رسم خريطة فلسطين: التصوير الجوّي للقوات الجوّية البافاريّة خلال الحرب العالمية الأولى

27-01-2019
-A A +A

ترجمة: محمد يونس

توطئة:

نقدّم إليكم في "باب الواد" نصاً مُترجماً لدراسة أجرتها ندى الأطرش*، بعنوان "رسم خريطة فلسطين: التصوير الجوّي للقوات الجوّية البافاريّة خلال الحرب العالمية الأولى"، والتي نُشرت عام 2014 في العدد 56 من مجلّة القدس الفصلية (Jerusalem Quarterly) الصادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية باللغة الإنجليزية. تتناول الدراسة رحلات الاستطلاع التي نفّذتها قوات السّرب الجوّي البافاريّ بين عامي 1917 و1918 ضمن عمليات التحالف الألماني التركي قرب نهاية الحرب العالمية الأولى. أنتجت هذه الرحلات الاستطلاعية صوراً متنوّعةً توثّق مرحلةً هامّةً من تاريخ فلسطين الحديث، تشهدُ على نهاية الإمبراطورية العثمانية وبدايات الاستيطان اليهوديّ والانتداب البريطانيّ لفلسطين، وتوفّر مادّةً خصبةً لدراسة المشهد الحَضَري في فلسطين في تلك الفترة، وأساساً لطوبوغرافية مقارنة اليوم. كما تقدّم هذه الصور دليلاً ملموساً على التوثيق المستهدف للسّرب الجوي، الذي تعدّت أهدافه المبررات العسكرية المُعلنة وشملت توثيق مواقع تاريخيةٍ وثقافيةٍ وحيويةٍ في المنطقة. 

****

نفّذ السرب الجوي البافاريّ رقم 304، التابع للخدمة الجوية الألمانية (AF304b)، طلعاتِ استطلاعٍ بين أيلول 1917 وأيلول 1918 كجزءٍ من عمليات التحالف الألماني التركي نحو نهاية الحرب العالمية الأولى. تشكّل الصور الأرضية والجوية، التي نتجت عن هذه الطلعات، أداةً مهمّةً لدراسة المشهد الحَضَري في فلسطين في نهاية الفترة العثمانية، وأساساً لطوبوغرافيا مُقارَنة اليوم.

في عام 1917، وصل السرب الجوي البافاريّ رقم 304 (AF304b) إلى فلسطين، واستقرّ في عراق المنشية. [1] بدأتْ هذه القوّة رحلتها في القطار من المدينة الألمانية "شليسهايم"، شمال مدينة ميونخ، في تمّوز 1917، واستمرّت لثلاثة أسابيع، مروراً بِفيينا وبودابست وبلغراد حتى إسطنبول، عاصمة الإمبراطورية العثمانية حينها. وخلال إقامتهم في إسطنبول، تمّ تدمير خمسةِ أسرابٍ في هجومٍ تخريبيٍّ. ومن تلك المدينة، التي كانت تعاني الكثير من الضرر والدمار في ذلك الوقت، استكمل السرب رحلته، قاصداً فلسطين من خلال الأقاليم العثمانية. مرّت رحلة السكّة من "إسكسهير" (Eskisehir) وقونية (Konya)، ثمّ حلب، ورياق وصولاً إلى يافا. [2]

كان وصول السرب الجوي رقم 304 جزءاً من عمليةٍ كبيرةٍ استغلّت ألمانيا خلالها تحالفَها مع الإمبراطورية العثمانية سبيلاً لتوسيع مسرح الحرب من فلسطين إلى مصر عبر قناة السويس. هدف الألمان، من خلال هذا التوسّع، إلى إعاقة الاتصالات بين إنجلترا والهند على نحوٍ خطيرٍ، وبالتالي منع الجُند والعتاد البريطاني من المرور عبر قناة السويس من أجل تقليل الضغط على الجبهة الألمانية الغربية، فضلاً عن تعطيل توريد البضائع من آسيا، ومن الهند بشكلٍ رئيسيٍّ، ما سيُضعف من الصناعة البريطانية بشكلٍ جديٍّ.

