القسّام في الذاكرة الشعبية لقرية نزلة الشيخ زيد

20-11-2019
-A A +A

"إلى سميح حمودة رحمه الله"

على أعتاب الذكرى المئوية [1] لقدوم الشيخ عزّ الدين القسّام مجاهداً إلى فلسطين، شددتُ الرحال في آذار إلى قرية نزلة الشيخ زيد قضاء جنين، حيث قضى مولانا عز الدين القسّام ساعاته الأخيرة قبل أن تصل رحلته إلى الله ذروتها بالشهادة. قصدتُ النزلةَ لمعاينة المكان الذي احتضن الحدث الملحميّ الفارق في تاريخنا الوطني، وللاستماع إلى حكاية القسّام فيها كما حفظتها الذاكرة الشعبية لأهل القرية. وأوردْتُ في هذا النصّ ما رواه لي أهل النزلة عن حكاية القسّام في القرية واستشهاده في أحراشها. 

" وعلّمتكم أمور وطنكم حتى وجب عليكم الجهاد" [2]

في منتصف تشرين الأول 1935، غادر القسّام ومجموعةٌ من أصفيائه حيفا متّجهين نحو أرياف جنين وسهل مرج بن عامر في رحلة التعبئة والحشد تمهيداً لإعلان الثورة المسلّحة ضدّ العدوّ الأنجلو-صهيوني. وما بين السادس والسابع من تشرين الثاني، احتمت المجموعة في مغارةٍ بجانب عين ماءٍ [3] على السفح الشمالي لجبال فقوعة، بجوار قريتيْ المزار ونورس. وفي السابع من تشرين الثاني تحديداً، أطلق أحد أفراد المجموعة النار على رقيب الشرطة الصهيوني "موشيه روزنفلد"، بالقرب من عين الماء، فأرداه قتيلاً. وشكّلت هذه الحادثة نقطة تحوّلٍ في المسيرة القسّامية وحدّدت مصيرها، إذ فتحت عين الإنجليز على المجموعة وما تسعى إليه، وبدأ الإنجليز حملة مطاردةٍ مكثّفةً للقسّام ومجموعته مستعينةً بالجواسيس. وكعادة المستعمِرين على مرّ العصور، وصف الإنجليز القسّام ورجاله بقطّاع الطرق الأشقياء الهاربين من العدالة، وقد لاقت هذه الإشاعة قبولاً عند البعض، وتبنّتها بعض الصحف الفلسطينية. [4] هذا بالإضافة إلى المكافآت المالية التي تمّ رصدها، مما سهّل تتبّعهم والحصول على معلوماتٍ حول تحرّكاتهم ممّن لم يرَ في إشاعتها ما يُعيب أو يخرق المروءة.

ولاحقاً، بدأ القرويون بتطوير رسالةٍ مضادةٍ لهذا التوصيف الاستعماري تؤكّد على وطنية القسّام وسموّ مسعاه. فعند سؤالي للشيخ تيسير محمود الشيخ زيد عن سبب قدوم القسّام إلى النزلة، كان أول ما بدأ به مقطعٌ من أهزوجةٍ شعبيةٍ: "عز الدين لا سارق ولا ناهب أجا على فلسطين قصده يقطع الأجانب "، ثمّ أردف قائلاً: "أجا القسّام على النزلة زي ما هاجر سيدنا محمد (عليه الصلاة والسلام) من مكّة إلى المدينة، أجا هو وجماعته يحتمي بأحراش الخطاف ويقاتل فيها".

أحراش الخطّاف: موطن الأولياء والسباع

امتدّت أحراش الخطّاف [5] من أمّ الفحم شمالاً حتى قرية برطعة جنوباً، ومن نزلة الشيخ زيد ويعبد شرقاً حتى عرعرة غرباً، [6] غابةٌ كثيفةٌ ملتفة من أشجار السنديان والبطم والخروب والبرزة، وقد سُمّيت الخطّاف، بحسب أهالي قرية نزلة الشيخ زيد، لأنّ السباع كانت تسكنها وتخطف الماعز والأبقار وتفترسها. وهناك روايةٌ أخرى في قرى المنطقة تقول إنّ اسمها أمّ الخطّاف نسبةً إلى المكان الذي يسكنه طائر الخطاف (السنونو). كانت الأحراش محميةً طبيعيةً في العهد البريطاني البائد، وتمتدّ على مساحة 20 ألف دونمٍ.

