مكافحة التمرد: من "عقيدة التحكم من الجو" إلى "عقيدة الضاحية"

21-08-2020
-A A +A

مقدمة

إنّ انتشار الدراسات التي تتعامل مع مكافحة التمرد هو نتيجةٌ مباشرةٌ لواقع الحرب في حقبة ما بعد 11 أيلول، وهو، بشكلٍ أدقّ، نتيجة النكسات التي تعرّضت لها القوات الأمريكية في كلٍّ من أفغانستان والعراق. بالفعل، تمّ تطوير مصطلح مكافحة التمرد كنتيجةٍ مباشرةٍ للحروب الاستعمارية التي شنّتها القوى الأوروبية في العالم الجنوبيّ، وقد تطوّر المفهوم في حقبة الحرب الباردة، حين تجنّب كلٌّ من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة المواجهة المباشرة، وآثر كلاهما خوضَ حروبهما من خلال وكلاء محلييّن في العالم الجنوبي في كوريا وفيتنام وأفغانستان وغيرها من الصراعات في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. في هذا السياق التاريخي نمت الحاجة إلى مفهمةٍ نظريةٍ وتاريخيةٍ لـ"مكافحة التمرّد"، كبنيةٍ تحتيةٍ مُجهّزةٍ بشكلٍ أفضل للتعامل مع تحدّيات المواجهة مع الثوار من حركات تحرُّرٍ وطنيٍّ وجبهات قتالٍ يسارية. وقد بُنيت هذه المفهمة على مجموعةٍ من الأدبيات، شملت التجارب التاريخية لمكافحة التمرّد في المستعمرات بما فيها فلسطين والعراق والهند والجزائر وغيرها من بلدان العالم الجنوبي، كما تضمنت تلك التي انبثقت من خلال الحواروالاشتباك مع أدبيات المقاومة والممارسة العينية ومواجهة مكافحة التمرُّد على الجانب المُضادّ. 

عمل العديد من ثوار العالم، مثل "ماو تسي تونغ" و"تشي جيفارا" وعبد الكريم الخطابي وغيرهم، على تطوير أصول وأدوات ومفاهيم المواجهة غير-المتكافئة، المتمثّلة بـ"حرب العصابات" و"الحرب الشعبية طويلة الأمد" وغيرها من الاستراتيجيات التي لعبت دوراً هاماً في أدبيات حركات التحرُّر الوطني، بما فيه حركات التحرّر الوطني الفلسطينية. وساهم في استحداث وتطوير هذه المفهمة مجموعةٌ كبيرةٌ من المنظّرين-الجنود أمثال الجنرال الفرنسي "ديفيد غالولا" و"تي.س لورنس" (لورنس العرب) وصولاً لـ "ديفيد كاكلان" و"بترياوس" و"جون ناجل". وبهذا المعنى، يُمكن لنا تطوير قراءةٍ موازيةٍ لأدبيات المقاومة وأدبيات مكافحة التمرُّد بحيث تشكّل تلك الأدبيات انعكاساً لبعضهما البعض.

ولكن على أيّة قراءةٍ أن تعي طبيعة العلاقة بين المُتمرِّد ومكافحة التمرّد؛ إذ تعتمد مكافحة التمرّد نظرياً وعمليّاً على وجود "التمرّد". إنها في جوهرها عقيدةً نشأت بارتباطٍ مباشرٍ وكاستجابةٍ لأشكال المقاومة والتمرُّد على القوى الاستعمارية، ولكنّها نشأت أيضاً في حماية الأنظمة السياسية الصديقة التي تواجه تحدّياتٍ داخليةً من القوى المُعارضة. [1] ولهذا تكمُن المفارقة الكبرى؛ في خِضمّ بحثنا عن "فعالية المقاومة"، نجد الأجوبة في الأدبيات التي تُعنى في قمعها، لأنّها لا تحتوي على تأريخها فحسب، بل أيضاً على تأطيرٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ للتمرّد وفعاليته.

وما مكافحة التمرُّد في جوهرها إلّا "كلّ الإجراءات التي يتم اتخاذها لقمع التمرُّد". [2] بهذا المعنى، يُمكن القول إنّ المفهوم يحتوي على سيولةٍ واضحةٍ؛ فهو يتضمّن سياساتٍ اقتصاديةً وأخرى عسكريةً تكتيكيةً تستجيب للمُتمرِّد وطبائعه ومنهجه في المقاومة والأدوات التي يوظّفها. وكما يضيف "جالولا"، فإنّه "في نموذج الحرب التقليدية، يُمكن لأيٍّ من الطرفين بدء الحرب، إلا أنّ واحداً فقط -المُتمرِّد- يمكنه أن يشنّ حرباً ثوريةً، وهذا يعني أنّ مكافحة التمرُّد ليست سوى ردّ فعلٍ على التمرُّد (Counter-Warfare)"، بالنظر إلى طريقته في التمرّد بالطبع.

أول دخول القوة الجوية في مكافحة التمرّد

شكّل تمرُّد "ت.ي لورنس" مع حلفائه العرب، ولعبُه دور الثائر على الإمبراطورية العثمانية في البادية العربية من أعماق الحجاز وصولاً إلى العراق، أساساً لدوره الهامّ في استحداث "تصوّراتٍ" جديدةٍ لتوظيفات القوّة الجوّية في مكافحة التمرُّد العراقي على الإمبراطورية البريطانية. ومن المهم الإشارة هنا إلى موقع العراق التاريخي وعلاقته بالقوة الجوية، أوّلاً كبدايةٍ لاستخدام الجوّ في مكافحة التمرُّد هناك، وصولاً إلى الدور الذي لعبته القوة الجوية في هزيمة العراق في حرب الخليج الأولى والثانية.