وفي وقتٍ مبكّرٍ من عام 1916، وصل السرب الجويّ البروسيّ (FA300)-  المعروف بـِ "باشا 1" - إلى فلسطين في مهمّةٍ للقضاء على أهدافٍ أرضيةٍ. تكوّنَ السرب من أربع عشرة طائرةً من طراز "رومبلر سي ون" (Rumpler C.I)، وقوةٍ عاملةٍ من عشرة طيّارين وستّة مراقبين. وتعكس هذه النسبة، الأربع عشرة آلةً إلى عشرة طيّارين، كمّية المُعدّات الاحتياطية والعتاد المُخصّص لهذه الحملة. وعلى الرغم من النقص العدديّ، حافظ الطّيارون الألمان على السيادة الجوية في فلسطين وسيناء حتى خريف عام 1917.

سرب الطائرات AF304b خلال مروره من جبال طوروس (ما بين شهري أيلول 1917 وأيلول 1918). المصدر: أرشيف الولاية البافاري.

خلال النصف الثاني من عام 1917، تكوّنت القوة الجوية الألمانية في المنطقة من ثلاثة أسرابٍ جويةٍ بروسيةٍ، وهي (AF301 ،AF302، وAF303)، بالإضافة إلى السرب الجويّ البافاريّ. وتمّ اعتبار وجود هذه القوة في المنطقة انتصاراً ألمانيّاً كبيراً. تكوّنت وحدة القوة الجوية من 24 ضابطاً، شملت الطيّارين الجدد وسبعة مُراقبين، بالإضافة إلى 215 خبيراً في الأرصاد الجوية، وخبراء ميكانيكا المحركات، وكهربائيين ولحّامين ونجارين، ومنجّدين ومصوّرين جويين، وخبراء أسلحة، ومتخصّصين آخرين.

قام الألمان بعدّة محاولاتٍ لعبور قناة السويس بين عامي 1915 و1917، لكنّ البريطانيين أحبطوا محاولاتهم، وحافظوا على السيطرة على القناة. في تشرين الثاني 1917، غزت القوات البريطانية غزّة، بقيادة الجنرال اللنبي. وفي نهاية أيلول، وصلتْ الأسراب الجوية الألمانية فلسطين، بينما كانت قوات الجنرال اللنبي بالفعل قد تحصّنت في فلسطين، وكان من الصعب على هذه الأسراب قطعُ سيناء للوصول إلى مصر، فتمركزوا في فلسطين، وأنشأوا مقراتٍ في الناصرة. [3]

تلقّت الوحدات الجوية الألمانية إمداداتٍ محدودةً، وكان عليها مواجهةُ مناخٍ غيرِ مألوفٍ وظروفٍ جغرافيّةٍ قاسيةٍ، متحتِّماً عليها مراقبة مُحيطها عن كثب. كانت الطريقة الوحيدة المتاحة لها للحفاظ على لمحةٍ عامةٍ عن منطقة العمليات، (بين دمشق والساحل اللبناني ومن بحيرة طبريا حتى القاهرة)، مراقبةَ هذه المناطق من علوٍّ، أيّ من الجو، وتمّ تكليف  السرب الجوي رقم (AF304b) بهذه المهمّة. كانت الصور الجوية مصدراً جيّداً لاستكمال الخرائط المُتناثرة المُتاحة للقوات الألمانية-التركية، والتي ساعدتهم عبْر تزويدهم بنظرةٍ عامةٍ عن تضاريس المنطقة، وتحرّكات الجيش البريطاني وبُنيته التحتية.

أعضاء السّرب الجوي AF304b أمام الخيام المُقامة على مطار السّرب الجوي في منطقة عراق المنشية.

شكَل السرب الجوي البافاريّ رقم (AF304b) جزءاً من القوة العثمانية الألمانية التي تحاول التحقّق من تقدّم الجيش البريطاني بقيادة اللنبي نحو الشمال. استقرّت الفرقة القائدة لمهمة (AF304b) في عراق المنشية، التي تقع على بعد 32 كيلومتراً شمال غرب غزّة، وتمكّنت خلال الفترة المُمتدّة من تشرين الأول 1917   إلى آب 1918 من التقاط  2872 صورةً فوتوغرافيةً، غطّت فلسطين ولبنان والأردن والقاهرة وأهرامات الجيزة.

