ما هي سياسات الاستهلاك الثقافي التي تجتاح عالمنا، وعلاقتها بموقعيّة الطبقة في ضوء المناخ المعولم؟ وكيف نفهم التجاذبات الدائرة ما بين المحليّ والوطنيّ والمعولم والذاتي، والتي تسري على المشهد الفنيّ والثقافي في منطقتنا العربية؟ أين فلسطين من كلّ هذا؟ هذا ما تقاربه الباحثة الفنية أديل جرار في هذه المقالة. قراءة طيّبة. 

* الصورة الرئيسيّة: “بوب-أب” عملٌّ أدائيٌّ ونصٌّ وفنٌّ ورقيٌّ للفنانة الفلسطينية لمى تكروري، 2016. تحوي بطاقة “البوب أب” إعادةَ بناء لغرفٍ فندقيّةٍ من مناطق حول العالم، ونصوصاً من إعلانات هذه الفنادق. تبحث تكروري في أعمالها سيميائيّةَ العولمة من خلال فضاءات الاستجمام وتصاميمها. الصورة عناية الفنانة.

 

على مرّ السنين، أثار الحقل الفنيّ والثقافيّ أسئلةً عديدةً تتعلّق بالقيمة المتوخّاة منه، أو أسئلةً حول فنّ التسويق، وتحليل الاستهلاك الثقافي. مع صعود التسويق، أثار المسوّقون الفنيون بين الأعوام 1960- 2000 تساؤلاتٍ حول من يستهلك وكيف يمارس ذلك. أمّا في السنوات الأخيرة، فقد صعدتْ أسئلةٌ جديدةٌ حول الطرق المختلفة لثقافة التسويق، متعلّقةٌ ببناء الجمهور عبر التقسيم الطبقي، أو غيرها من طرق التقسيم التي يلجأ إليها السوق مثل: سلوك المستهلك، ومسألة إنتاج الفن التي تُعتبر قيد المناقشة أيضاً.

على وقع هذه الخطوط العريضة العامة، تسعى هذه المقالة إلى الحفر في مستويات إنتاج واستهلاك كلٍّ من الفنّ الكليّ والجزئيّ. وفي حين يتألّف الأخير من كلٍّ من المستوى الفرديّ والسياسات الثقافية المحليّة، فيما ينطوي المستوى الكليّ على سياسات الثقافة المعولمة، فإنّ هذه المقالة تسعى، أيضًا، إلى فحص تلك المستويات وتناقضاتها في السياق الفنيّ والثقافيّ الفلسطينيّ.

ما علاقة تسويق الفنّ بالمؤسسة الفنيّة؟

كما يبدو واضحاً، تهدف المؤسسات الثقافيّة إلى تحقيق أهدافها التنظيميّة التي تتماشى مع رسالة هذه المؤسسات ورؤيتها. بشكلٍ عامٍ، تتمثّل المهمة الرئيسيّة لمؤسسة الفنون والثقافة في خلق مشاركةٍ مُرضيةٍ بين الجمهور والفن والثقافة اللذَيْن تنتجهما المؤسسة. يستلزم هذا بناء جمهورٍ طويل الأمد، تزامناً مع الاحتفاظ بالجمهور القديم.

عند النظر للمؤسسات المدعومة، فإنّ الهدف الرئيسي للتسويق الفنيّ لها يكمن في بناء جمهورٍ يشرعن أهمية المؤسسة، وهو العامل الأول المُساعد لهذه المؤسسات لجلب دعمٍ من الحكومات المحلية، كما الحال في أوروبا، أو من الخارج، بالإضافة إلى دعمٍ محليٍّ كما الحال في مناطقنا العربيّة. من ناحيةٍ أخرى، فإنّ التسويق الفني للفنون والثقافة الخاصة أو المستقلة يُعتبر مسألة وجودٍ اقتصاديٍّ.