وممّا تورده روايات أهل المنطقة أنّ الأحراش كانت مسكناً لجماعةٍ من المتصوّفة المنعزلين في زمن الدولة العثمانية، من أتباع الطريقة القادرية من مريدي السيد الحسني زيد الكيلاني، والذي نزل الأحراش قادماً من العراق، وحملت قرية نزلة الشيخ زيد اسمه حيث يوجد مقامه. وما زالت هناك شجرة سنديان معمرةٌ تقف بجوار المقام، شاهدةً على الغابة القديمة التي كانت تغطي المنطقة، يسمّيها أهل النزلة بـ "شجرة الطبيخ" لأنّ زائري المقام كانوا يطبخون لحوم نذورهم تحتها ويطعمونها للناس. وقد لفت انتباهي في النقش على مدخل المقام عبارة "نمر الهيش زيد "، والهِيش هو الشجر الملتفّ المتشابك. ويقول أهل النزلة إنّ الغابة استُنفدت بالاحتطاب بعد العام 1948؛ فقد دفع العوز باللاجئين إلى احتطاب شجرها خشباً [7] ولصنع الفحم. كما يحدّد أهل النزلة المكان الدقيق لاستشهاد القسّام بوادي الخشب في الغابة.

وبهذا يكون القسّام القادريّ الطريقة قد عاد إلى موطن القادريّة، ومنطلق شعاعها الروحيّ في بلادنا فلسطين، ليخوض معركته الأخيرة ضدّ الأغيار فيها، ويرتقي منها إلى مقام الشهادة بعد طول جهادٍ ومجاهدة.


بداية الحكاية

بدأتُ سؤالي للشيخ تيسير، إمام مسجد مقام الشيخ زيد، عن حكاية القسّام والنزلة، فقال:

عرف أهل النزلة القسّام قبل استشهاده بسنواتٍ. كان سيدي أبو أمي يعمل في "الفينري" [8] في حيفا، "وأجا خبره" (أيّ خبر وفاته). فذهب والدي محمود، رحمه الله، إلى حيفا لاستلام الجثمان وإحضاره لدفنه في القرية. وعندما وصل مستشفى حمزة، [9] رفضوا تسليمه الجثمان دون معرّفٍ ودون دفع رهن 5 جنيهاتٍ لحمّالة نقل الموتى. وعندما أخبرهم أنّه لا يعرف أحداً في حيفا وليس معه سوى 75 قرشاً، قال له أحد عمّال المستشفى "ما إلك إلّا الشيخ القسّام، إمام جامع الاستقلال". فذهب والدي إلى جامع الاستقلال لعرض حاجته على الشيخ القسّام، والذي انتبه إلى وجوده بعد الصلاة قائلاً: "غريب الدار يا طير؟" وبادره بالسؤال عن عائلات يعبد وشيوخها للتأكّد من هويته، ثمّ ذهب معه إلى المستشفى وتسلّم الجثمان على كفالته ودفع الخمس جنيهات. كما قام بتغسيل المتوفّى وتكفينه، قبل أن ينقله والدي من حيفا إلى محطّة عرابة. ويضيف الأستاذ سعيد محمود الشيخ الزيد أنّ والده (محمود) "تحسّر كثيراً بعد استشهاد القسّام ومّا عرف إنه كاين نايم في البلد وهو ما بدري وما قام بواجبه، وتألم كثيراً لمّا شافه مستشهد" .

 

القسّام في النزلة

"من شيخ لشيخ"، هكذا وصف الأستاذ سعيد مسارَ القسّام من حيفا إلى النزلة. وفي 19 تشرين الثاني 1935، جاء القسّام ورجاله إلى بيت الشيخ سعيد الحسان، وهو صوفيٌ صاحب طريقة (قادريّ) في خربة الطرم الغربيّ (خربة الشيخ سعيد الحسان) المحاذية للنزلة، حيث أكرم الحسّانُ القسّامَ وبات ليلته في بيته، كما جنّد أولاده للجهاد. وبعد صلاة الفجر، توجّه القسّام إلى بيت أخيه، الشيخ أسعد الحسان في نزلة الشيخ زيد، [10] وجنّد ابنه فهيم وأولاد أخته، أيضاً.