كما تجدر الإشارة إلى أنّه وعلى الرغم من انتشار الدراسات وكثافتها في السنوات الأخيرة، تمّ تجاهل أهمية القوة الجوية في مكافحة التمرُّد إلى حدٍّ كبير. كما يعلق الباحث في القوّة الجوية "لامبيث"، "تجاهَلَ سلاح الجوّ التمرُّد، مفضلاً التفكير فيه على أنه ليس أكثر من نسخةٍ صغيرةٍ من الحرب التقليدية".

وانطلاقاً من ذلك، ستتناول هذه الورقة الاختلاف الصارخ ما بين توظيف القوة الجوية في إطار الحرب التقليدية وتلك المرتبطة بمكافحة التمرُّد. وسيُشكل تاريخ استخدامها منذ توظيفها في بلاد الرافدين من قبل سلاح الجو البريطاني وصولاً إلى استخدامها في حروب غزة المتتابعة مدخلنا إلى إيضاح طبيعة توظيفات القوة الجوية في مكافحة التمرُّد. بهذا المعنى، تكمُن أهمّية القوة الجوية في عنصرين أساسيين؛ أوّلهما فعالية سلاح الجوّ في استعراض القوّة، بحيث يكون ذا أثرٍ نفسيٍّ في مواجهة الحواضن الشعبية للتمرُّد، فضلاً عمّا توفّره من "إمكانياتٍ" لتجنّب المعركة وحماية الجنود في صفوف العدو.

يسلّط المقال الضوءَ على طبيعة عمليات مكافحة التمرُّد وما تعنيه من استخدامٍ للقوة الجوية في أدوار الدعم الجوية ضمن علاقتها مع القوى الأخرى وعلى "الضربات الجراحية" وفق تعبير جيش الكيان الصهيونيّ، أيّ مثلاً اغتيالات كتلك التي حدثت في الانتفاضة الثانية، وعلى المراقبة والمعلومات الاستخبارتية الواردة من الجو، كما تتضمّن تركيزاً على قدرة الجو لتوفير وتأمين تنقّلات الجنود بسرعةٍ من وإلى موقع الأحداث. [3] أمّا تجربة العدو في غزة، ففيها تطوّرٌ وعودةٌ إلى القوة الجوية وتوظيفاتها "الدوهيتية"؛ أي استخدامها في تقدير المجزرة وتحقيقها. وبهذا المعنى، يُمكن قراءة استراتيجية العدوّ الجويّة على أنها استراتيجيةٌ تنظر إلى الحرب في غزة أو لبنان كحربٍ شبه-شاملةٍ يُمكن فيها ضرب "المدنيين" دون الكثير من "التحفّظات"، بل بهدف خلق بيئةٍ اجتماعيةٍ تنزع عن المقاومة شرعيَّتها.

"بخار وطائرات وعرب"

يُعدّ "ت.ي لورنس" (لورنس العرب) بطلاً قومياً بريطانياً وصل مصاف الهوس في أعقاب انضمامه إلى الشريف حسين وقوّاته، والمشاركة الفاعلة في القتال المباشر ضدّ القوات العثمانية. كان الهوس في الضابط البريطانيّ مُعبرّاً عن قوة "التصوُّرات الاستشراقية" وحاجة الامبراطورية في ظلّ انحدارها السريع عقب الحرب العالمية الأولى إلى شخصيةٍ خارقةٍ يُمكن البناء حولها العديد من الأساطير الكبرى. وفي مرحلةٍ ما، كتبت إحدى الأقلام الصحافية قصّةً خياليةً عن انضمام الضابط البريطاني وقيادته للتمرُّد على ملك أفغانستان أمان الله خان. وبالفعل، شكّل "لورنس" ظاهرةً قوميةً إنجليزيةً مكّنته من التأثير في العديد من السياسات العامّة التي خطّتها الإمبراطورية البريطانية في مواجهة شبح التمرُّد في الطريق الواصل ما بين الهند وحيفا.

لقد ساهم "لورنس" في مفهمة التمرُّد، وبالتالي، ساهم في سُبُل مكافحته. كان لمساهمته هذه مجموعةٌ من صورها، أو لِنَقُل مجموعةٌ من الرموز التي تكلّم من خلالها حول التمرُّد وإمكانياته وقدراته ونجاعته. وقد تكون أهم تلك الصور هو تصويره للتمرُّد كسحابة "غاز"، يُمكن لها أن تتشكّل في لحظةٍ وأن تتلاشى في أخرى. فكما يدّعي "لورنس" في تعريفه للتمرُّد في موسوعة "بريتانيكا" (Encyclopedia Britannica): "العرب كانوا كالبخار" يظهرون فجأةً و يندثرون بسُرعةٍ. ويُسْهب في حديثه عن طبيعة التشكيل التنظيميّ الهُلاميّ لقوات الشريف حسين ليقول: "تخيّل أنّهم [تلك القوات العربية] …. شيءٌ غير محسوسٍ، وغير ملموسٍ، وبدون مقدّمةٍ وبدون ظهرٍ، وينجرفون كالغاز". [4] هذه الرؤية المُضخّمة للقوات العربية في المواجهة مع الجيش العثماني ساهمت بشكلٍ كبيرٍ في إعادة بناء الاستراتيجية البريطانية وتحديد أولوياته في العشرينيّات من القرن الماضي من خلال فتح الأفق نحو التفكير في قوّةٍ جوّيةٍ مُستقلةٍ تقوم بأعمال "التحكُّم من الجو". 

