"الثورة الأخرى في الشؤون العسكرية"

18-05-2016
-A A +A
الثورة في الشؤون العسكرية

تكتسب معرفة العدوّ أهمية بالغة وحاسمة في الأدبيات العسكريّة المختلفة. وقد  كتب "سان تزو" في كتابه "فن الحرب" قبل أكثر من ألفي عام، قائلاً: "إن كنتَ تعرفُ عدوّك وتعرف ذاتك، حينها لن تخاف نتائج مئة معركة". ومن هنا تكثر الأدبيات المتعلقة بدراسة الأداء العسكريّ لقوى المقاومة في فلسطين والمحيط العربي والإسلامي الأوسع والصادرة من الأكاديميا الصّهيونيّة والغربيّة عامةً.

نحاول هنا الإضاءة على إحدى إصدارات هذه الأكاديميا الصهيونية، وهي مقالة للجنرال الصهيوني "إيتاي برن" (Itai Brun)، بعنوان: "بينما كنا مشغولين في تخطيط أمور أخرى- الثورة الأخرى في الشوؤن العسكرية"، ونشرت في المجلة المحكمة للدراسات الإستراتيجية في آب من العام 2010.

يتتبع إيتاي في مقالته التّطورَ الفكريّ العسكريّ لقوى المقاومة في لبنان وفلسطين مع التّركيز على ما أسماه التّطور في العقيدة والبنية العسكريّة، والتي تزامنت  مع تطورات في الفكر العسكريّ الغربيّ، ويشخّص إيتاي حالة جادة، عند قوى المقاومة، من استخلاص العبر والدروس، وهي حالة مبنيّة على دراسة وتحليل للأداء العسكري على مدار قرن ونيف من المواجهة.

تتخذ المقالة من المواجهة مع المقاومة الفلسطينية واللبنانية أساسًا في تحليل ما يُسميه الكاتب الصّهيونيّ "الثورة الأخرى في الشّؤون العسكريّة" (The Other Revolution in Military Affairs-ORMA) .

ويشير مفهوم "الثورة في الشؤون العسكريّة" إلى تحوّل في طبيعة الحروب الغربيّة منذ تسعينات القرن الماضي، عماده الثورة المعلوماتية وتكنولوجيا التّواصل التّي أثرت بشكل عميق على طبيعة الحرب وأدواتها ونظرياتها القتالية واللوجستية.

وتعتبر حرب الخليج الأولى تدشينًا للتطبيق العمليّ الحيّ للثورة في الشّؤون العسكرية، إذ اعتمدت فيها القوى الاستعمارية الغربيّة بشكل واضح على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (الحرب الإلكترونية، الأسلحة الذكيّة، نظم تحديد المواقع والمناورة العالية والسريعة).

في مقالته، يحاول الكاتب الصهيوني أن يقارب ما بين هذا التحوّل في الحرب في الغرب، وبين ما يُطلق عليه "الثورة الأخرى"، أي ما حصل من تطورات فكرية عسكرية على "الجهة الأخرى من التلة"، أي لدى قوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية ولدى الجيوش النظامية في إيران وسوريا. يحاول "إيتاي" في مقالته وصف هذه الثورة وتحديد معالمها، وتقديم تحليلات لعملية استخلاص العبر التي أدت إليها، وللعوامل الرئيسة التي أدت إلى نشوء هذه الثورة.

يربط "إيتاي" هذه الثورة أو التّغييرات التي طرأت على العمل العسكريّ والعقيدة العسكريّة لدى قوى المقاومة العربية بفترة الثّورة الإيرانية عام 1978، واجتياح لبنان من قبل الجيش الصّهيونيّ عام 1982، والحرب العراقية – الإيرانية، والاجتياح السوفيتي لأفغانستان.

ولكنه يضع هذا التّطور عند قوى المقاومة في سياق البعد العملياتي والعقيدة العسكريّة مع بداية تسعينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، والتي صاحبتها معارك عسكريّة متنوعة كان أهمها في لبنان ما بين 1985 و2000، مرورًا بالانتفاضة الثّانية، ومن ثمّ حرب لبنان الثانية عام 2006، وحرب غزة في العام 2008.