بكلماتٍ أخرى، يساهم عدد عمليات البيع في ضمان ديمومة العمل، وهو أمرٌ يمكن تجنّبه من قبل المنظمات المدعومة إذا تمكّنت من إقناع الحكومة بأنّ أرباحها ليست المؤشّر الرئيسيّ لتأثيرها الاجتماعيّ. في هذه الحال، يصبح الجمهور أداةً لحدٍّ أدنى، تساعد في إكمال دورة رأس المال في النظام الاقتصادي المعولم، لا هدفاً بعينه.

بين الاستهلاك الثقافي المتعدّد والمحدود

في أواخر سبعينيات القرن الماضي- في عام 1979 على وجه التحديد- شهدَ علم الاجتماع نشر كتاب “التميز: نقدٌ اجتماعيٌّ لحكم التذوق” بقلم بيير بورديو. وُصف الكتاب بأنه تحليلٌ إثنوغرافيٌّ ثقافيٌّ لعقل البرجوازيّة الفرنسيّة. في تلك الأوقات، كانت أسئلة مسوّقي الفن والثقافة هي التي تحدّد: من يستهلك الثقافة، وكيف؟

قدّم بورديو في كتابه عدة مفاهيم في علم الاجتماع الثقافي، والتي لا تزال بدورها صالحةً حتى يومنا هذا. اقترح بورديو أنّ رأس المال الثقافي لا يقلّ أهميةً عن رأس المال الاقتصادي للبرجوازيّة. يساهم هذا الأخير في إملاء وضع المرء في النظام الاجتماعي، ويساعد على الحفاظ على الوضع الراهن للبرجوازية. كما قضى بورديو بأنّ ثمّة تجانساً بين الطبقات واستهلاكها الثقافي، حيث تستهلك الطبقة العليا ثقافةً “رفيعةً”، فيما تستهلك الطبقات الأدنى ثقافاتٍ أقلّ “رِفعةً”.

في هذا السياق، يجري طرح موسيقى الأوبرا وأنواع الموسيقى الكلاسيكيّة بوصفها رفيعةً (Highbrow)، بينما تُعتبر موسيقى البوب ​​والكانتري شعبية، على نحوٍ يخلق تمييزاً  ما بين “snob” و “slob”؛ أي بين الفنون النخبويّة ونظيرتها الدنيا. [1] أمّا في عام 1992، فقد درس ريتشارد بيترسون المجتمع الأمريكي، ليجادل بتغيّر هذا التسلسل الهرميّ، قائلًا: “إنّ التسلسل الهرميّ من النخبويّ إلى الشعبيّ، والذي ربما كان في السابق عبارةً عن تصويرٍ دقيقٍ لكيفيّة رؤية التراتبيّة الطبقيّة، فهو على الأقلّ لا يناسب الآن أنماط أنشطة أوقات الفراغ واستهلاك وسائل الإعلام في الولايات المتحدة، والتي تستهلكها الطبقات العليا”. [2] 

يجادل بيترسون، من خلال دراسته الولايات المتحدّة الأمريكيّة، بأنه يمكن تقسيم الاستهلاك الثقافيّ طبقيّاً إلى نمطين: “الاستهلاك الثقافي المتعدّد” و”الاستهلاك الثقافي المحدود”، عامداً إلى تقسيم أنواع الثقافة إلى نوعين: راقٍ (Snob) وعوامي (Slob). يشير بيترسون إلى أنّ الطبقة الراقية- لم يستخدم بيترسون وصف برجوازية كبورديو-  تستهلك أنواعاً متعدّدةً من الثقافة تتراوح بين الفن “الراقي” (High Brow) والفن الأقل رقياً (العواميّ) (Low Brow).

