بنية منظمة التحرير الفلسطينيّة: الرجعية العربية والسلاح

23-09-2020
-A A +A
في هذا النص، يحدّثنا محمد قعدان عن الظروف التي نشأت منظّمة التحرير الفلسطينية في خضمّها، وعن الرياح التي عصفت بها في أماكن وجودها في الشتات، التي وضعت المنظّمة تحت سيادتها وفي قالبها. وصولاً للحديث عن أزمة المنظّمة ضمن الشروط المادية والسياسية.

مقدّمة

تشكَّل تاريخُ منظمة التحرير الفلسطينية، وبالأخصّ العمل المسلح الفلسطيني، منذُ ستينيّات القرن العشرين في ظلّ علاقاتٍ وتشابكاتٍ فرضت عليها تطوّراً ومساراً، يحتاج المراجعة، كما يحتاج إلى فهم الديناميكيّات الأساسيّة لهذه العلاقات.

ونجد أن الشرطين السياسي والمادي لتشكّل المنظمة، كانا مُرتبطين في الجغرافيّات المحيطة، أي الأنظمة العربيّة. فالشرط المادي وما يتضمّنه من فهمٍ للحركة والزمن والتمويل والسلاح، وأهم مكوّنٍ تاريخيّ له هي الديموغرافيا الفلسطينية، حيث ارتبط هذا الشرط من خلال الاحتكاك مع المحيط العربي، لا سيّما الأردن كحالةٍ متميّزةٍ؛ حيث كثافة الفلسطينيين اللاجئين، فضلاً عن سيطرتها على الضفة الغربيّة حتى عام 1967. أما الشرط السياسي، فيشير إلى العلاقات والمبادئ السياسيّة التي صاغت المواثيق والنصوص التأسيسيّة للمنظمة وعلاقتها مع الأنظمة العربيّة.

ما علينا قراءته هو تاريخ منظمة التحرير الفلسطينيّة، عبر الشرطين، في العلاقة مع المحيط العربي والرجعية العربية كحالةٍ مُهيمنةٍ بعد عام 1970، تحديداً مع الأردن ومصر. والمسارات والبنية التي نتجت عن ذلك وحكمت تطوّرها، لنرى كيف وصلت هذه البنية إلى أزمتها، مروراً بانحلالها النظريّ، وانفكاكها شيئاً فشيئاً عن هدف تحرير فلسطين.

في حين أنّ التحوّلات التي جرت في مسار العمل المسلّح، كما سنراها عند وديع حدّاد أساساً والجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، ومنظمة أيلول الأسود وغيرهم الكثير في إطار منظمة التحرير الفلسطينيّة، ارتكزت بشكلٍ أساسيٍّ على العمليات المسلحة من الخارج. ونسأل هُنا، كيف تحقّق ذلك تاريخياً؟ وما الضرورة المادّية والسياسيّة لهذا التحوّل؟

الشرط السياسي: الرجعيّة العربية كجُزءٍ من البنية

في عام 1964، تشكّلت المنظمة تحت مظلّة قوميّةٍ عربيّةٍ، بالتنسيق مع دولٍ عربيّة منها تقدميّة وغيرها رجعيّة؛ وما يُثير اهتمامنا في هذا السياق هي العلاقة مع الأردن الرجعيّة تحت قيادة الملك الحسين، يمكن الإشارة هنا إلى الرجعيّة كونها تتحدّد من خلال ارتباطات المملكة الهاشميّة إبّان تأسيسها في بدايات القرن العشرين، وأيضاً علاقاتها السياسيّة والاقتصاديّة مع الدول الاستعماريّة سواءً بريطانيا أو الولايات المتّحدة.

وفي كتابه "الفكر السياسي الفلسطيني"، قدّم فيصل حوراني توثيقاً مُهمّاً لأحداث تأسيس منظمة التحرير الفلسطينيّة، ومناقشة المواثيق التي صدرت عنها. وسيكون كتاب حوراني مرافقاً لفهم حيثيّات العلاقة السياسيّة مع مملكة الأردن وباقي دول المحيط العربي. [1]

ويروي حوراني ناقلاً عن الشقيري أن جمال عبد الناصر نصحه بالحرص على حضور ملك الأردن إلى مؤتمر التأسيس، إذ يترتّب على حضوره تجنّب الوقوع في خلافاتٍ واستفزازاتٍ مع المملكة، ستعرّض منظمة التحرير الفلسطينيّة لمعارضةٍ عربيّةٍ أو صراعاتٍ هي في غنًى عنها.

