دراسات الحرب

في عصر الحروب غير المتكافئة اليوم، لم تعد الحرب تدور حول الابتكارات العسكرية والقوّة المادية والتكتيكية فحسب، بل هي أيضاً صراع مستمر بين العقول والقلوب والرسائل المتبادلة.

الجنديّة كحرفة: عن التحولات في الحرب والثورة في الشؤون العسكرية

إنّ الجيش المحترف هو قبل كل شيء ردة فعل على فشل المؤسسة العسكرية الكلاسيكية في حروب جديدة، وهو أيضًا ذروة الحاجة إلى جيش عملياتي، أكثر أتمتًة وأقل اعتمادًا على الإنسان، بمعنى تشكيل جيش مرن وخفيف، سريع وأكثر سهولة في انتشاره أو اشتباكه في أكثر من موقع وبأكثر من قوة. بالطبع، يمكن تحقيق كلّ ذلك من خلال التكنولوجيات العالية، دون إغفال أن المعلومة والسرعة هما سلاحهما الأساسيان قبل الحديد والنار..

تعني البوليمولوجيا بدراسة الحرب كظاهرة إنسانية معقدة. ولا يقصد بوصفها معقدة كونها غير مفهومة، بل بمعنى وجود عدّة جوانب/مظاهر/مستويات للحرب، تتم دراسة الحرب من خلالها جميعًا. هذا مع التأكيد مرة أخرى على أنّ جميع هذه الأبعاد للحرب متشابكة، تجمعُها باستمرار فكرةٌ واحدةٌ مشتركة تعطيها صفة الحرب، وبإلغاء هذه الفكرة الواحدة المشتركة يكون الحديث عن شيء آخر وليس عن الحرب.

ظهر مصطلح (البوليمولوجيا) لأوّل مرة في العام 1942، وكان ذلك على يد عالم الاجتماع الفرنسي (غاستون بوتول 1896-1980). وهي كلمة يونانية قديمة مكوّنة من مقطعين: بوليمو أو بوليموس، وتعني حرب أو صراع. ولوجيا تعني "علم"، وبهذا تصبح كلمة (بوليمولوجيا) علم الحرب أو دراسات الحرب. أراد بوتول بنحته لهذا المصطلح أن يكون خليفةً لـ "كلاوزفيتز" وأن يرفع رايته المنهجية في دراسة الحرب من خلال اقتراح تدشين حقل علمي جديد يُعنى بشكل خاص ومستقل بدراسة الحرب كظاهرة اجتماعية وتاريخية بطريقة منهجية.

وقد كان لنا نحن العرب مساهمة أساسية في هذا المجال. ولعل عمر بن إبراهيم الأوسي الأنصاري صاحب كتاب "تفريج الكروب في تدبير الحروب"، الذي وضعه في عهد السّلطان المملوكي فرج بن برقوق (1399-1411 م) كدليل في التحضير للحرب وكيفية القيام بها، هو أبرز وأهم ما كتب في هذه الحقبة التاريخية قبل أن "تنتقل" العلوم العربية إلى مناطق أخرى في العالم وتكون مرجعاً لن يذكر أبداً لجاك دو جيبيرت (1743-1790) الذي نظّر للجيوش الوطنية الكبرى وفكرة "الجندي-المواطن" في "مقالة عامة في التكتيك".

Subscribe to دراسات الحرب