بذا، يخالف بيترسون بورديو الذي أقصرَ استهلاك الطبقة البرجوازيّة على الثقافة الراقية، مُضيفاً بأنّ الطبقات الدنيا تميل إلى الاستهلاك الثقافي المحدود؛ أي استهلاك أنواعٍ ثقافيّةٍ تتواءم وطبقتها: “تميل إلى المشاركة بنشاطٍ في نوع جمالياتٍ واحدٍ، أو في أحسن الأحوال بضعة أنواعٍ قليلةٍ فقط”. [3] 

في السنوات العشر الأخيرة، تغيّرَ أيضاً مرّةً أخرى مفهوم الاستهلاك الثقافي المتعدّد (omnivorousness)، لتجادل بريجيت إريكسون بأنّ هذا النوع من الاستهلاك هو سمةٌ من سمات العصر الذي نعيشه، وشكلٌ من أشكال الإطراء الذاتيّ للطبقات العليا (البرجوازية). في ضوء ذلك، تعتبر إريكسون الخصائص “المتسارعة” لما بعد الحداثة المتأخّرة لدينا، من مثل: السيولة، الانعكاسية، الفردية، الكونية، والجماليات المعولمة للحداثة، هي ما تمنح أفراداً معينين القدرةَ على التنقّل من مكانٍ جغرافيٍّ لآخر (mobility)  من خلال رأس المال الاقتصاديّ الذي  يملكه هؤلاء الأفراد.

بتعبيراتٍ أخرى، يمثّل الاستهلاك الثقافي المتعدّد السائل والمتنوّع والمُنتقى (curated)، إعادةَ إنتاجٍ لأنماط استهلاك الطبقة البرجوازيّة ونخُبها التي تحدّثَ عنها بورديو. يرى، اليوم، المستهلكون الجدد للثقافة المتنوّعة (neo-omnivoure) أنفسهم على أنهم “متنقّلون”، خلافًا للآخرين المحرومين من الحركة، على اعتبار أنّ ذوقهم  الثقافي ذو توجّهٍ معولمٍ ومتعدّدٍ بخلاف النظرة التقليديّة “للآخرين”: الأشخاص الذين يرغبون في الاستهلاك من هذه الموارد الثقافيّة المتنوّعة، لكنها، في ذات الوقت، غيرُ متاحةٍ للجميع على قدم المساواة.

يُبنى هذا الانفتاح الأسطوري على مبدأ التسلسلات الهرميّة الاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة الأخرى، بدلاً من إزاحتها جانباً، كما اعتقد بيترسون. أصبح هذا الشكل من الانتقائيّة المعولمة مدحاً للذات للطبقيّة القادرة على تحمّل كلفة الحركة. فالمنتج الثقافي، كمنتجٍ نهائيٍّ بأنواعه، أصبح متاحاً بفعل الإنترنت، لكنّ مكان حدوث الحدث، والوصوليّة الفيزيائيّة، والفضاء الحضري، ليسوا على ذات القدر من الإتاحة؛ ذلك أنّ الحركة تحتاج كلفةً معيّنةً، كما يحتاج أيضاً الدخولُ لأماكن معيّنةٍ حصريّةٍ رأسَ مالٍ ثقافيّاً واقتصاديّاً محدّداً. في هذا السياق، يستطيع أيّ شخصٍ اليوم تصفّحَ أعمالٍ فنيّةٍ موجودةٍ في أحد البيناليات العالميّة عبر الإنترنت، والوصول إلى أهمّ الأعمال الفنية؛ أي أنّ الشبكة العنكبوتيّة ساهمت في دمقرطة الفنون والانفتاح عليها، بيْدَ أنّ الوصول للحدث ذاته (البينالي) هو ما يمنح المرء رأسَ مالٍ ثقافيّاً تمييزيّاً.

