في معنى فوز ترامب

10-11-2016
-A A +A

أتى فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية مباغتاً للكثيرين، خاصة في ظلّ معظم الترجيحات الإعلامية واستطلاعات الرأي التي تنبأت بفوز ساحق لوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون. بالطبع هي ذات الاستطلاعات ومنظومة صناعة الرأي التي تنبأت بفوز الصوت الرافض لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وهي ذات الجوقة التي تنبأت بخسارة نتنياهو بانتخابات "إسرائيل" الأخيرة. إذ تفشل هذه الاستطلاعات في تقديم تقديرات دقيقة، عادة بسبب خوف المصوتين من إبداء آرائهم بشكل واضح، حتى لا يتهموا "بالعنصرية" مثلاً في حالة ترامب. 

وبعد هذا الفوز المباغت، يتهافت كثيرون في محاولة قراءة وتوقع السياسات المتوقعة للرئيس المنتخب إن كان على صعيد السياسة الداخلية أو الخارجية، ويقدمون التحليلات عن رمزية فوز دونالد ترامب وأثره على الثقافة السياسية الأمريكية، إذ أنه تخطى معظم الأعراف المتعلقة بالانتخابات في أميركا، ومنها "الخبرة" المتوقعة من الرئيس، فترامب لا يملك خبرة سياسية مطلقاً، فهو لم يتولى منصباً سياسياً في تاريخه، ومنها كذلك اللباقة السياسية المعتادة والمتوقعة من المرشحين في مظهر وشكل الخطاب السياسي.

وقد نشرت مجلة نيويوركر الأمريكية الليبرالية مقالاً لديفيد رمينيك يحذر فيه من مآلات صعود ترامب إلى سدة الحكم ويقول إن "انتخاب دونالد ترامب للرئاسة ليس إلا تراجيديا للجمهورية الأمريكية، وفاجعة للدستور، وانتصاراً للقوى، إن كان في الداخل الأمريكي أو في الخارج، المعادية للمهاجرين، وفوزاً للفكر الشمولي الديكتاتوري وكراهية النساء والعنصرية".

ويمكن القول إن الحساسية البالغة التي تتعامل فيها النخبة الليبرالية الأمريكية مع فوز ترامب في الانتخابات الأمريكية تأتي في ظلّ الثورة التي أحدثها ترامب على قواعد الخطاب السياسي الأمريكي، وقدرته الفائقة على تحدي ذلك الخطاب بخطابٍ بديل موازٍ، والأهم أنه "شعبوي"، استطاع  من خلاله الوصول إلى فئة واسعة من الناخبين البيض أساساً، ملتفاً على القواعد التقليدية الناظمة للمرشحين الأمريكيين.

وقد استطاع ترامب تأسيس تحالف واسع من البيض البروتستانت والطبقة الفقيرة العاملة التي ترى في واشنطن ونظامها السياسي الرسميّ كلَّ ما هو مخالفٌ لثقافتها المحافظة والمتدينة والبسيطة، وهي الطبقة التي ترى في النظام السياسي الأمريكي وتوجهات الرئيس السابق باراك أوباما خطراً وجودياً عليها لأسباب اقتصادية وأخرى عنصرية ترى في صعود رئيس أسود تحولاً جذرياً في الثقافة السياسية الأمريكية.

أي أن الخطاب الدارج في أروقة الحزب الجمهوري في الحملة الانتخابية الحالية من شعارت مثل "استعادة أمريكا" و"لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"، والتي أتت كردّ فعل على شعارات أوباما السابقة مثل "تغيير يمكن أن نؤمن به"، هو بالفعل أحد الوجهين لعملة واحدة، وإن اختلفت الأسس والشرائح التي توجهت للانتخاب في الحالتين. وإذا ما استبعدنا ما تعنيه تلك الشعارات من حيث المضمون السياساتي، لأن الناخب الأمريكي لا يصوت على المضمون بالضرورة، نجد أنها تعبِّرُ عن واقع مشابه، فالشعاران في كلتا الحملتين، وإن بديا متعاكسين، ليسا إلا قلباً ميكانيكياً لذات الذهنية السياسية، والذهنية التي أفرزت الشعارات لحملة أوباما لا تختلف في جوهرها عن الذهنية التي أفرزت الشعارات الثانية لترامب، فهما في الحالتين يعبران عن "امتعاض" الناخب الأمريكي وفقدان الثقة بالنخبة السياسية الحاكمة وبالثقافة الليبرالية المهيمنة.

