مجدي عطية

نتحدث في هذا الجزء عن الجنديّ السايبورغ، وعن أبعاده، نطرح بعض الأمثلة العمليّة عليه، والأسباب التي دفعت باتجاه اتجاه اعتماده عنصراً رئيسيّاً في تشكيل العقيدة العسكرية للجيوش المعاصرة وجيوش المستقبل.

الوكالة الأمريكية داربا

نحاول في هذا الجزء شرح ثلاثة مفاهيم رئيسية لها علاقة بعمل الوكالة الأمريكية "داربا"، وهي مفاهيم تساعدنا على فهمٍ أوسع لطبيعة عمل الوكالة وامتداداتها البحثيّة، وسيوّفر هذا الجزء كذلك بعض الإحالات المنهجية الأولية للمهتمين بقضايا العلوم الإدراكية.

نعود في هذا الجزء مجدداً إلى قضية التوجّس واللاشيء أو العدم. رأينا في الخاصيّة الأولى للكينونة- في العالم- أنّ الوجدان ينتمي لبنية الكينونة ذاتها، وأنه "الكيفيّة الأوليّة والمستمرّة التي ينكشف لنا بها كونُنا في العالم، لدى الأشياء ومع الآخرين. وعليه، فإن كل تصرّفٍ للكينونة، سواءً أكان نظرياً أو عملياً، وسواء كان إزاء ذاتها أو الأشياء أو الآخرين، يكون قائماً على أساس حالٍ وجدانيٍّ معيّنٍ: فرح حزن، دهشة، فضول، حنين، شوق، أمل، يأس، استياء، لامبالاة وما إلى ذلك"[1].

هناك مقولة يردّدها الجنود كثيراً، خصوصاً عند الحديث عن مكانة ودور المشاعر في الحياة العسكريّة، وعندما أقول الجنود، أقصد تسعة من جنود المشاة في الجيش الفرنسيّ حاورتهم بشكل شخصيّ في إطار بحوثي الجامعية، وغيرهم العديد ممّن نُشرت شهاداتهم على الإنترنت وفي الكتب، سواء كانت لجنود في الجيش الفرنسيّ، أم لآخرين في جيوش مختلفة هي بشكل رئيسيّ: الجيش الأمريكي، الجنوب أفريقي والإسرائيلي؛ أما المقولة فهي: "الجنديّ لا يخاف، الجنديّ يتوجّس".

 
داربا

في سياق سباق التسلّح مع الاتحاد السوفييتي، اتخذت الحكومة الأمريكية عام 1958 عدة قرارات من بينها إنشاء وكالة وزارة الدفاع لشبكة البحوث المتقدمة – داربا (Defense Advanced Research Projects Agency)، وكان هدفها الرئيسي خلق تكنولوجيا المستقبل التي ستزيد بالضرورة من القدرات الدفاعية للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها. لم تعرف (داربا) منذ ذلك الوقت حدوداً، ميدانها كل المجالات، البحث في كل ما يمكن أن يستخدم لأغراض عسكرية، ثم تزويد مختلف مؤسسات وزارة الدفاع الأمريكية بنتائج بحثها.

كما يتمّ قمع وإعادة تأهيل بعض المشاعر من أجل الوصول إلى الحالة النفسيّة المثاليّة لدى الجنود، يتمّ تعزيز مشاعر أخرى كالفخر والسعادة، الحنين والشهوة إلى حدّ ما؛ ويبدو أنّ الأمور تذهب بهذا الإتّجاه المرن أكثر فأكثر، وبالرغم من الانتقادات الكبيرة، تقول ساسون ليفي، فإنّه يسمح للجنود الصهاينة اليوم إظهار حدّ معيّن من الحزن والألم، وحتّى البكاء في جنازات الرفاق. إذاً، "يمكنك البكاء، لكن دون أن تشهق." بهذه العبارة التي قالها أحد جنرالات الجيش الصهيوني لجنوده يمكن اختصار جوهر عسكرة المشاعر.

لاحظنا أن التجنيد المهني في جيش المشاة الفرنسي لا يمكن أن يتم اختصاره إما في آليات قدريّة أو في تمثيلات هوياتية. لكن في نفس الوقت، لا يمكننا أيضاً أن نرفض هذه الاحتمالات للظاهرة والتي لطالما شكلت جزءاً من حديث الجنود. الفكرة ببساطة، هي أنه عندما يعبّر الجنود عن قرار إنضمامهم المهني للجيش، لا يفعلون ذلك بطريقة واحدة أو نمطية، وإنما بشكل ديناميكي أغنى بكثير مما يمكن تخيله وحشره في فرضيتين أو ثلاثة.

الجنديّة كحرفة: عن التحولات في الحرب والثورة في الشؤون العسكرية

إنّ الجيش المحترف هو قبل كل شيء ردة فعل على فشل المؤسسة العسكرية الكلاسيكية في حروب جديدة، وهو أيضًا ذروة الحاجة إلى جيش عملياتي، أكثر أتمتًة وأقل اعتمادًا على الإنسان، بمعنى تشكيل جيش مرن وخفيف، سريع وأكثر سهولة في انتشاره أو اشتباكه في أكثر من موقع وبأكثر من قوة. بالطبع، يمكن تحقيق كلّ ذلك من خلال التكنولوجيات العالية، دون إغفال أن المعلومة والسرعة هما سلاحهما الأساسيان قبل الحديد والنار..

تعني البوليمولوجيا بدراسة الحرب كظاهرة إنسانية معقدة. ولا يقصد بوصفها معقدة كونها غير مفهومة، بل بمعنى وجود عدّة جوانب/مظاهر/مستويات للحرب، تتم دراسة الحرب من خلالها جميعًا. هذا مع التأكيد مرة أخرى على أنّ جميع هذه الأبعاد للحرب متشابكة، تجمعُها باستمرار فكرةٌ واحدةٌ مشتركة تعطيها صفة الحرب، وبإلغاء هذه الفكرة الواحدة المشتركة يكون الحديث عن شيء آخر وليس عن الحرب.

ظهر مصطلح (البوليمولوجيا) لأوّل مرة في العام 1942، وكان ذلك على يد عالم الاجتماع الفرنسي (غاستون بوتول 1896-1980). وهي كلمة يونانية قديمة مكوّنة من مقطعين: بوليمو أو بوليموس، وتعني حرب أو صراع. ولوجيا تعني "علم"، وبهذا تصبح كلمة (بوليمولوجيا) علم الحرب أو دراسات الحرب. أراد بوتول بنحته لهذا المصطلح أن يكون خليفةً لـ "كلاوزفيتز" وأن يرفع رايته المنهجية في دراسة الحرب من خلال اقتراح تدشين حقل علمي جديد يُعنى بشكل خاص ومستقل بدراسة الحرب كظاهرة اجتماعية وتاريخية بطريقة منهجية.

Pages

Subscribe to مجدي عطية