نتيجةً لذلك، يأخذنا هذا مرةً أخرى إلى اقتراح بورديو الأوليّ، والقاضي بأنّ شكل الاستهلاك الثقافي مرتبطٌ بالطبقة. [4]  إنّ هذا التنوّع في استهلاك هذه الطبقة هو مرادف اقتصار هذه الطبقة البرجوازيّة على استهلاك الفن الراقي سابقاً، بما يمثّل شكل رأس المال الثقافيّ “السائل” الجديد. كما أنّ هذا الترف الثقافيّ نحو استهلاك ثقافة الطبقة الأقلّ رقيّاً يبني لشكلٍ مُفرغٍ من معناه من العدالة الاجتماعيّة و”التسامح” الطبقيّ، والإطراء الذاتي من خلال الاستهلاك “الواعي” للمنتج الثقافيّ “الأقلّ رقياً” من قِبل الطبقة “الأكثر وعياً”.

بكلماتٍ أخرى،  يتأتّى هذا الإطراء الذاتيّ من معرفة الفرد بجودة المنتج المستهلك، ما يضفي إما جواً من التندرّ، أو جواً من الإطراء الذاتي حول مدى انفتاح المستهلك على ثقافة “الآخر”، والتي يُنظر إلها بفتشيّةٍ جليّةٍ، دون التفكير بالأنظمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة المنتجة لهذا المنتج. وقد تصل هذه الفتشيّة إلى تحويل الطبقة إلى نوع/جنرا (genre)، ومثالها: جنرا “إلكترو شعبيّ” للموسيقى، وجنرا “Social Issue Drama” التي يذيلها “نتفلكس” ككلمةٍ مفتاحيّةٍ على المنتوجات السينمائية، مثل: فيلم “كفر ناحوم” اللبناني، وفيلم “الهديّة” الفلسطيني.

الاستهلاك الثقافيّ مقابل السياسات الثقافيّة

السياسات الثقافيّة، كما تُعرّفها ويكيبيديا، هي “الإجراءات الحكوميّة والقوانين والبرامج التي تنظّم الأنشطة المتعلّقة بالقطاعات الفنيّة والإبداعيّة، وتحميها وتشجّعها وتدعمها مالياً”. نتيجةً لذلك، تُستقى من هذه الإجراءات في الدول المعمولة بها التعريفاتُ الرسميّة المحليّة لما يجري تحديده فنّاً، وطبيعة المشاريع الفنيّة التي تستأهل دعمها المادي. قد تستمرّ فرنسا والنمسا للأبد في دعم فن الأوبرا رغم شحّ مرتاديه، نظراً لتصنيفه فنّاً وطنيّاً وفقَ السياسات الثقافيّة المحليّة التي عادةً ما يتبنّاها أصحاب الفكر المحافظ.

يثير ما سبق سؤالاً حول أنواع الفنّ التي يجري دعمها حكوميّاً في هذه الدول وغيرها. عادةً ما تذهب سياسة الدعم إلى فّن النخبة، ما يعطي بالنتيجة السلطةَ لهذه الفنون لتُعرَّف بـ”الفن” مع أل التعريف، وتصبح هذه الفنون المرجعَ المركزيَّ لأيّة فنونٍ أخرى تبحث عن تعريفٍ. وعليه، فإنّ هذا “الفنّ” يكسب من خلال الإعانات والاحتفاء شرعيّةً مُمأسسةً، تدعمها هياكلُ سلطةٍ اجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ وسياسيّةٍ منظّمةٍ، فتحجب شرعيّتها هذه أيّة فنونٍ أخرى شعبيّةٍ أو فنونٍ لا ينطبق عليها وصفُ السلطة ودعمها. [5] في هذا السياق، يمكن النظر إلى الاستمرار في دعم دور الأوبرا في أوروبا رغم انحسار روادها؛ ذلك أن من يأخذ عادةً قرارات الدعم ذكرٌ أبيضٌ كهلٌ مغاير.