وهنا من الضروري التنبه إلى أن الأنظمة السياسية الغربية تمرّ بأزمات سياسية تمسّ شرعيتها وأسسها والبنى التي استقرت عليها منذ الحرب العالمية الثانية. التحدي الأبرز القديم-الجديد والذي يظهر للعيان هو اتساع الشرائح المؤيدة لقوى يمينية كانت تُعد متطرفةً في كلّ من أوروبا وأمريكا، والتي تأتي على خلفية الصراعات العالمية والتناقضات التي أفرزتها أنظمة اقتصادية نيوليبرالية مزقت الأسس الاقتصادية والعقد الاجتماعي ما بين الناخب والنخبة في الثلاثة عقود الأخيرة.

أهم هذه الصراعات أو التناقضات تهاوي الطبقات الوسطى في الغرب خصوصاً في أمريكا وانحسار الصناعات، تضاف إليها "الحرب على الإرهاب"، وقضايا المهاجرين واللاجئين، وقضايا أخرى ظهرت للعيان في الانتخابات الأخيرة، يتعلق بعضها بالقضايا الاجتماعية أهمها العنصرية وكراهية المرأة.

وترى العديد من التحليلات أن انتخاب دونالد ترامب أتى تعبيراً عن فقدان "الرجل الأبيض" للمكانة الاجتماعية والسياسية التي كان يحظى بها، وانتقام "الرجل الأبيض" سياسياً لعقود من التقدم الاجتماعي في قضايا المرأة والمساواة وحقوق المثليين.

بالفعل تتجه السياسة في الغرب لعملية استقطاب ما بين أطراف من اليسار-الليبرالي (بيرني ساندرز) أو أحيانا اليسار التقليدي (جيرمي كوربن)، وما بين اليمين في الدول الغربية، وإن كان اليمين مُهيئاً أكثر للتقدم في انتخابات متعددة لأن الخطاب السياسي الذي يمتلكه أكثر قربًا من التحولات الاجتماعية، خاصة تلك المتعلقة بخطر "المهاجرين" على التكوين الاجتماعي التقليدي في الدول الأوروبية والغربية عموماً.

الحقيقة الجليّة أن التغيير في متناول يد ترامب لأسباب متعددة أهمها: ترامب لم يعتمد على النخبة السياسية، ولم يعتمد على المال السياسي في حملته الانتخابية، بل قوبلت حملته برفض من النخبة السياسية في الحزب الجمهوري ومن أقطاب النخبة السياسية المحافظة والليبرالية، بل لم تتعاون تلك النخبة مع ترامب في حملته، وبقيت في غالبيتها بعيدة عن حملته وتنتظر سقوطه. يضاف إلى ذلك فوز الحزب الجمهوري في الانتخابات المحلية وسيطرته على النظام السياسي الأمريكي بكليته ويتضمن  ذلك الكونغرس والمحكمة العليا.

إن عملية الانقلاب التي حدثت تضع ترامب في موقع لم يملكه أي رئيس أمريكي منذ عشرينيات القرن الماضي. وستكون لترامب في الأعوام المقبلة القدرة السياسية لتمرير معظم المشاريع القانونية التي يريدها، من تعيين قضاة في المحكمة العليا محدداً بذلك طابع المحكمة لعقد أو عقدين من الزمن، ومن إرساء سياسات متعارضة مع تلك التي وضعها أوباما. أي بالرغم من أن أوباما من رفع شعار التغيير، إلا أن ترامب يملك أوصال القدرة على تحقيق التغيير في النظام السياسي خصوصاً في السنتين القادمتين، وإن اختلفت أوجه هذا التغيير.

بعيداً عن ترامب، فإن الفائز الآخر في هذه الانتخابات هو المرشح في انتخابات الحزب الديموقراطي "بيرني ساندرز" وحملته الانتخابية والتي تم الالتفاف عليها من قبل النخبة السياسية في الحزب الديموقراطي. إن الأربع السنوات القادمة قد تظهر لنا بأن الشريحة التي صوتت لبيرني والتي تبنت رسالته بما يتعلق بضرورة العمل على تغيير السياسات الاقتصادية، وتبني قاعدة سياساتية "اشتراكية"، هي التي ستحدد معالم الحزب الديموقراطي، وذلك على أثر هزيمة الوجه الأول لنخبة الحزب الديموقراطي، هيلاري كلينتون.

Bernie Sanders

وقد بدأت مراجعات سياسية تفيد بأن بيرني ساندرز كان سيوّلد للحزب الديموقراطي ما ولده ترامب على صعيد الجمهوريين. أي أنه بالرغم من هزيمة ساندرز إلا أن الفكر السياسي والأطروحات التي امتلكها وقدرتها من محاكاة شرائح اجتماعية متعددة ستكون هي وجه الحزب الديموقراطي في السنوات القادمة. وهنا يجب التنبه لإمكانية صعود شخصيات تتضمن إليزابيث وارين من الجناح اليساري في الحزب الديموقراطي.