على الرغم من أن تعقُّب تحرّكات الجيش البريطاني في المنطقة ومراقبة العمليات العسكرية على الأرض كان الهدف الأساسي للأسراب الجوية، طلب "ثيودور ويجاند" (Theodor Wiegand)- وهو عالم آثارٍ في معهد الآثار الألماني- من الطيارين التقاط صورٍ فوتوغرافيةٍ للمواقع التاريخية القديمة في المنطقة. [4] وهكذا، خلال أول أربع مهامٍ، قامت الفرقة (AF304b) بتغطية السهول الساحلية، والجبال المُمتدة من لبنان حتى الخليل، إضافةً إلى غور الأردن، والجزء الشرقيّ من نهر الأردن. أسفرت هذه المهمّات عن أرشيفٍ بارزٍ يوثّق المشهد الطبيعيّ للمنطقة خلال سنتي 1917 و1918.

أهرامات الجيزة، مصر (ما بين أيلول 1917 وأيلول 1918).  المصدر: أرشيف الولاية البافاريّ.

لم تحتوِِ هذه الصور الجوية على بياناتٍ قيّمةٍ لرسامي الخرائط وحسب، إنما أظهرت كلّ التفاصيل على الأرض. وحسب عالم الإثنولوجيا الفرنسيّ "مارسيل غريول" (Marcel Griaule)، فإنّ "الصورة الجوية هي خريطةٌ ناطقةٌ"، وهذا ينطبق تماماً على هذه الصور. تُعتبر الصور الجوية التي التُقطتْ للقدس وأريحا وقيسارية وعكا والبحر الميت دليلاً على التوثيق المُستهدف للسِّرب الجويّ AF304b. بالإضافة إلى ذلك، تشهد الكنائس والمواقع الدينية المسيحية الأخرى في القدس وبيت لحم والناصرة على هذه المهمّة الجوية الأثرية التي كُلِّف  السرب الجوي (AF304b)  بتنفيذها في فلسطين.

تُظهِر الصور الجوية آثاراً تاريخيةً ممّا رأوه الألمان كمواقعَ إنجيليةٍ أو صليبيةٍ أوعثمانيةٍ، كذلك بعض المستوطنات اليهودية الأولى في فلسطين. مع ذلك، فإنّ أكثر الصور إثارةً هي صور أهرامات الجيزة، والتي عُرضت مباشرةً بعد عودة السرب الجوي (AF304b) إلى ميونخ، وأُعيد إصدارها في كتبٍ وتقاريرَ تتعلّق بالحرب في الشرق الأوسط. كانت هذه الصور مثيرةً لدرجة أن بعض المراقبين اعتبروها مُزيّفةً.

في عام 1918، وجدت القوات الألمانية نفسها في ظروفٍ يائسةٍ؛ إذ لم يكن في الميدان ما بين ربيع ذلك العام إلى خريفه، سوى 59 طياراً ومراقباً، وكانت لديهم خمسُ طائراتٍ تشغيليةٍ فقط، اثنتان منهما كانتا تحت حماية الرُبّان "والز"، قائد السرب الجوي (AF304b)، أمام تقدُّم قوات الحلفاء. في هذه العملية، قبض الجيش البريطاني على الرُبّان "والز" مع خمسةٍ وثلاثين من رجاله. وفي 30 تشرين الأول من عام 1918، توصّلَ الجنود البريطانيون، والأتراك والألمان، إلى هُدنةٍ. وفي 14 تشرين الثاني من العام نفسه، وصلت القوة الجوية البافارية المتبقية إلى إسطنبول. وفي 4 آذار 1919، غادرت تركيا على متن سفينةٍ، ووصلت إلى المدينة الألمانية فيلهلمسهافن (Wilhelmshaven) في 31 آذار 1919، حيث تمّ نقلُهم من هناك إلى بافاريا. [5]

رسمٌ وصفيٌّ لمنطقة القدس ومحيطها (كما تظهر من الغرب)، لـ "ويلهلم غورينغ" . المصدر: (Hundert Deutsche Fliegerbilder aus Pälestina).