ثمّة تعريفٌ آخر بسيطٌ ومثيرٌ للاهتمام للسياسات الثقافيّة، وصدر قبل أكثر من مائة عامٍ من تعريف اليونسكو لها، كان اقتباساً من مذكّرات ماسيمو ديزيليو (1798 – 1866) حول رعاية سياسة اللغة: “L’Italia è fatta. Restano da fare gli italiani “، والذي يتُرجم إلى: “لقد اخترعنا إيطاليا: الآن يتوجب علينا أن نخترع من هم الإيطاليون “. وبالتالي، ستدعم إيطاليا الآن ما يجعل الإيطاليين إيطاليين.

بهذا المعنى، يمكن للمرء أن يربط نظريات غرامشي حول “الإجماع” و”الفطرة السليمة” التي وصفها بأنها “اسمٌ جماعيٌّ” تقوم الأمّة من خلاله بإنشاء روايةٍ وطنيّةٍ خاصةٍ بها، وهي عبارةٌ عن “مجموعةٍ فوضويّةٍ من المفاهيم المتباينة”. تمّ تقديم هذه التعريفات لاحقًا من خلال أعمالٍ أخرى، مثل ستيوارت هول الذي أكّد بدوره على أنّ الأيديولوجيا تتشكّل من كلٍّ من الثقافة والطبقة. [6]  يمكن أن يأخذنا هذا إلى فكرة أنّ الأيديولوجيا/السياسات الوطنيّة أو الرسمية يتم التعبير عنها من قبل الطبقة السائدة وثقافتها؛ إذ إنّ هذه السياسات جوهريةٌ لظهور الدولة القوميّة والتجانس الذي تَعِد به.

يحرّضنا ما سبق على استعادة إحدى السرديات المشابهة، والتي تتمثّل في “الحلم الأمريكيّ” (The American Dream): “تؤسس السرديّات لسببيّةٍ تربط بين الماضي والحاضر والمستقبل المحتمل لتشكيل كائناتٍ بشريّةٍ واجتماعيّةٍ؛ إنّهم يربطون الذات بالذوات الجماعيّة، ويساهمون بالتالي في تكوين المجتمعات، من الأحياء إلى الدول القوميّة، ويزودونهم بفكرة الهدف”. [7]

وعليه، فإنّه من المهم ملاحظةُ وجود تضاربٍ بين الحداثة السائلة وإحساسها العالميّ وبين السياسات الثقافيّة الوطنيّة والمحليّة. فمثلاً، ثمّة تضارب مصالحٍ بين “الإيطالي” بمعنى الحكومة الوطنيّة، وبالتالي السياسات الثقافيّة المحليّة لما يجب أن يفعله الإيطاليون ويستهلكوه ويكونوه مقابل ما تودّه العولمة على صعيد صناعتها الإنسان المعولم “Global Citizen”، بما يشمل خيارات المواطن المعولم الفرديّة الحرة سريعة التغيّر والتقلّب، والتي تضمن بدورها تحقيق الذات.

كما ينطوي ذلك على إعادة استهلاك واستصلاح أنواع الفنّ بأشكاله الراقية والبوب ​​من خلال نظرةٍ عالميّةٍ ذاتيّةٍ لا تلتزم بالمجتمع أو المشترك الجامع الذي تحتفي به السياسات الثقافيّة الوطنيّة وأيديولوجيّاتها، بل تستبدله بالأخلاق الحديثة السائلة: الفرديّة والإبداع والتجديد والمرونة. إنّ هذه الحرية الساحرة للاستهلاك الثقافيّ المعولم، تضع الفنّ المدعوم محليّاً وحكوميّاً في تحدٍّ أمام بناء جمهورٍ وتحقيق نجاحٍ مؤسساتيٍّ.

