إنّها الحرب

كيف يصبح الأفراد جنوداً؟ هذا هو السؤال الرئيسي الذي سنحاول في هذا الملفّ البحثيّ أن نجيب عليه، وهو بالأساس مادة تمّ العمل عليها لاجتياز إحدى مساقات الدراسات العليا (الإدراك والعواطف) في جامعة نيس، وتمّ نقلها إلى العربيّة. ولذلك، ما سنعرضه ليست نصوصا متفرقّة تم تجميعها بقدر ما هي مادّة بحثيّة واحدة تمّ تجزئتها على أربعة فصول ليسهل على القارئ والمهتمّ التعامل معها.

يوّفر التدفق الهائل للمعلومات للقادة الميدانيين الفرصة لاتخاذ قراراتهم بشكل لحظيّ وبمستوى أعلى من الدقة والسّرعة، الأمر الذي يتيح لهم تفوقاً هائلاً على العدوّ. ويمكن بهذا المنظار النظر إلى الجيوش والبنية العسكريّة المتفوقة والتي تشمل القدرات البريّة والجوّية والبحريّة التي يملكها الغرب، فقوة هذه البنية تستند بشكل كبير إلى توافر طرق تواصل فورية، وتدفق سريع وسلسل للمعلومات الدقيقة من ساحة المعركة إلى مراكز القيادة والتّحكم وبالعكس.

لطالما رافقت الحروبَ محاولاتُ الأطراف المتنازعة التّأثيرَ على الخصم من خلال استخدام أدواتٍ نفسيّةٍ تتعدى الفعل العسكريّ الماديّ. وفي هذا السّياق، تعتبر القدرة على نشر الإشاعة، أو العبث في منظومة المعلومات لدى الخصم، أو حتى الفاعلية في بناء مصداقية مع مجتمع العدوّ بهدف إخراج التناقضات الاجتماعية والسّياسية للظاهر، أو زعزعة الإرادة لديه بالاستمرار في المواجهة، هي إحدى أقدم أدوات الحرب استخدامًا وأحد أهم أبعادها.

الجيش والمجتمع في تركيا: قراءة إثنوغرافيّة

تقول لنا الباحثة التركيّة سومبول كايا بأن مهمة الجيش الأساسية في تركيا هي بناء الهوية الوطنيّة، ولهذا فهو يتمتّع بشعبيّة ملحوظة عند الأتراك. وبكلمات أكثر نظريّة، يقوم الجيش باعتباره مؤسسة اجتماعية شاملة بخلق روح عسكريّة متجانسة بين جنوده تسمح فيما بعد بتفعيل الطابع الوطني العام، بما يتوافق والقيم الكماليّة التي تُعتبر روح الدولة التركية الحديثة، وتَعتبر مقولة "كلّ تركي يولد جنديًّا" من أبرز ما تقوم عليه، كذلك مقولات بديهية أخرى كالعلمانية، المواطنة، الدولة-الأمة.

الجنديّة كحرفة: عن التحولات في الحرب والثورة في الشؤون العسكرية

إنّ الجيش المحترف هو قبل كل شيء ردة فعل على فشل المؤسسة العسكرية الكلاسيكية في حروب جديدة، وهو أيضًا ذروة الحاجة إلى جيش عملياتي، أكثر أتمتًة وأقل اعتمادًا على الإنسان، بمعنى تشكيل جيش مرن وخفيف، سريع وأكثر سهولة في انتشاره أو اشتباكه في أكثر من موقع وبأكثر من قوة. بالطبع، يمكن تحقيق كلّ ذلك من خلال التكنولوجيات العالية، دون إغفال أن المعلومة والسرعة هما سلاحهما الأساسيان قبل الحديد والنار..

تعني البوليمولوجيا بدراسة الحرب كظاهرة إنسانية معقدة. ولا يقصد بوصفها معقدة كونها غير مفهومة، بل بمعنى وجود عدّة جوانب/مظاهر/مستويات للحرب، تتم دراسة الحرب من خلالها جميعًا. هذا مع التأكيد مرة أخرى على أنّ جميع هذه الأبعاد للحرب متشابكة، تجمعُها باستمرار فكرةٌ واحدةٌ مشتركة تعطيها صفة الحرب، وبإلغاء هذه الفكرة الواحدة المشتركة يكون الحديث عن شيء آخر وليس عن الحرب.

ظهر مصطلح (البوليمولوجيا) لأوّل مرة في العام 1942، وكان ذلك على يد عالم الاجتماع الفرنسي (غاستون بوتول 1896-1980). وهي كلمة يونانية قديمة مكوّنة من مقطعين: بوليمو أو بوليموس، وتعني حرب أو صراع. ولوجيا تعني "علم"، وبهذا تصبح كلمة (بوليمولوجيا) علم الحرب أو دراسات الحرب. أراد بوتول بنحته لهذا المصطلح أن يكون خليفةً لـ "كلاوزفيتز" وأن يرفع رايته المنهجية في دراسة الحرب من خلال اقتراح تدشين حقل علمي جديد يُعنى بشكل خاص ومستقل بدراسة الحرب كظاهرة اجتماعية وتاريخية بطريقة منهجية.

وقد كان لنا نحن العرب مساهمة أساسية في هذا المجال. ولعل عمر بن إبراهيم الأوسي الأنصاري صاحب كتاب "تفريج الكروب في تدبير الحروب"، الذي وضعه في عهد السّلطان المملوكي فرج بن برقوق (1399-1411 م) كدليل في التحضير للحرب وكيفية القيام بها، هو أبرز وأهم ما كتب في هذه الحقبة التاريخية قبل أن "تنتقل" العلوم العربية إلى مناطق أخرى في العالم وتكون مرجعاً لن يذكر أبداً لجاك دو جيبيرت (1743-1790) الذي نظّر للجيوش الوطنية الكبرى وفكرة "الجندي-المواطن" في "مقالة عامة في التكتيك".

تضمن دراسات القوّة الجوّية مداخل عدّة، منها ما هو نظريّ، ومنها ما هو عملياتي- تكتيكي يختصّ في دراسة استخداماتها بهدف استقصاء المعلومات الاستخباراتية، وصولاً إلى التّدخلات في الحروب البريّة التّقليدية وغير التّقليدية. وتتضمن هذه الدراسات كذلك المعرفة بالطّائرات المستخدمة، وطبيعية القذائف والصّواريخ التي تحملها، وقدرات الطّائرات من حيث سرعتها، ومدى طيرانها، وغيرها من أمور تفصيلية.

Pages

Subscribe to إنّها الحرب