You are here

إنّها الحرب

نشهدُ اليومَ تطورًا هائلاََ في تكنولوجيا الاتصال والتّواصل، بحيث أصبح نقلُ المعلوماتِ أكثرَ سرعةً وسهولةً، ويتم بشكلٍ لحظيٍّ ومباشرٍ عن طريق "الستالايت"، "والانترنت"، والألياف البصريّة، وغيرها من الأدوات التّكنولوجيّة. ولقد أدى هذا التّطور إلى تغيير عالمي في مختلف مجالات الحياة، الاجتماعية منها كتأثيره على العلاقات والنسيج المجتمعيّ، والاقتصادية كتأثيره على وسائل الإنتاج، وبطبيعة الحال كان لذلك التّأثير على طبيعة الحروب وأساليبها.

 

لطالما رافقت الحروبَ محاولاتُ الأطراف المتنازعة التّأثيرَ على الخصم من خلال استخدام أدواتٍ نفسيّةٍ تتعدى الفعل العسكريّ الماديّ. وفي هذا السّياق، تعتبر القدرة على نشر الإشاعة، أو العبث في منظومة المعلومات لدى الخصم، أو حتى الفاعلية في بناء مصداقية مع مجتمع العدوّ بهدف إخراج التناقضات الاجتماعية والسّياسية للظاهر، أو زعزعة الإرادة لديه بالاستمرار في المواجهة، هي إحدى أقدم أدوات الحرب استخدامًا وأحد أهم أبعادها.

"إن شاء الله، سأذهب إلى الجيش، وسأعود.. لأنه واجب وطنيّ.. لكي أدافع عن شرفنا كأمة.. جيشنا جميل، وأنا لا أثق لا برئيس الوزراء ولا بالرئيس نفسه كما أثق بالجيش" (طالب تركي، سنة سادسة طب-قيصريّة)

"عندما أفكّر في الخدمة العسكريّة، أتذكّر أكثر لحظات عمري أهميةً، أيام جميلة، وقد أنجزت فيها واجبي تجاه الأمة والدولة بشرف. أنا فخور حقاً بتلك الخدمة" (زيـا، مواطن تركي-إردين)

 

قبل حوالي 3500 عام قبل الميلاد، كانت منطقة ما بين النهرين قد بدأت تتشكل كأول حضارة مدنية في التاريخ، تعرف اليوم بحقبة أوروك التي ولدت فيها عدّة مدن، ومعها جيوشها.

دعونا نقول أو نتخيل أن الحرب مباراة كرة قدم، ولتكن مثلا بين المنتخب الفلسطيني والمنتخب الصهيوني، ولنفرض أنها ستقام على ملعب قلنديا الدولي. من البديهي بداية أن يكون هناك منتخب فلسطيني كي يشارك/نشارك في هذه المباراة، ثم أن يكون هذا المنتخب مدرّبًا مؤهلًا لخوضها وللفوز فيها. ولسبب ما نعرفه، سيحضّر لهذه المباراة ويحضرها رجل السياسة، وسيحشد لها الإعلام حتى موعد انعقادها وربما أطول. كما لن تغيب هذه المباراة بالتأكيد عن بال أصحاب الشركات التجارية الكبرى، البسطات، الشعراء، المنظرّين... وجمهور من المشجعين الذين سيضجّ الملعب بهم والهواء بهتافاتهم، سنرى دموع النصر أو دموع الهزيمة، وسيحضّر كل هؤلاء للمباراة المقبلة، وتكون حرب.

ظهر مصطلح (البوليمولوجيا) لأوّل مرة في العام 1942، وكان ذلك على يد عالم الاجتماع الفرنسي (غاستون بوتول 1896-1980). وهي كلمة يونانية قديمة مكوّنة من مقطعين: بوليمو أو بوليموس، وتعني حرب أو صراع. ولوجيا كما اعتدنا في تسميات العلوم الأخرى، يُعنى بها علم، وبهذا تصبح كلمة (وليمولوجيا) علم الحرب أو دراسات الحرب. أراد بوتول بنحته لهذا المصطلح أن يكون خليفةً لـ "كلاوزفيتز" وأن يرفع رايته المنهجية في دراسة الحرب من خلال اقتراح تدشين حقل علمي جديد يُعنى بشكل خاص ومستقل بدراسة الحرب كظاهرة اجتماعية وتاريخية بطريقة منهجية.

تضمن دراسات القوّة الجوّية مداخل عدّة، منها ما هو نظريّ، ومنها ما هو عملياتي- تكتيكي يختصّ في دراسة استخداماتها بهدف استقصاء المعلومات الاستخباراتية، وصولاً إلى التّدخلات في الحروب البريّة التّقليدية وغير التّقليدية. وتتضمن هذه الدراسات كذلك المعرفة بالطّائرات المستخدمة، وطبيعية القذائف والصّواريخ التي تحملها، وقدرات الطّائرات من حيث سرعتها، ومدى طيرانها، وغيرها من أمور تفصيلية.

وقد كان لنا نحن العرب مساهمة أساسية في هذا المجال. ولعل عمر بن إبراهيم الأوسي الأنصاري صاحب كتاب "تفريج الكروب في تدبير الحروب"، الذي وضعه في عهد السّلطان المملوكي فرج بن برقوق (1399-1411 م) كدليل في التحضير للحرب وكيفية القيام بها، هو أبرز وأهم ما كتب في هذه الحقبة التاريخية قبل أن "تنتقل" العلوم العربية إلى مناطق أخرى في العالم وتكون مرجعاً لن يذكر أبداً لجاك دو جيبيرت (1743-1790) الذي نظّر للجيوش الوطنية الكبرى وفكرة "الجندي-المواطن" في "مقالة عامة في التكتيك".

Pages

Subscribe to إنّها الحرب