يتّضح أكثر هذا التناقضُ ما بين تعريف المؤسسة المحليّة للفن والأدوات المعولمة المنتجة له، في فنّ المهرجانات المصرية المنبوذ كليّاً من نقابة الفنانين المصريين، باعتباره فنّاً شعبيّاً غير راقٍ. بالمقابل، حاز فنّ المهرجانات على نجاحٍ عالٍ وانتشارٍ واسعٍ من خلال تقنية العولمة، كالبثّ عبر يوتيوب واستخدام برامج التنسيق الموسيقي المفتوحة الاستخدام، كما ذُكرَ في حلقةٍ لبودكاست “صوت”.

كما يمكن، أيضاً، النظرُ إلى أنّ تدفّق المهرجانات ذاتها في أوساط طبقاتٍ مصريّةٍ عليا- يمكن المجادلة بوجود طبقةٍ برجوازيّةٍ مصريّةٍ واضحة المعالم بخلاف الحالة الفلسطينيّة- يحضُر في سياق “الانفتاح والإطراء الذاتيّ” للاستهلاك الجديد المتنوّع الذي تحدّثنا عنه مسبقاً في تنظير إريكسون.

أين فلسطين من كلّ هذا؟

تمثّل الحالة الفلسطينية في السياق الفنيّ والثقافيّ حالةً استثنائيّةً، كما هي الحال في القطاعات الأخرى. بدايةً، يغيب عن فلسطين أيُّ إنفاقٍ حكوميٍّ يُذكر على الإنتاج الثقافيّ المتعلّق بالهويّة الوطنيّة على الأقل، كما هي الحال في أمثلة الدولة القوميّة Nation-state. ومع أنّ هذا الدور المحافظ الرسمي المختفي ليس مدعاةً للتباكي، بيْدَ أنّ المساهمة في الإنفاق الحكوميّ على الثقافة تبلغ أقلّ من 0.003% من الموازنة السنويّة. ولّدَ هذا لامركزيّةً ما للسياسات الثقافيّة في فلسطين، على نحوٍ أنتجَ لاعبين متعدّدين في تحريك المشهد الفنيّ والثقافيّ، وكرّس صعود مؤسّساتٍ فلسطينيّةٍ غير حكوميّةٍ تطرح سياساتها الثقافية، ومثالها مؤسّسة التعاون.

أما بالنسبة للدور المحافظ الرسميّ في السياسات الثقافية، فيجب الانتباه للاعبين الآخرين الذين يلعبون هذا الدور التقليدي. ففي الحالة الفلسطينية، من الواضح أنّ مستوى التأثير المعولم موجودٌ على الأرض من الدعم المالي للمشاريع الثقافية. ويأتي هذا الدعم مُحمّلاً بسياساتٍ ثقافيّةٍ محليّةٍ بالنسبة للدولة الداعمة، لكنّها تغدو معولمةًّ حالما يتم تطبيقها في فلسطين، كونها سياساتٍ ثقافيّةً مُستوردةً، والحديث هنا عن الدعم الآتي من مؤسساتٍ حكوميّةٍ خارجيّةٍ، وهو السائد.

أمّا بالنسبة لمستوى السياسات الثقافيّة الرسميّة عادةً، فمن حجم الإنفاق الحكومي يمكننا الخلوص إلى أنّ الدور الرسمي محدودٌ جداً. مع ذلك، فإنّ ثمّة لاعبين آخرين لهذا الدور التقليدي للسياسات الثقافية المحلية في فلسطين؛ أي الدور الرسمي بخطابٍ ثقافويٍّ للتأسيس لدولة. فبرأيي، يكمُن اللاعبون الأساسيون في صناعة المشهد الفنيّ والثقافيّ  في القطاع الخاص الفلسطيني؛ أي رأس المال المحلي.

في هذا السياق، إنْ كانت هناك سياساتٌ ثقافيّةٌ فلسطينيّةٌ محليّةٌ رسميّةٌ، فإنّها ستدعم بالتأكيد مشاريعَ تراثيّةً وتقليديّةً، ومنتجاتٍ ثقافيّةً تعبّر عن الهويّة الوطنيّة بالمفهوم المحافظ، لكن من يساهم بهذا الدور حالياً في غياب الدور الرسمي؟ الموضوع شائكُ هنا، ويشترك فيه لاعبون غير متوقّعين. سأورد مثالاً واحداً عن هؤلاء اللاعبين: شركة جوال للاتصالات.