اجتمع الجميع بعدها في بيت الشيخ سليمان أحمد البري، حيث تناولوا الطعام وقرأوا المولد. ومرّ بهم أثناء ذلك "جلّابٌ" (تاجر أغنام)، فشاركهم الطعام. عاد "الجلّاب" إلى يعبد، وجلس في محلٍّ للحلاقة وبدأ يتحدّث عن جمعة الشيوخ في النزلة ومأدبة الغداء التي تناولوا فيها "لحم سخول" (جديان). وكان في المحل رجلٌ راكنٌ بارودته يقصّ شعره، انتبه لحديث الجلّاب فسأله عن أوصاف الشيوخ في النزلة ثمّ خرج متوجّهاً إلى المخفر في يعبد.

ومع الفجر، طوّق الإنجليز القرية، وفتّشوها بيتاً بيتاً بحثاً عن القسّام ومن معه ولم يعثروا على أحد؛ كان القسّام وعصبته قد توجّهوا إلى الأحراش وتواروا فيها عندما أحسّوا بوجود الإنجليز، والذين انسحبوا مع الضحى بعد أن يأسوا من العثور عليهم..

المعركة والشهادة

قبل أن يُنهي الإنجليز انسحابهم الكامل من النزلة، لمحتْ قوةٌ صغيرةٌ، كانت متخلفةً عن بقيّة القوات، شاباً قادماً نحوهم يحمل بارودةً على كتفه، ويروي سعيد محمود الكيلاني:

كان الشهيد أحمد الشيخ حسّان قادماً من المسربانية (طريق ضيق)، وبندقيته على كتفه، حاملاً سلةً فيها زوادة للقسّام ورفاقه الذين انسحبوا إلى الأحراش. وعندما رآه الإنجليز طلبوا منه الوقوف، فقفز واستحكم خلف "السنسلة" سريعاً بهدف الاشتباك مع الإنجليز، لكنّهم عاجلوه بإطلاق النار عليه فاستُشهد. ويضيف الأستاذ سعيد أنّ الشهيد أحمد كان يحمل بندقيةً بدون رصاصٍ، ذلك لأنّ أباه (الشيخ سعيد الحسان) كان قد سبق وأفرغها من حبّات الرصاص، دون أن يدري الشهيد، خوفاً عليه.

وبعدما وصل خبر استشهاد أحمد الشيخ حسّان إلى القسّام وجماعته، خطّطت المجموعة لاستدراج الإنجليز إلى الأحراش انتقاماً للشهيد، فأطلقت عياراً نارياً في الهواء، استدعى الإنجليز بعده القوات التي انسحبت إلى يعبد، لتبدأ المعركة. لم تتمكّن القوات البريّة من الثوّار خلال المعركة بسبب استحكامهم جيّداً وصعوبة الوصول إليهم، فاستدعوا طائرةً تولّت قصفهم، وأُصيب القسّام بجراحٍ بليغةٍ.

وبعد انتهاء المعركة، سحب الإنجليز القسّام الجريح ورفاقه الذين استشهدوا أثناء المعركة، مصطحبين معهم بعض أهالي البلدة لنقلهم من الحرش، "حطّوا القسّام الجريح تحت توتة كبيرة كانت موجودة قدّام المقام. طلب القسّام شربة ميه، بس الإنجليز ما خلّوا حدا يسقيه، وطلعت روحه الله يرحمه تحت التوتة".

ويكمل سعيد أنّه وبعد أن لفظ القسّام أنفاسه الأخيرة الطاهرة، تقدّم شرطيٌ عربيٌّ حاقدٌ وداس جثّة القسّام وشتمه وقال "غَلّبتني "، ويقول الناس إنّه الشرطي ذاته الذي بلّغ عنه في محل الحلاقة. ودفعت فعلته الأخيرة هذه بشرطيٍّ عربيٍّ ثانٍ، لم يتحمّل إهانة القسّام، لإطلاق النار على هذا "الشرطي الوسخ" وقتله. وأقدم ضابطٌ إنجليزيٌ بعدها على قتل الشرطي العربي الشهم، رحمه الله، وثمّ نقلوا القسّام ومن معه من الشهداء إلى حيفا..