انبثقت سياسة "التحكُّم من الجو" من خلال مجموعةٍ من المؤثّرات التاريخية، كان أهمّها اتساع جُغرافية الإمبراطورية البريطانية عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى وبلْعُها لأراضٍ جديدةٍ ذات مساحاتٍ شاسعةٍ وصحراويةٍ في قلب العالم العربي. أما العنصر الآخر ارتبط -كما ترتبط العديد من الأمور- بالميزانيات المُتاحة للسيطرة والتحكم بملايين من البشر الذين يقبعون تحت رحمة الإمبراطورية البريطانية. بالفعل، لعبت الميزانيات الصغيرة دورها في إعلاء خيار التحكّم من الجوّ كسياسةٍ غير مكلّفةٍ يمكنها أن تُغني عن العديد من الجنود والقواعد العسكرية في العراق تحديداً، ولاحقاً في قمع الثورات في كلٍّ من فلسطين واليمن. ففي العراق، بلغ حجم القوة البريطانية إلى ما يقارب من الـ 105آلاف جنديٍّ موزّعةٍ ما بين 25 ألف جنديٍّ بريطانيٍّ وما بين 80 ألف جنديٍّ هنديٍّ تصرف ميزانيةً ضخمةً وصلت في العام 1920 إلى ما يقارب الـ 14 مليون باوند (تقارب الـ400 مليون باوند في أسعار اليوم). [5]

وفضلاً عن ذلك، لعبت مجموعةٌ من التصوُّرات الاستشراقية حول الصحراء والعقل العربيّ دورها كذلك في إعلاء التوجُّهات الجذرية نحو القوّة الجوّية كخيارٍ واقعيٍّ يُمكن للإمبراطورية البريطانية تطويره بحيث يكون بديلاً نسبياً للقوات البرّية المُكلّفة من حيث الميزانيات. كان أهمّها تلك التي تدور في أهمّية القوّة الجوّية كعنصرٍ نفسيٍّ يُمكن توجيهه نحو القبائل البدوية العربية في استعراضٍ لقوة الإمبراطورية ومدى وصولها. وإن هذا النوع من الاستعراض، أيّ استعراض القوى، ستجعل تلك القبائل تُذعن لسطوة الامبراطورية البريطانية فاتحةً الطريق نحو تحالفاتٍ مهمّةٍ تساهم في إخماد نيران الثورة العراقية. وهذا ما كان، إذ ساهم "لورنس العرب" في تطوير سياسة "التحكّم من الجو"، لأنه رأى في القوة الجوية ما رآه في معارك الشريف حسين مع الأتراك؛ حيث القدرة على "توزيع القوة في كلّ مكانٍ بشكلٍ غير ملموسٍ والضغط في كلّ مكانٍ دون التمترُس في مكانٍ مُحدّدٍ". [6]

وبهذا المعنى تحديداً، يُمكن القول إنّ القوة الجوية شكلت -خاصّةً في العراق- إمكانية إدارة الشعوب المُستعمَرة وتأثيراتها النفسية كما المجازر التي أحدثتها، وقد أدّى نجاحُها النسبيّ في العراق إلى إعادة استنساخها في مواقع جغرافيةٍ أخرى. فقد تمّ تصميم سياسة التحكُّم من الجوّ في مواجهة شعوبٍ يُنظَر إليها من قبل أمثال "لورنس العرب" كونها متمرّدةً بطبيعتها، وأنّها جاهزةٌ للقتال بأيّ وقتٍ، خاصّةً إذا ما تمّت قيادتها وتأجيجها من الخارج. بهذا المعنى رأوا أنّ مجرّد إدخال الطائرة على ساحاتٍ كالعراق وفلسطين سيكون "كافياً لإخضاع العربي"، لأنهم أمام "القوة الأخلاقية"،  بتعابير "سير هيو تريشارد"، لن يستمرّوا في تمرُّدهم على الامبراطورية الجديدة. [7] كانت منظومة التحكّم من الجو قادرةً على خلق نظام مراقبةٍ جديدٍ يصل إلى أيّ مكانٍ تقريباً، موفّراً للإمبراطورية قدرةً على تضخيم قوّتها وقدراتها، وبهذا المعنى كان استعراض السلاح أهمّ من استخدامه.

إشكاليات القصف في مكافحة التمرد

تركّزت مفاهيم القوّة الجوّية تقليدياً على القصف الاستراتيجي، حيث يتمّ توجيه قدرات القوة الجوية في اتجاه  تدمير العُقد الحاسمة للعدو، بما في ذلك القدرات الصناعية والبنية التحتية وشبكات النقل، وإلى البنية النفسية للمجتمعات المُستهدَفة. في الواقع، افترض "جوليو دوهيت"، أحد أهمّ مُنظّري القوّة الجوّية، توظيف القوة الجوّية ضدّ المدنيين، متوقّعاً أن "الانهيار الكامل للبنية الاجتماعية لا يمكن أن يحدث إلا في بلدٍ يخضع لهذا النوع من القصف القاسي من الجو. ... وحتى يتوقّف الرعب والمعاناة، سينهض الناس ... ويطالبون بإنهاء الحرب ... ". [8]