فعلى الرغم من أنّ هذه الشركة هي شركة اتصالاتٍ بالأساس، إلا أنّها تنفق مبالغَ ليست بالقليلة على مشاريع ثقافيّةٍ تنطبق عليها الصفات السابقة، وتنتج محتوىً متواتراً تروّج من خلاله دعمها السنويّ للثقافة والفنون، مثل فيديو “حصاد #جوال الثقافي والفني لعام 2018“. تنتج شركة جوال عشرات الفيديو كليب والموسيقى، والتي بالغالب يطغى عليها الطابعُ الفلكلوريّ والتراثيّ، أو إعادة إنتاجٍ لهذه الأغاني التراثية.

الجدير بالذكر أنّ هذه الموسيقى تحوز على نسبٍ عاليةٍ جداً من المشاهدات؛ إذ حازتْ أغنية “دحيّة الفدائي”، والفدائي المقصود هنا هو منتخب فلسطين لكرة القدم، على 2,267,118 مشاهدة، كما حازت أغنية “فلسطين أرض الجدود” على 2,062,957 مشاهدة. فيما تحوز قناة جوال على يوتيوب، حتى تاريخ المقالة، على مجموع 27,938,739 مشاهدة، [8] مع العلم أنّ القناة قد افتُتحتْ عام 2010.

كما أنّ المؤسسة تموّل ماراثون فلسطين الدولي، وإنتاج ألبوماتٍ موسيقيّةٍ تراثيةٍ، والمهرجانات كمهرجان وادي الشعير. كما تعقد شراكاتٍ مع المجلس البريطاني لتعليم اللغة الإنجليزيّة (British Council)، وتدعم منتخب فلسطين، بالإضافة إلى دعم حفلاتٍ للفنانين الفلسطينيين الفائزين ببرنامج محبوب العرب (Arab Idol) وبرنامج سوبر ستار، أمثال عمّار حسن، ومراد السويطي، ومحمد عساف، ويعقوب شاهين، وغيرهم.

بذا، يمكننا القول إنّ الأدوار التي تؤدّيها شركة جوال هي بمثابة أدوارٍ حكوميّةٍ وسياساتٍ ثقافيّةٍ بامتياز خارج فلسطين. بطبيعة الحال، ليست شركة جوال الوحيدة التي تدعم منتوجاتٍ ثقافيّةً فلكلوريّةً أو تراثيّةً؛ إذ إنّ ثمّة بضع شركات إنتاجٍّ موسيقيٍّ خاصة مثلاً، أو فرق دبكةٍ وفنونٍ شعبيّةٍ. لكنّنا عمدنا إلى إدراج هذه الشركة على نحوٍ خاصٍ، كونها تنتهج نهج “الإنفاق الحكومي” على المنتجات الثقافيّة، فهي لا تحقّق ربحاً مباشراً منها.

كما لا يمكننا إهمال أنّ الخطاب المخفيّ عن قصدٍ سياسيٍّ أو دون قصدٍ، يتواءم مع خطابٍ رسميٍّ لسياساتٍ ثقافيّةٍ محليّةٍ مُفترضةٍ تعتبر “الدولة” سقفها السياسي “النضاليّ”، فأغنية “فلسطين أرض الجدود”، مثلاً، تحوي مشاهدَ من رام الله وغزة والقدس فقط. وقد ذُيِّلتْ الأغنية بالوصف بــ”في هذا الوقت وفي كلّ وقتٍ، سنبقى نغنّي لهويّتنا وحريّتنا وصمودنا على أرضنا #فلسطين دولتنا و#القدس عاصمتنا الأبدية وعودتنا حتميّة”.