 
"بيتي مبني في الأحراش مجاور للقسام"

استُشهد القسّام في حرش الخطّاف، لتندلع الثورة الكبرى على إثر استشهاده، فكان له ما أراد وخطط، وبدأ أهل البلاد يقصّون حكاية القسّام ويغنونها. في نزلة الشيخ زيد يغارون على قصته من "تحريف" المؤرخين والمسؤولين كما يقولون، ويغيظهم من يحدّد مكان المعركة بأحراش يعبد أو أحراش العَمرة، بينما هو حقيقةً وادي الخشب في الخطّاف. ويقولون إنّ حكايته في النزلة لها تتمة؛ داهم الجيش الصهيوني بيت الشيخ سعيد الحسّان، بعد احتلال النزلة في العام 1967، وصادر سيف القسّام وخِتمه من ابنه خضر سعيد الحسّان. واستمرّت الحكاية عندما بدأ الصهاينة بإقامة الجدار الفاصل على أرض القرية وتعمّدوا تجريف المنطقة التي استُشهد فيها القسام.

غادرتُ النزلة عصراً، وودّعني الأستاذ سعيد محمود زيد الكيلاني بهذه الأهزوجة : 
لا تسأل عن حسبي ونسبي تَتعرفني مين
أنا عربي ودمي عربي وبلادي فلسطين
بيتي مبني في الأحراش مجاور للقسّام
وبإيدي حامل رشاش (إن شاء الله) لوقت الصدام
أنا ابن النزلة الأبية فيها الخضرة وفيها المية
إن شاء الله بنال الحرية بالتقوى والدين

خاتمة

عادةً ما تعود الشعوب إلى تاريخها وإرثها في زمان التيه والأزمة، كزماننا هذا، لا لتتغنّى بالماضي المجيد الذي كان، وإنّما لتجدّد الصِلة بمصادر ذاتها ووجودها الحيّ. والقسّام، بوعيه وجهاده، شكّل ويشكّل أحد أهم مصادر وطنيّتنا المقاتِلة التي نحن بحاجةٍ دوماً للعودة إليها لاستئناف فاعليّتنا المغدورة في واقعٍ يريد المستعمِرون والمتواطئون أن يُأبّدوا اختلال موازينه وحدود الممكن فيه. هي عودةٌ للمستقبل لا إلى الماضي..

(اقتصرتُ في هذا النصّ على تسجيل حكاية القسّام في نزلة الشيخ زيد، كما رواها لي الشيخ تيسير محمود زيد الكيلاني وأخوه الأستاذ سعيد محمود زيد الكيلاني، في جمعٍ من أهالي القرية في مسجد مقام الشيخ الزيد وفي طرقات القرية، وكما سمعوها ممّن عاصر الأحداث، كما قالوا، بهدف التعرّف على الحكاية في الذاكرة الشعبية الحيّة للقرية، دون أيّ تدخّلٍ منّي بمطابقتها مع المصادر التاريخية المدوّنة، ودون اللجوء إلى سردٍ تاريخيٍّ لكامل الملحمة القسّامية، والتي يُمكن الرجوع إليها في مصادرها المعروفة، وعلى رأسها كتاب الراحل سميح حمّودة الموسوم بالوعي والثورة).

لقراءة هذا النص على هيئة (pdf) من هنا

****

الهوامش:

[1] تشير المصادر التاريخية إلى أنّ القسام أتى إلى فلسطين في العام 1920.
[2] من خطبة القسّام الأخيرة في جامع الاستقلال قبل خروجه من حيفا إلى الأرياف.
[3] زرتُ المكان ومسحتُه جيّداً، وقاربته بالخرائط المتوفّرة، ولم أعثر على اسم العين الأصلي التي أطلق الصهاينة عليها الصهاينة اسم "عين الرقيب" تخليداً لذكرى الرقيب "روزنفلد" الذي قتله القسّاميون عندها في 7 تشرين الثاني 1935. أدى قيام الصهاينة بسحب المياه الجوفية من الأعماق إلى تجفيف الينابيع المحيطة، ومنها هذه العين.
[4] كما يورد الراحل سميح حمودة في كتابه "الوعي والثورة". 
[5] يطلق الصهاينة على ما تبقى من أحراش الخطّاف اسم "ياعر ريحان" (יער ריחן).
[6] بحسب المؤرخ د.محمد عقل.
[7] اسم قرية عرقة التي تقع على طرف الأحراش من الدلائل على ذلك، وعرقة تعني الخشب.
[8] "الفينري": مصفاة البترول الإنجليزية في حيفا.
[9] مشفى حمزة في حيفا، نسبةً للنطاسي نايف أمين حمزة وهو طبيبٌ من قرية عبية اللبنانية. وبُني على نواته مستشفى "رامبام" الصهيوني.
[10] المسافة ما بين البيتين حوالي كيلومترٍ واحدٍ.