عزم الشقيري على الأخذ بنصيحة عبد الناصر، وبدأ مشاوراته مع الملك. وكان لدى الملك شرطان؛ الأوّل عدم التعرّض للسيادة الأردنيّة في الضفة الغربيّة، وعدم التطرّق لكون المنظّمة ضمن دولةٍ فلسطينيّةٍ محرّرةٍ وسياديّةٍ، أما شرطه الثاني أن لا يكون جيش فلسطيني أو كفاح مسلّح فلسطيني مستقلٌّ في الأراضي الأردنيّة. وافق الشقيري على كلا الشرطين.

وأبدت الحركات الوطنيّة الفلسطينيّة الحديثة، التي تدعو للكفاح المسلّح (فتح، والقوميين العرب، والصاعقة وغيرها) موقفاً قبل أربعة أيامٍ من مؤتمر التأسيس للمنظمّة إثر اجتماعها في بيروت، وأطلق عليه "المكتب السياسي للقوى الثوريّة للعمل الفلسطيني الموحد"، وأصدرت في بيانٍ أنها ستعمل على إيجاد كيانٍ ثوريٍّ فعّالٍ وموحّدٍ، لذلك حضر تمثيلٌ قليلٌ من هذهِ الحركات، المؤتمر التأسيسي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وظهر جَنينُ التناقض مع المملكة الأردنيّة خلال المؤتمر، حيثُ حمل المؤتمر المهمّة النظريّة لإبراز أهميّة تشكيل جسمٍ فلسطينيٍّ ثوريّ فعّالٍ ومستقلٍّ عن الدول العربيّة ويطمح لتحرير فلسطين وتحقيق مصير الشعب الفلسطيني على أرضه. بالتالي بقيت هذه المهمّة ضبابيّةً ولم تكن بارزةً، إذ تمّت صياغتها في كلماتٍ غير مباشرةٍ في الميثاق كما عبّر عن ذلك حوراني، تحت تأثير المملكة الأردنيّة وخوفاً من استفزازها. وتجسّدت تلك التناقضات في الميثاق القوميّ التأسيسي الصادر عن المنظمة. مما يعني أنها بموافقتها على أن تكون تحت مظلّةٍ قوميّةٍ، بالتنسيق والتشديد على الوحدة العربيّة كحلٍّ للخلاف على السيادة الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة وغيرها من الأمور، كانت تحت تأثير رجعيٍ عربيٍّ.

واستمرّ التناقض إلى ما بعد مؤتمر التأسيس وخاصّةً بعدما هُزمت الجيوش العربيّة أمام آلة الحرب الصهيونية. وأخذ التناقض شكلاً حادّاً أكثر اتّخذ شكل اشتباكاتٍ مسلّحةٍ، وهكذا بدأت المرحلة الثانية لتشكيل بنية المنظمة، ولفت الباحث وحيد عبد المجيد إلى أن المُقاومة قد أخطأت بمواقف وممارساتٍ تجاه المملكة؛ فأولاً، لم تكن قوى المقاومة وفصائلها موحّدةً في القرار، أو الموقف السياسي، أو على الأقل لم تكن مرجعيّتها للجنةٍ مركزيّةٍ تُلزمها اتخاذ قرارٍ جامعٍ ومُلزمٍ. مما يعني أن الاختلاف إزاء المملكة الأردنيّة، سواءً إمكانيّة التعايش معها أو العمل على النضال ضدّها -كونها تتناقض بالعُمق مع المشروع التحرّري الوطني العربيّ عموماً والفلسطينيّ خصوصاً- كان متعلقًا في السياقات وعلاقات القوّة، دونَ علاقةٍ بالهدف المؤسّس، أي تحرير فلسطين.