في عام 1937، نشر "فريتز بيرتهولد"، وهو ضابطُ مراقبةٍ وكاتبٌ رافقَ الطيار "ريتشارد أورينجر"(Richard Euringer) في مهامه الطيرانيّة فوق فلسطين، روايةً له بعنوان "الرائد فانجارد باشا: روايةٌ عن أول مهمّةٍ لطيارٍ ألمانيٍّ فوق الصحراء" (Vortrupp "Pascha" - Roman der ersten Expedition deutscher Flieger in die Wüste) والتي احتوت على أوصاف الأرض كما تمّت مشاهدتها من طائرات السِّرب الجويّ. [6] 

في عام 1925، أصبح "غوستاف دالمان"- عالم اللاهوت البروتستاني واختصاصيّ فقه اللغة، الذي كان أول مديرٍ للمعهد الإنجيلي الألماني للعصور القديمة في القدس، وخدم من عام 1902 حتى عام 1917- أوّلَ من فسّر الصور الجوية للسِّرب الجويّ AF304b من وجهةِ نظرٍ أدبيةٍ. في كتابه "100 صورةٍ جويةٍ لفلسطين"  [7] (Hundert Deutsche Fliegerbilder aus Pälestina)، استنسخ "دالمان" مجموعةً مُختارةً من 101 صورةٍ تُظهر في الغالب مواقعَ إنجيليةٍ، وغيرها من المواقع ذات الأهمية التاريخية. حتى وقتٍ قريبٍ، بقي هذا المجلد المصدرَ الوحيدَ المنشورَ الذي يعرض بعض أهمّ الصور الفوتوغرافية التي التقطها السِّرب الجويّ. [8]

يحتوي هذا الكتاب على ثلاثة أقسامٍ رئيسةٍ: الأول كتَبَه "دالمان"  بنفسه، يحتوي على مقدّمةٍ ووصفٍ مفصّلٍ للأرض المقدسة، وهو مُقسّمٌ على ستةِ أجزاءٍ رئيسةٍ: جبال "يهودا" (تتضمّن 38 لوحاً فوتوغرافياً)، تلال "يهودا" والأراضي الساحلية (6 ألواحٍ فوتوغرافيةٍ)، "السامرة" والجليل (13 لوحاً فوتوغرافياً)، ساحل البحر الأبيض المتوسط (11 لوحاً فوتوغرافياً)، غور الأردن والبحر الميت (17 لوحاً فوتوغرافياً)، والضفة الشرقية من النهر والشمال (15 لوحاً فوتوغرافياً)، كما أُضيفت صورةٌ جويةٌ أخرى لقرية رمّون الجبلية، ما يجعل العدد الكليّ للألواح الفوتوغرافية في الكتاب 101 لوحٍ فوتوغرافيٍّ. أيضاً، تمّ تضمين بعض الرسومات التوضيحية التي جهّزها رسام الخرائط "ويلهلم غورينغ".

خريطةٌ مُعدّلةٌ تُظهر المناطق التي شملتها الصور الجوية الخاصّة بالسرب الجويّ AF304b. المصدر: مكتبة جامعة توبينغن.

 

اللوح الفوتوغرافيّ الخامس، صفحة 15 من كتاب "100 صورةٍ جويةٍ لفلسطين"، البلدة القديمة لمدينة القدس من الجهة الشرقية الجنوبية. المصدر: أرشيف الولاية البافاري.

فيما كتبتْ الجزء الثاني من الكتاب د."أنجيليكا هـ. مادير" (Dr. A.E. Mader)، مديرة مستودع صور فلسطين في أرشيف الحرب البافاريّ. ويتكوّن هذا الجزء من مقالةٍ توضّح قيمة الصور الجوية لمُختلَف المجالات في دراسة فلسطين، بشكلٍ رئيسيٍّ في الجيولوجيا والأرصاد الجوية، وكذلك في الطوبوغرافيا والجغرافيا، بالإضافة إلى استخدامهم في مهمةٍ بالغة الأهمية، وهي فهم تكتيكات الجيش البريطانيّ خلال تلك الفترة.