اقرأ/ي أيضاً على باب الواد: "جوليو دوهيت": الإيطالي المُعتدّ وبدايات القوة الجوّية

تمّ تصميم الحرب الحديثة وهياكل القوة المتعدّدة بتنوّعها -الجوّية والبرية والبحرية- في مواجهة الجيوش والمجتمعات الصناعية والحداثية، بهدف جعل العدو غير قادرٍ على تنظيم القوة اللازمة لردّ الهجوم وخوض الحرب. [9] وحسب "كلاوزفيتز"، تمّت هندسة القوة الجوية وتصوّرها كأداةٍ فاعلةٍ تُوجَّه إلى "محور كلّ القوة" لدى العدو، وقد تصوّر "دوهيت" أنّ هذا المحور يبدأ من المجتمع المدني ودوره في دعم الحرب وأنشطتها، وبالتالي، استهداف المدنيين يُجنّب خوض حروبٍ طويلة الأمد. [10] بهذا المعنى، تتوافر عناصر توتُّرٍ ما بين عقيدةٍ حربيةٍ ترى في القصف الاستراتيجيّ مدخلاً للنصر، وما بين عقيدة مُكافحة تمرُّدٍ ترى في تدمير حواضن المقاومة والتحييد السياسي للسكان مدخلاً حقيقياً للنصر. وبهذا المعنى، ثمّة علاقةٍ مركّبةٍ بين ادّعاءات القوّة الجوّية وما بين مكافحة التمرُّد في القرن الواحد وعشرين.

وفي سياق مكافحة التمرُّد، فإنّ حقيقة كون الصراع "يتمحور حول السكان" يعني أنّه صراعٌ موجّهٌ نحو كسب "قلوب وعقول" المُجتمع المُستهدَف. بحكم التعريف هذا، يستلزم التفكير بالقوّة الجوّية تزحْزُحاً عن المذهب "الاستراتيجي" لواحدٍ أكثر ملاءمةً لطبيعة الصراع السياسيّ والعسكريّ المُوجّه نحو تعزيز نظامٍ صديقٍ، أو مثلاً -في سياق أفغانستان- في إنشاء مؤسّسات دولةٍ تابعةٍ للولايات المُتّحدة. في الواقع، إنّ استهداف المراكز المدنية في سياق مكافحة التمرُّد يشمل كلفةً سياسيةً على مستويات متعدّدة. أولاً، أن الديمقراطيات الليبرالية حسّاسةٌ للإصابات من كلا الجانبين، أو على الأقل تدّعي الحساسية تلك، وأيّ استهدافٍ يخضع لنقاشاتٍ مُطوّلةٍ كما شكلت -على سبيل المثال- حالة اغتيال الشهيد صلاح شحادة. ولكن ما يهمّنا هنا ليست الادعاءات المُرتبطة بطهارة السلاح وأخلاقيات الجيش والمؤسّسة الأمنية الغربية، ولكنّ بما تخلقه عمليات الاستهداف أحياناً من رأيٍ عامٍّ ضدّ الأعمال الحربية، ما يضع العمليات العسكرية وأهدافها في خطرٍ. [11]

وعلاوةً على ذلك، فإنّ حقيقة توظيف القوّة الجوّية على المراكز المدنية، أو في محاولةٍ لاستهداف أهدافٍ متحرّكةٍ أو من خلال مرافقة ومساعدة القوات البرّية ضمن سيناريوهات دعمٍ جوّيٍ ملاصقٍ للقوات البرية (Close Air Support)، يؤدّي في الكثير من الأحيان إلى عكس المُراد خاصّةً عند وقوع أضرارٍ جانبيةٍ، كما حصل في سياق الضربات الأمريكية في أفغانستان واليمن. كما يصف إفران أحمد، "فقد أدّى الاستخدام المُفرط للقوّة الجوّية الأمريكية إلى حدوث "أضرارٍ جانبيةٍ" … ممّا أنتج موجاتٍ من اللاجئين والنازحين في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الفيدرالية وعقّد من الواقع الإقليمي". [12] وهذا بدوره أدّى إلى زيادة الدعم المباشر للمتمرّدين في أفغانستان وباكستان وساهم في تدفّق "متمرّدين" جدُدٍ وانضمامهم للمنظمات الإسلامية التي تواجه أمريكا في المنطقة. 

كما يستنتج "كوروم وجونسون" من خلال تسليط الضوء على الطبيعة السياسية والعسكرية لمكافحة التمرُّد في المسح الشامل والتاريخي لمختلف "الحروب الصغيرة" التي خاضها الغرب في القرن العشرين، أنّه "من المُحتمل أن تكون المساهمة الأساسية للقوّة الجوّية في الجهد العسكري في الحروب الصغيرة تقتصر … على الأدوار المُسانِدة للاستطلاع والنقل…". [13] فمن خلال كونه صراعاً سياسياً إلى حدٍّ كبيرٍ يدور حول الشرعية السياسية، فإنّ توظيف القوّة الجوّية يحتاج إلى حساب القضايا والتكاليف السياسية وعدم قصْر فعاليّته على الحدود الضيّقة بتحليل التكلفة والعائد العسكري.