وثانياً، اختلاف الفصائل حول التعاطي مع هذا النظام، لم يكن مُوحّداً ولم تكن تعي التناقض قبل حدوثه، كما أيقنتهُ المملكة التي بدأت تتصرّف على إثره؛ من خلال تشكيلها لحكومةٍ عسكريّةٍ تحت قيادة محمد داوود في عام 1970 لتضرب بها مكاتب منظمة التحرير الفلسطينيّة وتطرد المُقاومة والفدائيين، وقد وصلت الأمور لحدّ الاشتباكات المسلّحة، ومجازر على يد الجيش الأردنيّ، إلى أن طُردت المنظمة والمُقاومين من مواقعهم المهمّة في الأردن.

أما الخطوة التالية في تشكيل بنية منظمة التحرير الفلسطينيّة، فكانت إبان حرب تشرين الأول/ أكتوبر في عام 1973، بعدما سيطرت فصائل المقاومة والعمل المسلّح على منظمة التحرير؛ إذ تسلّلت بينها بعض التوتّرات، فلم تكن هناك قراراتٌ مركزيّةٌ تلتزم بها هذه الفصائل، وكان ذلك جلّياً في اشتباكات الأردن والمواقف تجاهها. وما تبعها من اختلافاتٍ أثناء الحرب، أوضحت وعمّقت هذه الاختلافات والتوجّهات والعلاقات مع الرجعيّة العربيّة، ومنها مصر وتحديداً بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر.

فيما تمحورت الخلافات أساساً على قضيّة "الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين" بين المملكة الأردنيّة ومنظمّة التحرير الفلسطينيّة، وصدور قرار القمة العربيّة في الرباط عام 1974، حسم المسألة نظرياً لصالح المنظمة، علماً أن الرجعيّة العربيّة هي التي شكّلت هذه الخطوة التي نتحدّث عنها. وأشير إلى أن العلاقات السياسيّة التي أنجزت المواثيق والتطوّرات البنيويّة في منظمة التحرير الفلسطينيّة منذ عام 1964، كانت أساساً مع دول الرجعيّة العربية، سواءً في البداية مع المملكة الأردنيّة أو جمهوريّة مصر العربيّة في فترة الرئيس أنور السادات.

وأوضح الباحث أسامة خليل [2] الأحداث التي أدّت إلى تبنّي برنامج النقاط العشر، [3] وما يخفيه من علاقاتٍ مع الولايات المتحدة عبر الوسيط الرجعي العربي، حيث كتب: "اجتمع المجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة بتاريخ 1 حزيران/يونيو 1974. أرادت حركة فتح والجبهة الديمقراطية استيعاب موسكو والقاهرة باتباع نهجٍ أكثر واقعيةٍ، والبرهنة لواشنطن في الوقت نفسه على أنهما شريكٌ محتَملٌ لمحادثات السلام. ومع ذلك، فقد واجهتا مقاومةً من الجبهة الشعبية وحلفائها". [4]

الشرط المادّي: الحاجة إلى المحيط العربي

"نجاح الحركة الفدائيّة حوى، في حدّ ذاته، توتراتٍ داخليّةً؛ إذ ما أمكنها تحقيق شعاراتها بشأن «حرب الشعب» وتحرير كامل التراب الفلسطيني، إلا بمشاركةٍ كاملةٍ من دول المواجهة العربيّة والدول العربيّة الأخرى. إلا أن هذه الأهداف أزعجت الحكومات المُضيفة، واصطدمت بالمتطلبات العمليّة لتأمين اعترافٍ أوسع بـ م.ت.ف. كلاعبٍ دولانيٍّ له شخصيته الدوليّة". [5]

الشرط المادّي، هو محاولةٌ لفهم المجريات التي أدّت إلى التحوّلات الأخيرة في منظمة التحرير الفلسطينية أي في العقد الأول لتأسيسها، فضلاً عن فهم الدوافع المادّية التي أوصلت قيادة المنظمّة السياسيّة إلى اتخاذ قراراتٍ ومواقف ومُمارساتٍ توجّهت نحو عقد اتفاقياتٍ مع المشروع الصهيوني.