يشتمل الجزء الثالث على تقريرٍ حول مَهمّة (AF304b) في فلسطين أعدّه البارون "فالدنفلز" (Freiherr von Waldenfels)، ويتضمّن مسحاً للصور الجوية التي التقطها "ويلهلم غورينغ"، بالإضافة إلى "كاتالوجٍ" لكلّ الصور الجوية التي التُقطت بين أيلول 1917 وأيلول  1918. [9]

وفي مقدمته، يشير "دالمان" إلى خريطة فسيفساء مادبا كأقرب محاولةٍ معروفةٍ لتوثيق تضاريس الأرض المقدّسة، ويعود إليها لاحقاً عندما يصف الأماكن المختلفة المبيّنة فيها. ويمسح أيضاً عمل مختلف الرحّالين والحجّاج الذين وثّقوا فلسطين بالصور والخرائط في مختلف الأوقات، مثل "بيرنارد فون بريدنباخ" (Bernhard von Breydenbachs (1483)، و"جين زولارت" (Jean Zullarts (1698)، و"كورنيليوس دي بروين" ((Cornelius de Bruyn (1586)،  وآخرين ممّن ركّزوا على أماكنَ مرتبطةٍ بأحداثٍ من حياة المسيح، مثل "لودويغ ماير" (Ludwig Mayer)، و"كلارك هاربر" (Clark Harper) و"ديفيد روبرتس" (David Roberts). وتبعه وصفٌ لمختلف الصور التي التُقطت في فلسطين بعد منتصف القرن التاسع عشر من أشخاصٍ إما كانوا مصوّرين حقيقيين في مهامٍ احترافيةٍ، أو هواةً يزورون المنطقة كحجّاجٍ أو سيّاحٍ. [10]

اللوح الفوتوغرافيّ رقم 25، صفحة 34 من كتاب "100 صورةٍ جويةٍ لفلسطين"، "الطريق الشمالي إلى القدس من رام الله والبيرة - من الشرق". المصدر: أرشيف الولاية البافاري.

ومنذ عام 1925، أصبحت الصور الـ101، التي اختارها "دالمان"، مُتاحةً للجمهور العام الناطق بالألمانية. فيما تُعدّ هذه الصور أولَ توثيقٍ ووصفٍ دقيقيْن لتضاريس فلسطين وأجزاءَ من الأردن وسوريا ولبنان، وكذلك مصر. على الرغم من أنها كانت عديمة الفائدة من الناحية العسكرية في ذلك الوقت؛ إذ لم تحوِ على تغطيةٍ للقواعد العسكرية البريطانية أو تحرّكاتهم، وركّزت فقط على الأماكن ذات الأهمية الدينية أو السياحية للقارئين والمشاهدين، إلّا أنّها تعتبر، اليوم، ذات قيمةٍ كبيرةٍ جداً، كونها توثّق وجود وظروف الغالبية العظمى من المدن والقرى في آخر عامٍ من الإمبراطورية العثمانية.

مُنذ عام 1919، حُفظت الصور التي التقطها سِرب (AF304b) في فلسطين في أرشيف الحرب البافاريّ. وفي عام 1973، أودع "فريتز بيرتهولد"، أحد المُراقبين في بعثة (AF304b) إلى فلسطين، اليوميات المكتوبة الخاصّة بالبعثة في أرشيف الحرب البافاريّ. تضمّنت هذه الوثائقُ التقاريرَ الأسبوعية للمقرّات الألمانية-العثمانية في الناصرة، إضافةً إلى التعميمات والصور الأرضية والجوية، كما اشتملت على التقارير المتعلّقة بالنشاطات الخاصّة ببعثة (AF304b) ذات الأحد عشر شهراً، فضلاً عن التقرير الأصليّ المكتوب بخطّ اليد عن طلعة الاستطلاع فوق النقب الشمالي في 8 تشرين الثاني 1917. [11]

الجزء الشماليّ من بيت لحم مع كلّ المعلومات المعروضة على الهامش الأيسر الأعلى من اللوح. المصدر: أرشيف الولاية البافاريّ.

تزوّدنا صورُ "النيجاتيف" (Negative) الجوية المُلتقطة خلال طلعات الاستطلاع الخاصّة بالسِّرب الجويّ (AF304b)، بتفاصيلَ مفيدةٍ: في الهامش الأعلى من اليسار يُذكر رقم السِّرب الجويّ، والرقم الترتيبي للطلعة الجوية، فضلاً عن تاريخ وساعة اللقطة، واسم المكان الرئيسي الذي تمّ التقاطه، وكذلك الارتفاع الذي التُقطت الصورة منه (على الرغم من أنّ آخر عنصرين يحتويان على بعض الأخطاء). كما تُشير هذه الصور إلى المسافة البؤرية للكاميرا، وإشارةٍ إلى اتجاه الشمال، فيما يحتوي بعضها على الهامش الأيمن، والقراءة المُسجّلة تلقائياً، إضافةً إلى الانحرافات العمودية والجانبية للكاميرا وقت التقاط الصورة.