يتمثّل التحدّي الأول في أيّة حملةٍ عسكريةٍ جوّيةٍ بتحديد الأهداف، خاصّةً في مواجهة قواتٍ غير نظاميةٍ وتمرُّداتٍ تتّخذ شكل العلاقات الشبكية المُعقّدة والمبنية على تاريخٍ اجتماعيٍّ محليٍّ. بمعنى آخر، لا تحتاج حرب العصابات إلى قواعد عسكريةٍ كبرى أو خطوط إنتاجٍ صناعيةٍ، أو منظوماتٍ لوجستيةٍ كبرى كما هو مُتواجدٌ في الهياكل العسكرية الحديثة. بساطة التنظيم تشكّل تحدّياً لمنظومات القصف الجوي عامّةً، وتلك المُرتبطة بالعدوّ خاصّةً؛ فهي تعني في الكثير من الأحيان الافتقار الحقيقيّ لأهدافٍ يُمكن ضربُها من الجو. هذه إشكاليةٌ تواجه معظم أسلحة الجوّ في العالم، فالسؤال الأهم هو ماذا نضرب؟ ويأتي في الكثير من الأحيان قبل سؤال كيف نضرب؟ فكما يخلص "لامبيث" في تقييمه للحرب على أفغانستان قائلاً: "لبعض الوقت، كان هناك نقصٌ في الأهداف المُعتمَدة بحيث تمّ إلغاء بعض المهام العسكرية". [14]

تتضمّن الطبقة الثانية من القضايا حقيقة كون العديد من الأهداف المُتاحة أهدافاً "مخفيةً ومُشتتةً ومُموّهةً"، أيّ أنه يصعب إيجادها أو تحديدها أو استهدافها. [15] كما أوضح "بيدل" في تقييمه لأداء القوّة الجوّية في الحرب على أفغانستان أنّ الأدوات الحالية "تُعامل الحرب بشكلٍ أساسيٍّ على أنها مشكلة التفاعل بين المُدرّعات وأنظمة الأسلحة الرئيسية (القوة الجوية)". [16] بتعبيرٍ آخر، لا يُعير سلاح الجوّ اهتماماً كبيراً للتحدي الناجم من "الأهداف المتحرّكة" والأفراد، كما أنها تتجنّب التعاطي الجادّ مع تحدّياتٍ على شاكلة خوض حملةٍ جوّيةٍ في مواجهة تمرُّداتٍ لا تمتلك بُنًى لوجستيةً. هذا التعاطي مع القوّة الجويّة، كما يُسلّط "لامبيث" دوراً كبيراً في فشل القوّة الجوّية من التعاطي مع حالة كافغانستان ومن قصورها في مواجهة الطالبان. [17]

ساهمت هذه العوامل وغيرها من الانتقالات في استخدامات القوّة الجوّية ونقل ثقلها لعملياتٍ خاصّةٍ تجمع ما بين المخابرات والاستهداف المباشر على شاكلة برامج الدرونز. أصبح الجسد هو الامتداد الفعليّ للمعركة في الفضاء والزمان، وبالتالي، تمّ الحدّ من التوظيف العسكريّ التقليديّ على حساب برامج الدرونز الجديدة. ما زال دور القوّة الجوّية مُهمّاً في العديد من السياقات خاصّةً في أدوار المراقبة والدعم الجوّي للقوات البرية وتأمين نقل القوات من وإلى مواقع مختلفةٍ، إذ إنّ هذه الأدوار تساعد على الحدّ من الخيارات التقليدية للخصم، وتساهم في خلق أسُس المبادرة والمباغتة لدى قوات مكافحة التمرُّد. بهذا الصدد استخلصت دراسةٌ لمركز الأبحاث الأمريكي راند (Rand)، بأنّ "استمرار المراقبة من خلال الجو لمناطق العدو، عند دمجها مع مصادر أخرى استخباراتية يزيد عدد الفرص لقوات مكافحة التمرّد لأخذ زمام المبادرة". [18]

النسر والأفعى

لعبت قوّة الكيان الصهيونيّ الجوّية دوراً متقدّماً في حروب "إسرائيل" المُتتابعة، وساهمت بشكلٍ فاعلٍ في الانتصارات المُتعاقبة التي حقّقها العدوّ في المواجهات العسكرية مع العالم العربي. وقد تكون النكسة وقدرة سلاح الجو "الإسرائيليّ" من تدمير القوّة الجوّية العربية وتحقيق التفوّق الجوّي من أهم العمليات التي خاضها هذا السلاح، ويمكن القول أنه ساهم في تشكيل عالمنا هذا، عالم الضمّ واتفاقيات السلام التي أفضت إلى تحييد مصر في كامب ديفيد (1978) وإلى خلق الأسس لاتفاقيات أوسلو (1993).

بالفعل، ساهمت عقيدة سلاح الجوّ "الاسرائيلي" -خاصّةً تركيزها على مبدأ تحقيق التفوّق الجوّي، والاستثمار في قدرتها ضرب العمق العربي، والتمرّس في فنّ العمليات الهجينة التي تجمع ما بين عدّة أسلحةٍ -برّيةٍ وبحريةٍ وجوّيةٍ- ضمن استراتيجية المناورة السريعة- في تحقيق الانتصارات المُتتابعة وبناء ميثولوجيا الجيش الذي لا يُقهر. بالرغم ممّا سبق، إلا أنّ المواجهة مع المقاومة في كلٍّ من لبنان وفلسطين منذ أواسط الثمانينيّات أدّت إلى تحوّلاتٍ كُبرى في طرق عمل سلاح الجو وكيفية تفعيله ضمن عمليات مُكافحة التمرد.