مع طلوع المقاومة الفلسطينيّة منذُ منتصف الستينيّات في شكلها التنظيمي، وتبلورها خارج فلسطين ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينيّة، وارتباطها بُنيوياً في المحيط العربيّ، تمثّلت بداياتُ الأزمة بمسألة المقاومة الفلسطينيّة. حينما قدّم الشقيري استقالته في عام 1965 إثر اختلافاتٍ مع النظام الأردني حول أمورٍ أساسيّةٍ متعلقةٍ بالعمل الشعبي المسلّح، وكيفيّة العمل وتنظيم الفلسطينيين مادّياً في شرقيّ وغربيّ النهر.

وكان النزاع منذُ البداية متعلّقاً بتسليح الضفة الغربيّة وخصوصاً القرى الأماميّة، علماً أنها كانت تحت سيادة الأردن في تلك الفترة، ورفضت الأردن، وأجابت أنّ شرقيّ وغربيّ النهر هو الأردن، وبناء أي تنظيمٍ شعبيٍّ مسلّحٍ يجب أن يكون تابعاً للجيش. ونتساءل في هذا المقام؛ هل تستطيع منظمة التحرير الفلسطينيّة بناء مقاومةٍ شعبيّةٍ فلسطينيّةٍ، تطمح للتحرير على أساس تبعيّتها للجيش الأردني؟ وهُنا علينا أن نفصّل وندقّق في الإشكاليّة؛ هل المشكلة هو الجيش الأردني بحدّ ذاته، كونه مرتبطٌ بسياساتٍ خارجيّةٍ رجعيّةٍ، أم هي التبعيّة بحدّ ذاتها لأي جيشٍ نظاميٍّ؟ وهل يمكن للتنظيم الشعبي المسلّح أن يتبلور بوعيٍ فلسطينيٍّ وتنسيقٍ عربيٍّ [رجعيّ] لتحقيق هدفه؟

وهكذا، وبسبب هذه الخلافات مع الأردن، توالت حملات اعتقالاتٍ واستهدافٍ لبعض القيادات في المقاومة منذ الأعوام الأولى 1965 و1966 واتُّهمت الفصائل بدعوتها لتفكيك المملكة الأردنيّة، في حين كانت أهدافها أبعد من ذلك، واستمرّ هذا العائق لما بعد حرب 1967 كما ذكر الباحث وحيد عبد المجيد.

الشرط المادّي يتشكّل ويتحوّل من خلال مساراتٍ حُدّدت في الشرط السياسي، وهو الاعتماد على الرجعية العربية، في التنظيم، وفي التكوّن، وفي الأطروحات السياسية. بالتالي ما علينا تفقده هو المقتضيات العضوية والمادية، أي الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية (وهذه العلاقة التي تُبرز التباعد بين الأرض والشعب خارج الأرض)، التي تطوّرت تاريخياً مع المقاومة، ومع الهدف النهائيّ للمنظمة، تحرير فلسطين.

تحوّلات الشرط المادي: ما بين الديموغرافيا والجغرافيا

استطاعت المنظّمة وحركة فتح خصوصاً، بالرغم من العمليّات المسلحة الأردنية ضدّها، إعداد بنيةٍ تحتيّةٍ تتضمّن؛ مستشفيات ومدارس وورشات عمل في إطار المخيّمات الفلسطينيّة وبنائها اجتماعياً على أساس الهوية الوطنية التحرّرية. وكان ذلك يُقلق الملك الأردنيّ، علماً أن جميع الحركات الوطنية وقيمها الثورية واليسارية، تستطيع أن تشكّل خطراً استرايجياً على وجود المملكة، كما هو خطرٌ على وجود الكيان الصهيونيّة، وكان اللاجئون الفلسطينيون المعادلة الأساسية والوحيدة في الصراع من جهة منظّمة التحرير الفلسطينية.

في هذه الحالة، كان العامل السكانيّ -أي ديموغرافيا الفلسطينيين- بديلاً عن الجغرافيا الفلسطينية، في العقيدة العسكرية والمقاومة. وفي حال فقدان القاعدة الفلسطينيّة السكانيّة، لن تستمرّ المعركة، إلّا باسترداد الجغرافيا أو جُزءٍ منها على الأقل، وهذا ما يعبّر عنه "برنامج النقاط العشر" واقعاً وليسَ قولاً. بمعنى آخر، كانت المعادلة الأساسيّة بالنسبة للمقاومة الفلسطينيّة المتمثلّة في منظمة التحرير متأرجحةً ما بين الديموغرافيا، أي اللاجئين الفلسطينيين من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى، الجغرافيا التاريخية الفلسطينية لضمان استمرارها.