فلسطين

أما فيما يخص فلسطين، فإن أسس العلاقات "الإسرائيلية"-الأمريكية مستندةٌ على أربعة عوامل هي:

-القوّة العسكرية "الإسرائيلية" وقدرتها على احتواء وضبط القوى العربية المحيطة خصوصاً في منطقة شرق البحر المتوسط، ما يوّفر مساحاتٍ واسعة من التأثير على النخب العربية الحاكمة، ويساعد أمريكا في إرساء قواعد لصراع القوى في المنطقة (البُعد الاستراتيجي).

-التشابك الثقافي ما بين البلدين والمتمثل بتوافر شريحة واسعة من النخب الفكرية التي ترى في إسرائيل حليفاً سياسياً واستراتيجياً وترى بالدولة العبرية انعكاس لأمريكا وثقافته في الشرق الأوسط وترى في المسألة اليهودية وصمة عار في تاريخ الحضارة الغربية (البعُد التاريخي-الحضاري أو الأيديولوجي والثقافي).

-الترابط الاجتماعي والمتمثل أساساً في المكونات الديموغرافية في كل من البلدين، وتواجد مجموعات ضغط سياسي تحدد وتحد سقف الخيارات السياسية الأمريكية من خلال توظيف طبيعة النظام السياسي الأمريكي المتعدد الأقطاب والسلطات لصالح العلاقات مع إسرائيل وتعزيزها (الُبعد الاجتماعي أو اللوبيات).

-التشابك الديني المتمثل في شرائح واسعة من المسيحيين الإنجيليين والترابط ما بين التجربتين الأمريكية و"الإسرائيلية" والمستمدة أساسا من كون البلدين صنيعة الحقبة الاستعمارية وهجرة مجموعات من الأوروبيين لأسباب متعددة، ومنها ما يرتبط بالاضطهاد الديني في القارة الأم أوروبا إلى أرجاء العالم، ومنها ما يرتبط بالعقائد الدينية للكثيرين من أتباع الكنائس البروتستانتية خصوصاً الإنجليين (البُعد الديني). أي أن الأسس في الحالتين - الجمهورية والديموقراطية - والشرائح الاجتماعية من ليبرالية أو محافظة ما زالت بامتياز مؤيدةً للدعم الأمريكي المقدمة لدولة الاحتلال.

لربما المختلف هنا كون ترامب وليد ذاته، ومتقلب في سياساته، والتي يمكن لها أن تفرز علاقات تتخذ منحى غير متوقع خصوصاً وإن لم تتولد حميمية ما بين ترامب و نتنياهو في سياق العلاقات الثنائية في أبعادها الشخصية. ولكن تبقى احتمالات بروز سياسة أمريكية موضوعية في سياق فلسطين رهينة للواقع الاجتماعي الأمريكي وللضرورة الاستراتيجية لوجود كيان الاحتلال بالنسبة لأمريكا، وقدرة الأولى على توفير رافعة لمصالح أمريكا في المنطقة. أي أننا في الغالب سنرى تقارباً خطابياً وسياسيً ما بين أمريكا و"إسرائيل" ينقلب على التباعد الخطابي في فترة حكم أوباما ويبتعد عن حلّ الصراع ويستقر على إدارة الصراع.

خاتمة

يمكن تفسير نجاح ترامب في ظل اتجاه متصاعد في الغرب، بدأت فيه النخبة الليبرالية تفقد قدرتها على تحديد معالم النظام السياسي وأسسه، وهو اتجاه يُعيد إلى الظاهر ما تم طمسه على مرور أكثر من سبعة عقود، أي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فقد بدأت المجتمعات الغربية تتجه أكثر فأكثر نحو رفض "العولمة" ومشاريع الإندماج" ومشاريع أخرى خرجت من رحم النخب الليبرالية، مثل الزحف نحو مفاهيم كـ"تعدد الثقافات" أو مشاريع سياسية كـ"الاتحاد الأوروبي". ويترافق هذا مع ترهل اليسار العالمي واهتزاز أسسه وتصاعد حظوظ اليمين، مما يعني أن عملية الاستقطاب هذه مستمرة وأن أوجه النخب الحاكمة لم تعد هي الملاذ لمعظم الناخبين على طرفي الصراع التقليدي إن كان على اليمين أو على صعيد اليسار.