الحرب النفسية

 تسلّلت قوّةٌ صهيونيةٌ خاصّةٌ مُتخفّيةً في داخل سيارةٍ محليّةٍ، من نوع "فورد ترانزيت"، حسب بعض المصادر، إلى المنطقة الشرقيّة من مدينة خانيونس بعمق 3 كم، بالقرب من مسجد الشهيد إسماعيل أبو شنب. وأثناء عملية تقدُّمِها نحو هدفها، تمّ اكتشافها من قبل قوّةٍ أمنيّةٍ تابعةٍ للمقاومة، ومن ثمّ جرى الاشتباك مع الوحدة، فارتقى في لحظة الاشتباك الأولى الشهيد القائد نور الدين بركة والشهيد محمد الفرا.

نعلمُ أنّ الكثير من سرديات شعبنا النضالية منذ انطلاقة المقاومة الفلسطينية هي إما غيرُ مكتملةٍ، أو مغيبةٌ، أو مفقودةُ؛ فسِيرُ المقاومة والمقاومين لم تتمتّع بالحصانة الكافية تأريخاً وتحليلاً ونقداً لمنع اندثارها/نا. وهذه مسألةٌ جوهريةٌ تحتاج لإعادةِ تقييمٍ وعملٍ دؤوبٍ في مبحثٍ منفصلٍ. لذلك، كان لا بدَّ من التوقف عند ما هو أبعدُ من مجرد معرفةِ نظريةِ "يعلون" كإجابةٍ ناجزةٍ، بالسعيِ إلى تفكيك عقلية العدوّ وكشف حِيَله. من هذا المنطلق، أسعى في هذه المقالة إلى تحليل تفاصيلِ لحظةِ المواجهة والاشتباك كي لا نترك للعدوّ مجالاً ولو ضئيلاً للعبث بسردية الفدائيّ باسل الأعرج أو إخفائِها وتشويشِها. السؤال البديهي في هذه الحالة هو؛ لماذا قرر العدوّ تصويرَ عملية الاغتيال؟ ثم لماذا نُشر الشريطُ بهذه السرعة؟ ولماذا كان الشريطُ قصيراً زمنيّاً، وبدونِ صوتٍ كذلك؟ ولماذا تم "المونتاج" بهذه الطريقة؟ وما هو الإيحاءُ المقصودُ من تثبيت الكاميرا بهذه الوضعية؟ وما علاقةُ حركة الكاميرا وانسيابيتها بالتأثير العاطفي على المشاهد؟

في عصر الحروب غير المتكافئة اليوم، لم تعد الحرب تدور حول الابتكارات العسكرية والقوّة المادية والتكتيكية فحسب، بل هي أيضاً صراع مستمر بين العقول والقلوب والرسائل المتبادلة.

لطالما رافقت الحروبَ محاولاتُ الأطراف المتنازعة التّأثيرَ على الخصم من خلال استخدام أدواتٍ نفسيّةٍ تتعدى الفعل العسكريّ الماديّ. وفي هذا السّياق، تعتبر القدرة على نشر الإشاعة، أو العبث في منظومة المعلومات لدى الخصم، أو حتى الفاعلية في بناء مصداقية مع مجتمع العدوّ بهدف إخراج التناقضات الاجتماعية والسّياسية للظاهر، أو زعزعة الإرادة لديه بالاستمرار في المواجهة، هي إحدى أقدم أدوات الحرب استخدامًا وأحد أهم أبعادها.

Subscribe to الحرب النفسية