تشكّل الصور الـ2872، والتي تشمل كلًّا من الصور الجوية والأرضية المُتاحة الآن على الموقع الإلكترونيّ الخاصّ بأرشيف الدولة المركزيّ لمكتب ولاية بافاريا للمساحة، مصدراً مهماً لدراسة عدّة نواحٍ للمشهد والمناظر الطبيعية في فلسطين وأراضٍ أخرى في نهاية فترة الحكم العثماني للمنطقة؛ إذ تقدّم هذه الصور نظرةً عامةً على تضاريس المنطقة كما كانت منذ حوالي 100 عام. لهذا، فهي ذاتُ أهميةٍ كبيرةٍ للجغرافيين والمؤرّخين، أو الباحثين الذين يعملون في مجال التاريخ الثقافيّ الحَضَريّ. [12]

واليوم، يتمّ الرجوع إلى هذه الصور الجوية بشكلٍ واسعٍ خلال دراسة تطوّر مراكز المدن التاريخية؛ كونها تشكّل أقدم سِجِلٍّ مُفصّلٍ لحجمها وشكلها الحَضَريّ. ومن الممكن أن يتمّ استخدامها، أيضاً، في عرض النسيج العمرانيّ والمباني القائمة قبل فترة الانتداب البريطاني. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الدقّة العالية لهذه الصور تجعلُ من الممكن إجراء فحصٍ دقيقٍ للمشهد الحَضَريّ، ما يؤدي إلى فهمٍ أفضل لتفاصيل القرى والمدن الفلسطينية. من خلال مقارنة محتويات الصور الجوية الخاصّة بسِرب AF304b مع الخرائط المِساحية البريطانية، فإنّ الأرشيفات الخاصّة بالبلديات (أو مجالس القرى)، والخرائط والصور الجوّية اللاحقة، تسمح للمؤرّخين الحَضَريين برسم خرائطَ موضوعيةٍ ( Thematic Maps)؛ تلك التي تعرض تطوّر مراكز هذه المدن بالتفصيل.

برك سليمان جنوب مدينة بيت لحم، 11-06-1918، المصدر: أرشيف الولاية البافاري.

إنّ التقنيات التي استخدمها الأسطول الجويّ الألمانيّ في حِقبة الحرب العالمية الأولى لالتقاط الصور الجوية ليست متطورةً مثل تلك المُستخدَمة اليوم. لذلك، فإنّ مُخرجاتها من الصور لم تكن صحيحةً هندسياً الأورثوفوتوغراف* (Orthophotographs)، وبالتالي فقد قدّمت نظرةً عامّةً عن المشهد الفلسطينيّ، وتوثيقاً فريداً لفلسطين، كما كانت في مرحلةٍ مُهمّةٍ من تاريخها.

تعرضُ الصور الأرضية، على الرغم من قلّتها، بعضَ المحطّات الرئيسية التي عرّج عليها سِرب (AF304b) في رحلته من "شلايسهايم" في ألمانيا إلى عراق المنشية، إلى جانب الأماكن الأخرى التي زارها الطاقم في فلسطين، إذ تشكّل مَسْحاً هاماً للظروف في مختلف الأماكن قُبيل نهاية الحرب العالمية الأولى.

إنّ رسم خرائط أحجام مُختلَف المدن والقرى، والعلاقات والروابط بينهم، يعدّ طريقةً أخرى لما يمكن أن يتيحه استخدامُ هذه الصور الجويّة. فحين نقارن حجم رام الله والبيرة، أو اتصال قرية بتّير بمدينة القدس، أو حجم مدينة الخليل أو مدينة غزة في عامي 1917 و1918، مع ظروف كلٍّ منها في يومنا هذا، سيتجلّى التغيُّر المُثير في المشهد الفلسطينيّ خلال القرن الماضي. في حين أنّ الدور الأكثر إثارةً لهذه الصور الجوية سيؤدّيه رسمُ خرائط القرى التي تمّ تهجيرها، وطرد سكانها من بيوتهم، بعد الاحتلال "الإسرائيلي" لفلسطين في عام 1948 وعام 1967.

