنا التحضير للحرب في محور اهتماماتنا، فلن نعود قادرين على تسخير أنفسنا للعمل الإبداعي. كل العمل وكل ما نستثمره من أموال في التحضير للعمل العسكري هو جهد ضائع ومال مهدور. لكن مع الأسف، نحن مضطرون للتحضير لذلك، لأن الآخرين يُعدّون أنفسهم. لكني أقولها لكم بكل صدق، وأقسم بشرفي كجندي، أن ما يحزنني أكثر من المبالغ التي أراها تخرج من خزينة البنك الوطني، هي تلك الأموال التي ندفعها مقابل سلاحٍ ما.

ثمّة وظيفة مهمة للكتائب الشعبية حتى في أوقات السلم، ففي المراكز السكنية يجب أن تكون الكتائب الأداة التي توحّد الناس. يجب أن نمارس التكافل بشكل كبير، وكما قيل لي فإن الكتائب الشعبية الطبية تمثل أفضل تجليات التكافل. وفي أوقات الخطر يجب أن تسعى الكتائب مباشرةً لحل مشاكل الفقراء في كوبا.  تتيح هذه الكتائب أفضل فرصة للعيش معاً، متشاركين ومتساوين بلباسٍ واحد مع كل الرجال، ومن كل الطبقات في كوبا.

إن أردنا نحن العاملين في الحقول الطبية أن نكون (ناجحين)- وهو مصطلح لم أستعمله منذ مدة-  فعلينا أن نكون فاعلين، أن نستعمل سلاحنا الجديد: التكافل والتضامن، وأن نعرف الأهداف والعدو، ونحدّد الوجهة التي يجب أن نسير بها. حينها يكون كل ما تبقى علينا معرفته فقط، هو الجزء من الطريق الذي يجب أن نخوضه كل يوم بيومه. هذا الجزء من الطريق لا يستطيع أحد أن يريك إياه؛ هذا الجزء من الطريق هو الرحلة الشخصية لكل فرد فينا. هذا الجزء هو ما ستفعله في كل يوم، ما ستكتسبه عبر تجربتك الشخصية، وما ستمنحه من ذاتك خلال ممارستك لمهنتك مُسَخَّرا ذاتك لرخاء الآخرين.

الآن، ونحن نمتلك جميع مقومات مسيرنا نحو المستقبل، فلنتذكر النصيحة الخالدة- وإن كنتُ أهملتها خلال خطابي هذا- "الطريقة المثلى للقول هي العمل".. هيا بنا لنسير نحو مستقبل كوبا.

* النص بالإنجليزية، هنا.