القدس

جهاد بدر.. شهيد نداء الأقصى

رصاصة واحدة، دخلت الصدر واخترقت القلب، فانفجرت منه نافورة دم سخين يتدفق قوياً، ومن حيث تدفق الدم من قلب جهاد صعدت روحه إلى بارئها في سيارة الإسعاف، وصل جهاد إلى مستشفى المقاصد شهيداً، فسُجّي بجوار الحاج صالح اليماني، وانشغلت طواقم المشفى في معالجة ستين جريحاً وصلوا للمشفى.

كان الناس يقاتلون بشراسة عن حيزهم ومكانهم الخاص، وما تبقى لهم بعد أن ضاع كل شيء، "هو الأقصى اللي ضايلنا اذا راح ما ضل النا اشي"، وكانت الجماهير تدافع عن كرامتها المُهددة، وقد كانت مقولة "خسران الكرامة" هي أكثر المقولات تداولاً بين الناس>

عن الكاميرات الذكية على أبواب المسجد الأقصى

من المهم هنا التنبيه إلى أن دور تقنيات المراقبة بالتصوير، لا يقتصر على الكشف والإنذار، وإنما دورها الأساسي هو استدخال السيطرة الاستعمارية في عقل الفلسطيني ليشعر دائماً بأنه مكشوف، وفِي حالة الكاميرات الذكية بأن نواياه مكشوفة وليس فقط وجوده وتحركاته.

لم يكن يدرك أبناء أمّ الفحم، الجبارين الثلاثة، بالضرورةً أن استشهادهم ستتبعه تداعياتٌ على الوضع القائم في القدس، بل وربما سيكون فاتحةً لاندلاع انتفاضةٍ شعبيةٍ واسعةٍ ذات أبعادٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ لا يمكن التكهن بها حالياً.

الخوارزميات في مواجهة الإرادة

تشكّل عملية اليوم في القدس نقلةً نوعيةً على صعيد العمل المقاوم، ليس من ناحية الفشل الاستخباراتي الذي مني به الكيان الصهيوني فقط، وإنما أيضاً في مساهمتها في إفشال بناء أيّ تحديدٍ نمطيٍّ للعمل الشعبي المقاوم عبر إرباك نماذجه الإحصائية.

باب العامود ساحة رئيسية فعليّة ورمزية لمعركة بين المستعمِر- الذي يخطّط وينفّذ بشكل متواصل هجمات على الهوية والمكان والوجود الفلسطيني في القدس، وبين أصحاب الأرض الذين يفتقرون إلى الموارد التي يتمتّع المستعمر بها، ولكن يملكون مخزوناً لا ينضب من الإرادة والتحدي تزوّدهم به جذورهم التي نمت وامتدّت في تراب القدس عبر التاريخ. وهم في كل أشكال فعلهم المختلفة تلك كأنما يدكون ثغرة في سور القدس، كأنما يفتحون باباً نحو الحريّة، حتى تتجلى حقيقة أمامهم كلمات القصيدة: "لن يقفل باب مدينتنا".

نجح المقدسيون في السنوات الأخيرة في استعادة باب العامود كحيز اجتماعي وسياسي مستقل. في مقابل ذلك، تحاول سلطات الاحتلال إعادة تشكيل هذا الحيز بما يخدم مصالحها، وبما يتنافى مع مصالح الوجود الفلسطيني، وأمسيات رمضان هي إحدى وسائل ذلك.

في وسط صحراء سيناء وبين تلك التّلال الرمليّة الجافة، وخلال معارك العثمانيين ضدّ الإنجليز في نهاية الحرب العالمية الأولى، عام 1916، وقف الضَابطُ الإنجليزيُّ وجنودُ كتيبته مندهشين أمام جثثٍ لجنودٍ عثمانيين. وكان سبب الدهشة أنهم اكتشفوا أنهم كانوا يقاتلون كلّ ذلك القتال ضدّ سرية استطلاع عثمانية "بسيطة"، من فيلق "الهجانة"، لا يتعدى عددهم عشرة جنود.

كما هو معروفٌ وكما نُشر من مقالاتٍ وتقارير على شبكة 0404، أنّ من يشرف على المدارس في القدس هي السلطة الفلسطينية بالإضافة إلى مؤسّساتٍ تحرّضُ ضدّ "إسرائيل" وعلى رأس المؤسسات تقف مؤسسة "الرازي". تشير النّسب إلى أنّ 95 بالمئة من الطلاب المقدسيين يحصلون على شهادة التوجيهي ويتجاهلون شهادة "البجروت الإسرائيلية"، يُذكر أيضًا أنّ هذه المدارس تأخذ تمويلًا حكوميًا.

آثار الرصاص على شاحنة الشهيد قنبر

يمكننا أن نرسم في هذا السّياق مساراً لعمليات عمل المنظومة الاستعمارية، إذ أنها تتطّور باتجاه الاتساع لتُحوّل كلّ تفاصيل حياة الفلسطينيين إلى جبهات ونقاط اشتباك ممكنة ومحتملة، ولهذا فإنّ التوصيف الصحيح لهذه العمليات ليس "فرديّة" وإنما بُنيوية، أي أنها ناتجة عن طبيعة (ومنطق) الحالة الاستعمارية كحالة قمع وضبط قُصوى، دائمة التوسع غايتها تشكيل الفلسطيني كحالة من العبودية.

Pages

Subscribe to القدس