يعتقد إيتاي بأن هذا التّطور العملياتي والتّكتيكي قد خرج من رحم التّجربة العسكريّة الإيرانية في الحرب مع العراق والإجتياح الصّهيونيّ للبنان، ويرى أنه في تلك السّنوات بدأت تتشكل معالم عملياتية تكتيكية جديدة لدى قوى المقاومة استفادتْ بشكل رئيس من الخبرة العسكريّة والإشكاليات التي واجهت إيران في حروبها، بالإضافة إلى أنها – أي قوى المقاومة – استخلصت الدروس والعبر من الحروب المختلفة التي جرت بالمنطقة لمواجهة القوى الغربيّة.

ولا يرى إيتاي أن تلك التّطورات هي نتاجُ فعلٍ أكاديميّ عسكريّ كما جرى في الغرب، بل يصف هذا التّطور باعتباره نتاج "الحوار العسكريّ" على أرض المعركة ما بين قوى المقاومة والقوى الغربيّة والصّهيونيّة. ويرى أن قوى المقاومة أدركت أنه بالرغم من تفوق السلاح الغربيّ الجويّ إلا أن ذلك لا يعني أنه لا يحمل أي ثغرات أو مواطن ضعف. بالتّالي اعتمدت العقيدة العسكرية لقوى المقاومة على استغلال مواطن الضعف تلك  وتوظيفها لتحقيق نجاحات والتغلب على ضعف الإمكانيات العسكرية لديها. ويرى "إيتان" إن التّطور الذي يُطلِق عليه إيتاي "الثّورة الأخرى في الشّؤون العسكريّة هو نتاج ثلاثة عوامل مترابطة:

1- تعلم العقيدة العسكريّة الغربيّة وأدواتها المختلفة.

2- تطوير بنية عسكريّة ملتصقة مع الواقع الاجتماعيّ والثقافي والديني العربي والإسلامي.

3- الاحتكاك المباشر مع الجيش الأمريكي والصّهيونيّ في لبنان والعراق وغيرها من مواقع الالتحام المباشر واستقصاء الدروس العسكريّة والتكتيكة من "حوار البنادق".

يرى إيتاي أن قوى المقاومة استفادت من دروس متعددة، كان أهمّها حربُ الخليج الأولى وما تبعها من عمليات عسكريّة في القرن الإفريقي ودول يوغوسلافيا السّابقة. وعلى الرغم من أن التّفوقُ الجوّيُّ الأمريكي قد لعب دورًا أساسيًا في تحييد القدرات العسكريّة التّقليديّة لدى الخصوم، إلا أن تلك الحروب أفرزت بعض الدّروس الهامّة والتي استفادت منها قوى المقاومة وقامت بتطبيقها لاحقًا في ساحات القتال في لبنان وفلسطين وغيرها.

على سبيل المثال، أوضحت تلك الحروب أنه وبالرغم من أهمية القوّة الجوّية والقدرات المرتبطة بها إلا أنها فشلت في تحييد وضرب صواريخ السكود أو صواريخ الأرض-أرض العراقية، وذلك بسبب صعوبة تحديد أماكن تواجدها، خاصّة أن العراقيين قد قاموا بعمليات تمويه لحماية صواريخهم، وقد أشر ذلك إلى حجم القيود التي تتصل بالاعتمادية على القوّة الجوية الحربية.

كما أن تلك الحروب – وبالأخص حرب فيتنام - قد أوضحت الحساسية المفرطة لدى القوى الغربيّة للرأي العام والمناخ السّياسيّ الدّاخليّ، خاصّة عندما تفرز الحربُ أعدادًا مرتفعة للقتلى "لا يمكن القبول بها غربيًا". وهكذا أظهر لنا عقد التسعينات أن الغرب يفضل الحروب السّريعة التي يقتل فيها عدد محدود جدًا من القوى المهاجمة والتي تنتج في ذات الوقت انتصارات مبهرة يُمكن لها أن تُعزِّز من مكانة صانعي القرار في الدول الغربيّة أمام الجمهور العامّ.