إذن، ما هي الديناميكيّات التي أدّت بالمقاومة إلى التخلّي (أو إجبارها على التخلّي) عن الديموغرافيا الفلسطينيّة التي تتموضع في المحيط العربيّ لفلسطين. ثمّ التركيز على العمليّات في الخارج وفقاً للرؤية التي جسّدتها منظمة أيلول الأسود وغيرها من منظماتٍ فلسطينيّةٍ؟

وبالحديث عن الأجواء في لبنان، نشطت حركات المقاومة منذُ أواسط الستينيّات، ولم تكن على اتفاقٍ أو ترتيبٍ مع السلطات اللبنانيّة من حيث العمل المسلّح، إلا أن السلطات كانت ملتزمةً بقرارات الجامعة العربيّة لدعم القضية الفلسطينية. وإذ لم يكن العمل المسلّح ضمن هذه القرارات فعلياً، ما جعلها هدفاً ممكناً للقمع. وأتاح ذلك لبعض الجهات في السلطات اللبنانية محاولة الالتفاف على المقاومة وضرب شعبيّتها، ولكن الجنوب اللبناني، بما يعانيهِ من إقصاءٍ وظروفٍ صعبةٍ مع السلطات، وجد في القواعد الفلسطينيّة فسحةً للمقاومة والتحرّر. [6]

وشكّلت الفترة التي تلت النكسة في عام 1967، اتساعاً مهمّاً لحركات المقاومة، بالموازاة مع طرد الفلسطينيين من أرضهم، ولجوئهم إلى لبنان، ما زاد أعداد المخيمات والفلسطينيين المترقبين للمقاومة والتحرّر، إثر الظروف الصعبة التي لاحقتهم منذ عام 1948.

جعل تراكم هذه العوامل من لبنان أرضاً خصبةً للمقاومة، وزاد ذلك حجم العداء لحركات المقاومة عند حزب الكتائب مثلاً، وردّاً على ذلك، اعتبرت جنازة الشابّ اللبناني، خليل عز الدين الجمل الذي استشهد في الأرض المحتلّة، فصلاً مُهمّاً من العقد الوثيق بين المخيّم والقرية في لبنان وخصوصاً في الجنوب، للتحرّر والمقاومة.

ونرى أن لبنان، في هذه المرحلة، شكّلت بالفعل عموداً أساسياً للمقاومة بسبب كثافة اللاجئين، أي الديموغرافيا التي تتشابك مع جوهر المقاومة من خلال المحيط الجغرافي. بالتالي صاغت اتفاقيّة القاهرة في عام 1969 الترتيبات اللازمة لعملِ المقاومة وحريّة الفدائيين في النشاط والتخطيط للعمليات التكتيكية التي تخدم هدفها الاستراتيجي؛ تحرير فلسطين من خلال لبنان، في سياق المناوشات الحاصلة بين المقاومة والسلطات اللبنانيّة، في ظلّ ضرباتٍ عسكريّةٍ صهيونيةٍ متتاليةٍ على لبنان ما قبل الاتفاقيّة. وهكذا نؤكد من جديدٍ ارتباط الشرط المادّي بشكلٍ أساسيٍّ بالديموغرافيا، ووجود اللاجئين، لإعداد البنية التحتيّة اللازمة للكفاح المسلّح، وترتيبات الواقع جعل من لبنان -كدولةٍ فيها جهاتٌ رجعيّةٌ ومعاديةٌ للثورة الفلسطينيّة والطبقات الفقيرة اللبنانيّة- محطّةً للنضال الفلسطيني. يعبّر هذا الخلاف عن حالةٍ نموذجيّةٍ لفهم مسألة السيادة عند الجهات الرجعيّة العربيّة التي لن تستعيدها إلا حين تطرح مسألة الثورة والتحرير.