المفارقة الكبرى لربما هي أنّ السلاح هذا أصبح سلاح "إسرائيل" الهجوميّ الأهمّ، بل الأكثر استخداماً في السنوات الثلاثين الأخيرة، وقد تمحور استخدامه بالأساس بين استهداف الأجساد أو عمليات الاغتيال (חיסול ממוקד) بتعابير العقيدة الصهيونية التي تطوّرت في الانتفاضة الثانية أساساً، وما بين توظيفها في عمليات "تدفيع ثمن" ما يُمكن إدراجها تحت العنوان العريض "القصف الاستراتيجي". وقد تبدو تجربة العدو في الانتفاضة الثانية عشوائيةً وتنمّ بالأساس عن تلقائيةٍ خرجت من طبيعة المعركة التي تمتّعت فيها حركات المقاومة في قدرات المبادرة على مدى أكثر من سنتين، خاصّةً المبادرة الهجومية غير-المتقطّعة والمستمرة. لهذا يطلق الكولونيل الأمريكي "ماثيو هرلي" مسمّى "على الطاير" في توصيفه لتكتيكات سلاح الجو "الإسرائيلي". [19]

دخل سلاح الجو "الإسرائيلي" مجال العمليات في الانتفاضة الثانية بعد أربعة أيامٍ من اندلاعها، تحديداً في الثاني من تشرين الأول عام 2000، تبعتها العديد من الهجمات والضربات الصاروخية وعمليات الاغتيال. فما بين العام 2000 والعام 2005 تمّ توجيه أكثر من 550 غارةٍ "إسرائيليةٍ" تجاه أهدافٍ فلسطينيةٍ من الجو. انقسمت تلك الضربات ما بين عمليات اغتيالٍ تصاعدت حِدّتها بعد العام 2002، وما بين عمليات ضرب بُنًى تحتيةٍ فلسطينيةٍ استهدفت أساساً تلك البُنى المرتبطة بالسلطة الفلسطينية، كقصف مقارّ أجهزة الأمن والوزارات وغيرها من بنى تحتيةٍ. [20] تضمّنت عمليات سلاح الجو أيضاً مُرافقة الأسلحة الأخرى في عمليات استطلاعٍ ودعمٍ جوّيٍ خاصّةً في الاجتياحات الواسعة للمدن في الضفة الغربية وقطاع غزة.

استندت استراتيجية الكيان الصهيوني في توظيف سلاح الجوّ على المركّبات ذاتها التي دفعت لاستخدامه في العراق في عشرينيّات القرن الماضي. شكّل الاستهداف من خلال الجو استعراضاً لقوة جيش العدو في مواجهة تنظيماتٍ مسلّحةٍ لم تمتلك الكثير من القدرات العسكرية أو التقنية، واستندت في استراتيجيتها الهجومية على عمليات الكرّ والفرّ في الطرق الالتفافية أو تلك العمليات المرتبطة بالقنبلة البشرية. بهذا المعنى كان بنك الأهداف الأساسي هو أجساد المقاومين، وبالتالي، كانت أهمّية سلاح الجوّ وخاصّةً الطائرات المروحية (الأباتشي) تكمن في كونها أداةً تنفيذيةً تستند على معطياتٍ استخباراتيةٍ. يصف أحد ضباط الشاباك الاستراتيجية الصهيونية في الانتفاضة الثانية على النحو التالي: "كل من نعرف بأنه مخرّبٌ وكلّ من يتعامل معه ويساعده علينا تحييده. إذا كنت تتمتّع بذكاءٍ، فلا تنتظر، اضرِب على الفور. ليس كردّ فعلٍ ولكن من خلال مبادرةٍ مستمرّةٍ، في كلّ وقتٍ... ". [21] بهذا المعنى وفّر سلاح الجوّ بعلاقته الحميمية في الانتفاضة الثانية مع اجهزة الاستخبارات المعادلة السحرية في تصميم وتنفيذ غالبية العمليات التي ارتبطت باغتيال أهمّ الشخصيات مثل الدكتور ثابت ثابت في طولكرم، مروراً بأبو علي مصطفى في البيرة، وصولاً للشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي في غزة.

استخدمت "إسرائيل" في تلك العمليات سلاح الجوّ وفي غالب الأحيان طائرات الأباتشي؛ لما توفّره الطائرة المروحية من سرعة تفعيل طاقمها المُشغّل وإمكانيات الانتظار الطويل والرصد القريب والدقة في الاستهداف ما يجعلها النظام الأكثر قدرةً على تحقيق "الكمين من الجو". [22] أطلقت "إسرائيل" على عمليات الاغتيال في الانتفاضة مسمّى "النسر والأفعى" مُدلِّلةً إلى أهمية الجو في تحقيق النصر في الضفة الغربية تحديداً وتصفية العديد من القيادات العسكرية والسياسية لتيار المقاومة آنذاك. 