(قرية يالو، التي تمّ تهجيرها عام 1948، وتقع على بعد 3 كيلومتراتٍ شرقي قرية عمواس، 15-09-1918. المصدر: أرشيف الولاية البافاري).

توثّق هذه الصور الجوية مرحلةً مهمّةً جداً من تاريخ فلسطين الحديث، وتشهدُ على نهاية الإمبراطورية العثمانية وبدايات الاستيطان اليهوديّ والانتداب البريطانيّ على فلسطين. وتُعتبر أيضاً مصادرَ قيّمةً في مختلف المجالات، مثل الآثار والتاريخ والجغرافيا،  والتطوّر الحَضَريّ.

سيؤدّي الاستخدام العلميّ السليم لهذه الصور الجوية إلى بحثٍ أوسع وإعادة تقييمٍ للدراسات السابقة في مختلف المجالات، مؤدّيةً إلى استنتاجاتٍ أكثر دقةً، أو حتى مختلفةٍ جذرياً فيما يتعلّق بالمشهد الثقافيّ الفلسطينيّ.

* ندى الأطرش شغلت منصب مديرة قسم البحوث والدراسات في مركز حفظ التراث الثقافي، كما كانت مُعَدّةً لوثيقتي ترشيح لإدراج مواقعَ فلسطينيةٍ على قائمة "اليونسكو" للتراث العالمي، وبحثت أيضاً في التطور العمراني لمدينة بيت لحم بعد منتصف القرن التاسع عشر. وافتها المنية عام 2016.

* الأورثوفوتوغراف (Orthophotograph): هي صورةٌ جويةٌ مُعدّلةٌ بحيث تصبح متعامدةً هندسياً، ما يُتيح استخدامها لقياس المسافات الحقيقية. 

الهوامش:
[1] عراق المنشية تقع على بعد 32 كيلومتراً شمال شرق مدينة غزة، وهي إحدى القرى المهجرة. في عام 1940، طردت القوات الصهيونيّة سكانها الذين استقروا، في نهاية المطاف، في مخيم العروب للاجئين الواقع  بين مدينتي الخليل وبيت لحم.
[2] Andreas Bönte, Die Vergessene Mission [Film], (Germany: Bayerische Rundfunks, 2005).
[3] Gerd M. Schulz, “Der Einsatz und die Erfolge der Fliegerabteilung 304b in Palästina,Blätter zur Geschichte der Deutschen Luft- und Raumfahrt Heft XIX - Veröffentlichung zur Veranstaltung "100 Jahre Flugplatz Schleißheim" am 16 Juni 2012, 89-93. انظر: رابط، (اطُّلِع عليه بتاريخ 7 كانون الأول 2013).
[4] ثيودور ويجاند (1864-1936): عالمُ آثارٍ ألمانيُّ قام بالتنقيب في تركيا، وفلسطين، وسوريا، ولبنان. انظر: رابط (اطُّلِع عليه بتاريخ 7 كانون الأول 2013).
[5] Gerd M. Schulz, “Der Einsatz und die Erfolge der Fliegerabteilung 304b in Palästina,” 89-93. انظر: رابط  (اطُّلِع عليه بتاريخ 7 كانون الأول 2013).
[6] Berlin: Vier falken verlag, 1937.
[7] Gustaf Dalman, Hundert Deutsche Fliegerbilder aus Pälestina, (Gütersloh, Germany: Deutschen-Pälestina Institut, 1925).
[8] في عام 2005،  رقمَنَ أرشيف الولاية المركزي لمكتب الولاية البافارية للمساحة مستودعَه من هذه الصور، وأتاحه للعامّة على موقعه الالكتروني:(https://www.gda.bayern.de).
Gustaf Dalman, Hundert Deutsche Fliegerbilder,3. [9]
Gustaf Dalman, Hundert Deutsche Fliegerbilder,4. [10]
[11] Benjamin Z. Kedar, The Changing Land between the Jordan and the Sea: Aerial Photographs between 1917 to the Present (Jerusalem: Yad Ben-Zvi Press, 1999), 12-13.
[12] http://www.gda.bayern.de/findmittel/ead/index.php (اطُّلِع عليه بتاريخ 7 كانون الأول 2013)