في المقابل، لم تتجاهل قوى المقاومة التّفوق العسكري الجوّي أو القدرات النّارية لدى القوة الصّهيونية والغربيّة، بل أسست عقيدتها العسكرية بالانتباه إلى ذلك التفوق، وقد تمحوّرت حول أسس رصينةٍ ومتماسكةٍ تنطلق من فهمٍ عميقٍ للتجربة العسكريّة الغربيّة والصّهيونيّة، وإدراكٍ تام لمواضع القوّة والتّفوق لدى الخصم. وبحسب "إيتاي" فإن العقيدة العسكرية لدى قوى المقاومة، أو ما يُطلق عليه "الثورة الأخرى في الشّؤون العسكريّة"، تمركزت حول 3 إستراتيجيات:

1- أهمية حماية القوّة البريّة من خلال الأنفاق والخنادق، أو من خلال استغلال طوبوغرافيا المنطقة والبنية التحتية في مواجهة خصم يملك سيطرةً شبه كاملة على الجوّ. تتضمن هذه الإستراتيجية منظومةً من التّحصينات التحت-أرضية، وتعتمد على المواجهة بواسطة السّلاح الخفيف للقوى البريّة المعتدية. وقد أطلق "إيتاي" على هذه الإستراتيجية مفهوم "القدرة على البقاء".

2- الاعتماد على صواريخ أرض – أرض في محاولة لخلق معادلات الرّدع. وتمكن هذه الصّواريخ قوى المقاومة من ضرب العمق الصّهيوني، وتساعد في خلق معادلات نفسيّة مع العدوّ بما يتسق مع العمليات العسكريّة المختلفة، آخذين بعين الاعتبار أن المجتمعات الغربية والمجتمع الصّهيوني لا تستطيع تحمل حرب طويلة الأمد تضرب الجبهة الداخليّة. وتشمل هذه الإستراتيجية تطوير منظومات تمويهية وتوزيع الصّواريخ وابتكار طرق إطلاق نار جديدة تحدُّ من قدرة القوّة الجوّية على تحييدها.

3- الاعتماد في فترات معينة على العمليات الإسشهادية والسّيارات المفخخة، وبالتّالي إيقاع عدد أكبر من القتلى في صفوف العدوّ، وإن أصبحت العمليات الإستشهادية نادرة في إطار الحرب في غزة أو لبنان أو غيرها من مواقع المعارك.

4- تحدّي التّفوق العسكريّ الجويّ من خلال استحداث قدرات صاروخيّة أرض – جوّ، أو من خلال تطوير قدرات جوّية خاصّة تعتمد على الطائرات بدون طيار.

ومن ثمّ يخصص "إيتاي" في مقالته أهميةً بالغة للمعارك والمواجهات المتتابعة في سبعينيات القرن الماضي وصولاً إلى اليوم، رابطًا ما بين قوى سياسيّة مختلفة حملت السّلاح في وجه العدوّ الصهيوني على مر التّاريخ الحديث أهمها منظمة التحرير، وحزب الله، وحماس، وحركة الجهاد الإسلامي، وغيرها. ويتحدث عن كل حرب ومعركة وعن الدروس التي تعلمتها قوى المقاومة من كل واحدة على حدى.

تأتي مقالة الجنرال "إيتاي" وغيره في إطار محاولة القوى الغربيّة والجيش الصهيوني خاصّة التأقلم مع صعود قوى المقاومة وفهم نجاعتها العسكرية في الحروب المتتابعة. وتأتي هذه المقالة في محاولة لتطوير آليات جديدة وابتكارات عسكريّة للتعامل مع هذا التطور وتواكب ساحات القتال المختلفة.

-----------------------

عنوان المقالة:

 Brun, Brigadier General Itai. 2010. "‘While You're Busy Making Other Plans’ - The ‘Other RMA’". Journal of Strategic Studies. 33 (4): 535-565.