لم تغِب أيضاً الاعتبارات "النفسية" عن ضرورة استخدام وتوظيف القوة الجوية في الانتفاضة الثانية، فمثلاً يطرح "طال تافوي" أهمية الدور النفسي في توظيف سلاح الجو، خاصّةً وأنّ حملات مكافحة التمرّد تهدف إلى إقناع الخصم بما فيه المجتمع الحاضن للمقاومة أنّه لا يمكنه الانتصار، لذلك يأتي استخدام سلاح الجو كشاهدٍ نفسيٍّ على تفوّق العدو، يقول "تافوي": "ترمز طائرات الهليكوبتر إلى التفوّق التكنولوجي والعملياتي لـ "إسرائيل"، لذا من الممكن أيضاً أن يكون لها تأثيرٌ نفسيٌّ، وهو جانبٌ مهمٌّ في القتال ضدّ جهاتٍ غير نظاميةٍ". [23] بهذا المعنى، يوفّر سلاح الجو بعقلية العدو القدرة على مبادرةٍ خاصّةٍ في أماكن خارج الوصول البرّي الصهيوني المريح، والقدرة على إظهار التفوّق، وبالتالي إظهار انعدام إمكانية النصر. المفارقة المهمة هنا هي أنّ سلاح الجو هو السلاح الوحيد الذي يعتمد فيه العدوّ على دولةٍ خارجيةٍ -الولايات المتحدة اليوم، وفرنسا سابقاً- من توفير أنظمة الأسلحة مروراً بالطائرات؛ أيّ أنّه السلاح الوحيد الذي لا يساهم العدو في بنائه بشكلٍ جادٍّ.

وبالطبع، كانت المعركة ما بين العام 2000-2005 مفصليةً في الأحداث التي تلتها، وخاصّةً تلك الأحداث المرتبطة بحرب لبنان عام 2006. فقد كان لتجربة سلاح الجو في الضفة الغربية أثره على الثقة الزائدة التي تحلى فيها هذا السلاح في دخوله معركة جنوب لبنان، وإخفاقه من إحداث أثرٍ ملموسٍ على البنية التحتية للمقاومة في لبنان لأسبابٍ عدّةٍ أهمّها أن بُنى المقاومة ولوجستيات الفعل المقاوم لم يكُن صيداً سهلاً ولا أفعى ظاهرةً لرصد القوة الجوية، بل كانت في الغالب مُموّهةً، ومخفيّةً وخارج قدرة السلاح هذا، بما فيها الشخصيات القيادية والعسكرية للمقاومة. في هذا السياق، وُلِدت "عقيدة الضاحية" كمحاولةٍ لتثبيت الردع في وجه حركات المقاومة، وكأنه في معركة عام 2006 تحوّل التعامل مع حركات المقاومة من حركات تمرّدٍ صغيرةٍ تحتاج إلى عمليات دقيقةٍ وجراحيةٍ إلى اعتبار هذه الحركات أشبه ببُنًى عسكريةٍ هجينةٍ، قادرةٍ على استنزاف العدو في أيّ اجتياحٍ برّيٍّ.

تُدلّل التجربة "الإسرائيلية" على التوظيف المتعدّد للقوة الجوّية ما بين التعاطي مع الجسد كساحة المعركة بما فيها تطوير عقيدة اغتيالٍ مُمنهجةٍ كانت تهدف إلى تصفية تيار المقاومة برُمّته، يُوَظّف فيها سلاح الجو، وصولاً إلى إعادة إنتاج القصف الاستراتيجية بغياب الأجساد واستهداف الحاضنة الاجتماعية للمقاومة حتى تنزع عن الأخيرة شرعيتها وقوتها، في مُحاكاةٍ لتنظير "جوليلو دوهيت" و"هيو تريشارد" وغيرهما عن ضرورة استهداف البُنى المادية والاجتماعية لدى "العدو".

خاتمة

لعبت القوّة الجوّية تاريخياً أدواراً مهمّةً وُظّفت ضمن مكافحة التمرُّد، ومع ذلك، فإن هذه الأدوار لا تقع خارج نطاق ما يعتبر استراتيجياتٍ كلاسيكيةً في الأدبيات المعنية في دراسة القوة الجوية. فنجد أنّ التوظيفات لم تخلُ من الاستهداف المباشر والاغتيال، كما عوّلت وما زالت على قدرة سلاح الجو على ترهيب الحواضن الاجتماعية الداعمة للمقاومة من خلال استهداف هذه الحواضن بمن فيها. كما تمتّع استخدام القوّة الجوّية منذ بداياته بعدّة مزايا، تضمّنت قدرته على التحليق فوق أرض المعركة وتجنب الخسائر البشرية، والقدرة على خلق زمام المبادرة في مواجهة مقاومةٍ مرنةٍ وشرسةٍ ومُموّهةٍ، خاصّةً عندما تُبنى المبادرة على تصوّراتٍ استشراقيةٍ ما زالت تدغدغ مخيلة المخططين والقادة عند العدو.

بالعادة تسعى قوّات مكافحة التمرّد إلى بناء واقعٍ سياسيٍّ ما؛ أي أنها تسعى أساساً إلى الحفاظ على السلطة وبنائها. بهذا المعنى تكون الأدوات العسكرية برمّتها جزءاً من المعادلة فقط، في حين أنّ تصفية تيارات المقاومة يحتاج إلى تعاونٍ مع تياراتٍ أخرى لتشكيل حقبة ما بعد الحملة العسكرية، أي في تشكيل واقعنا الفلسطيني الحالي. بهذا الصدد تقول "حنا أرندت": "يمكن للعنف أن يدمّر السلطة؛ ولكنه غير قادرٍ على الإطلاق على إنشائها"، ومهمّة مكافحة التمرُّد تكمن في بناء وتهيئة الظروف للأنظمة السياسية المستقرّة، فضلاً عن المحافظة على هذا الاستقرار، أي في توفير الظروف لتأسيس ما يأتي بعد الدمار. فمثلاً، ساهمت الاباتشي تحديداً في خلق واقع ما بعد الانتفاضة الثانية، ولكنها احتاجت أيضاً لمن سيعيد بناء "عالمٍ جديدٍ" بعد استنفاذ دورها في التصفية والتدمير.