واستمرّت المقاومة في السبعينيّات، وأدّى ذلك إلى ردودٍ إسرائيليّةٍ عنيفةٍ ومدمّرةٍ للدولة اللبنانيّة، واستشهد اللبناني والفلسطيني، مما أرغم قيادات المنظمة لإيقاف أو تخفيف العمل من لبنان، علماً أن ذلك لم يمنع الصهيونيّ من الاستمرار في جرائمه ضدّ لبنان، في الأعوام 1971 و1972. وهكذا، فقدان العمل المسلّح المنظّم شيئاً فشيئاً ضمن العلاقات المتشابكة مع قوى رجعيّةٍ تستمر بالضغط على المقاومة إعلامياً وسياسياً. [7]

وقد آلت هذه العلاقات إلى تكثيف العمليّات من الخارج، في ظلّ ظروفٍ تتمثّل في ديموغرافيا محاصرة، وجغرافيا محتلّة بأكملها منذ عام 1967. بالتالي إرغام المقاومة على العمل من الخارج، ونذكر مثلاً عمليّات "منظمة أيلول الأسود" وخصوصاً ميونخ، التي شكّلت تغيّراً استراتيجياً في الكفاح المسلّح، وماهيّته ونظرته إلى الواقع وإلى الحل السياسيّ (علماً أن هذا لم يمنع من قصف المخيّمات في لبنان وسوريا).

وما أودّ أن ألفت إليه، هو إعادة الاعتبار إلى الديالكتيك -أي جدلية العلاقة- بين المقاومة والدولة من جهةٍ، والجغرافيا والديموغرافيا من جهةٍ أخرى، مما يجعلنا ننظر إلى العلاقة مع الرجعية العربية والتغيّرات التي لحقت بالثورة وطرقها وأساليبها ضمن هذه الجدلية.

إذن، الحاجة المُستميتة للوصول إلى الجغرافيا الفلسطينية، بعد إقصاء الديموغرافيا الفلسطينيّة -خصوصاً اللاجئين- من فاعليّتها إثر مُحاصرتها من قبل الرجعيّات العربيّة. هي ذات الحاجة إلى إتفاقيّة أوسلو، وما يبيّن لنا أن الوصول إلى الجغرافيا الفلسطينيّة في الضفة الغربيّة وغزّة، إنما هي حاجةُ لاستمراريّة المقاومة، من منظورٍ تاريخيّ. وليس من منظور شخصٍ أو جهةٍ أو منظمةٍ، بل كان الأمر محاولةً للاستجابة إلى ضروراتٍ تاريخيةٍ.

*****

المراجع

[1] فصيل، حوراني. الفكر السياسي الفلسطيني، 1964-1974: دراسة للمواثيق الرئيسية لمنظمة التحرير الفلسطينية. بيروت: مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، 1980، وانظر إلى: وحيد، عبد المجيد. العلاقات الفلسطينيّة العربيّة- قضايا الوجود الفلسطيني في سوريا والأردن ولبنان. مركز الدراسات السياسية والاستراتيجيّة. 1979. ص 13-59

[2]  في مقاله على "شبكة السياسات الفلسطينيّة"
[3]  في عام 1974، أقر المجلس الوطني الفلسطيني في الدورة الثانية عشر، برنامج النقاط العشر التي تم صياغتها من قبل قيادات الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والتي تدعو إلى إنشاء سلطة وطنية على أي قطعة محررة من أرض فلسطين، والعمل الفاعل لإنشاء دولة علمانية ديمقراطية ثنائية القومية في فلسطين يتمتع فيها كل المواطنين بالمساواة والحقوق بغض النظر عن العرق، الجنس أو الدين.
[4]  أسامة، خليل. جذور أوسلو: كيسنجر، منظمة التحرير الفلسطينية، وعملية السلام. شبكة السياسات الفلسطينيّة. سبتمبر، 2013
[5] يزيد، صايغ. الكفاح المسلح والبحث عن الدولة - الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة 1949-1993. مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة، 1997. ترجمة باسم سرحان، الطبعة الأولى 2002. ص235
[6] وحيد، عبد المجيد. العلاقات الفلسطينيّة العربيّة- قضايا الوجود الفلسطيني في سوريا والأردن ولبنان. مركز الدراسات السياسية والاستراتيجيّة. 1979. ص 59-105
[7] نفس المرجع السابق