نهايةً، فإن ما حاولتُ معالجته في هذا النص، هو التوظيفات المختلفة لسلاح الجو في مكافحة التمرّد وارتباطه تاريخياً في التجربة الإمبريالية البريطانية في التحكُّم من الجو، وعلاقته الحميمية مع عقائد مختلفةٍ تتضمّن رؤية المعركة على أنها امتدادٌ للأجساد، وصولاً إلى إعادة إنتاج استراتيجيات القصف الاستراتيجي في ظلّ تقنيات الاستهداف الدقيق، ما يمنح العدو القدرة على مُعايرة العنف بحيث يُحافظ على الردع، خاصّةً مع حركات المقاومة في لبنان وغزة.

****

يمكنكم قراءة المادة بصيغة PDF، من هنا

الهوامش

[1] Hall, David. (2007). ‘Ruling the Empire out of the Central Blue’. Royal Air Force Review.
[2] Kilcullen, David. (2006). “Counterinsurgency Redux”. Journal of Survival, Vol 48, No.4, p. 3.
[3] Qtd in Alan J. Vick and Adam Grissom others. (2006) Air Power in the New Counterinsurgency Era The Strategic Importance of USAF Advisory and Assistance Missions. Rand, URL 
[4] T.W Lawrence. (1929). On Guerrilla Warfare. Encyclopedia Britannica. URL
[5] Omissi, David E. British Air Power and Colonial Control in Iraq: 1920-1925. Studies In Imperialism. p.21
[6] Satia, Pirya. (2006). The Defense of Inhumanity: Air Control and the British Idea of Arabia.  The American Historical Review, Volume 111, Issue 1, Pages 16–51,URL
[7] Ibid
[8] Douhet, Giulio. (1921). Command of the Air. P. 29
[9] Stratfor. (2003). Military Doctrine, Guerrilla Warfare and Counter-Insurgency. URL
[10] Clauswitz, Carl V. (1993). “On War”. Random House. 
[11] Kreps, Sarah S. (2007). “The 2006 Lebanon War: Lessons Learned”. Institute for Strategic Studies.
[12]Ifran, Ahmed. (2009). “Role of Airpower for Counterinsurgency in Afghanistain and FATA (Federally Administered Tribal Areas”. Naval Postgraduate School, URL
[13] James Croum and Wray Johnson. (2003). p.432
[14] Benjamin S. Lambeth. Air Power Against Terror: America's Conduct of Operation Enduring Freedom. National Defense Research Institute.
[15] Qtd in  Johnson, David E. (2007). Learning Large Lessons The Evolving Roles of Ground Power and Air Power in the Post–Cold War Era. Rand, p. 102.
[16] Ibid
[17] Ibid  Ibid. p.1
[18] Alan J. Vick and Adam Grissom others. (2006). p 114.
[19] Hurley, Mathew M. (2010) On the Fly: Israeli Airpower Against Al-Aqsa Intifada 2000-2005. Air Force Research Institute.
[20] Ibid, p.3
[21] Ibid, p4
[22] Sahl, Adam. (2010). The Evolution of Israeli Targeted Operations: Consequences of the Thabet Thabet Operation. Studies in Conflict & Terrorism, Vol. 33, Issue. 2, 111-133, DOI: 10.1080/10576100903487065
[23] Tavoy, Tal. (2015). Helicopters against Guerrilla and Terrorism: The Uniqueness of the Israeli Model. Military and Strategic Affairs, Vol 7, Issue 1.


Bibliography (المراجع)

(1) Arendt, Hannah. (1970) “On Violence”.Harcourt, Brace and World.
(2) Benjamin S. Lambeth. Air Power Against Terror: America's Conduct of Operation Enduring Freedom. National Defense Research Institute.
(3) Clauswitz, Carl V. (1993). “On War”. Random House. 
(4) Douhet, Giulio. (1921). Command of the Air. P. 29
(5) Evans, Michael. (2015). “The Shirt of Nessus: The Rise and Fall of Western Counterinsurgency”. Quadrant  Magazine, URL
(6) Galula,David. (1964). Counterinsurgency Warfare: Theory and Practice. A. Prager Inc. 
(7) Hall, David. (2007). ‘Ruling the Empire out of the Central Blue’. Royal Air Force Review.
(8) Ifran, Ahmed. (2009). “Role of Airpower for Counterinsurgency in Afghanistain and FATA (Federally Administered Tribal Areas”. Naval Postgraduate School, URL
(9) James Croum and Wray Johnson. (2003). “Airpower in Small Wars: Fighting Insurgents and Terrorists”. Lawrence: University Press of Kansas.
(10) Johnson, David E. (2007). Learning Large Lessons The Evolving Roles of Ground Power and Air Power in the Post–Cold War Era. Rand
(11) Kreps, Sarah S. (2007). “The 2006 Lebanon War: Lessons Learned”. Institute for Strategic Studies.
(12) Kilcullen, David. (2006). “Counterinsurgency Redux”. Journal of Survival, Vol 48, No.4.
(13) Rosenau, William. (2006). “Subversion and Terrorism: Understanding and Countering the Threat”.  National Memorial Institute for the Prevention of Terrorism. pp. 53-34 

(14) Stratfor. (2003). Military Doctrine, Guerrilla Warfare and Counter-Insurgency. URL