يمكننا، أيضاً، الجدل حول سيطرة شركات الاتصالات بأنواعها إجمالاً على الفضاء العام المرئي، فاللافتات الكبيرة لهذه الشركات أصبحت جزءاً من الثقافة البصريّة الحضريّة، وتمتلك سلطةً في فرض جماليّاتٍ فنية وتصميمٍ جرافيكي على الجمهور العريض، في ظلّ غياب نشاطٍ مُشابهٍ بديلٍ. مع ذلك، تبقى العلاقة بين ثقافة رأس المال المحليّ (لا السلطة التقليدية) وثقافة المعولم وأحياناً التراثي بمنظور اليونسكو المتأتّي من الداعمين، هي علاقةٌ تستدعي دراسةً موسّعةً لتبيان أماكن تقاطعهما أو تنافرهما في فلسطين، والتي من الصعب إدراجها في هذه المقالة الموجزة.

خاتمة

من خلال الجمع بين هذه التخمينات والتفنيدات، يمكن للمرء أن يلاحظ العلاقة المتضادّة بين سياسات الاستهلاك الثقافي واستهلاك السياسات الثقافية، فسياسات الاستهلاك الثقافي أو السياسات الثقافية المحلية تُصمَّم للمحليّ، لكنّها تعمل في إطار المعولم، لذلك يطرأ عليها تغييراتُ، وتواجهها التناقضات النابعة أيضاً من منتج/مستهلك الثقافة المحليّ، ومثال المهرجانات سابقاً يوضّح هذا التضاد.

بالإضافة إلى ذلك، يتّضح لنا أنّ الجمهور المستهدَف مُتأتٍّ من طبقةٍ اقتصاديّةٍ متجانسةٍ تمتلك بالفعل المعرفة اللازمة لاستهلاك الفنّ والاهتمام به، والمسماة (habitus) “الخلقة” بتعريف بورديو. علاوةً على ذلك، ثمّة مصالحُ متضاربةٌ بين السياسات الثقافيّة المحليّة التي تساعد على نسج الثقافة الوطنيّة الجماعيّة، وبين لإنتاج والاستهلاك المعولم الفرديّ للفن والثقافة.

إنّنا نتحدّث هنا عن الجمهور الذي تستهدفه المؤسسة التقليديّة في معرض العملية التسويقيّة وتنمية الجمهور، حيث يُنظَر إليه كقطعةٍ متجانسةٍ اقتصاديّاً، دون توظيف التقسيم الطبقي للجمهور social stratification، علماً أنّ هذا لا يتعارض مع إمكانيّة التعثّر بجمهورٍ آخر من خارج الطبقة المستهدفة، قد يكون مهتمّاً بما تقدّمه المؤسسة ويعمل على زيارتها.

“إن هذه الطريقة السائدة لرؤية العالم تشكّلها الطبقة الاجتماعيّة المهيمنة، لكنّ قدرة النظام السائد المتّسمة بالمرونة على استيعاب المفاهيم المختلفة والمتعارضة تجعلها أيضًا “فوضويّةً” و”غير مستقرّةٍ”. [9] تحرّضنا هذه المقولة على اختتام مقالتنا بسؤالٍ تشاركيٍّ مفتوحٍ: كيف يمكن لهذه التضادات أن توفّر الفرصة لسرديّاتٍ مضادّةٍ مستقبلاً؟ بما أنّ هذا “التوازن غير المستقر” هو الذي سيزرع بذور تقويضه، هل ستظهر بدائلُ أخرى للكيفيّة التي ندرك فيها، ونستهلك فيها الفنّ والثقافة؟ يبدو المستقبل زاهراً بالبدائل…

* أديل جرار: عاملة ثقافية وباحثة وقيّمة معارض، وطالبة دراسات عليا في جامعة لويفانا لونبرغ في ألمانيا في تخصّص إدارة الفنّ والثقافة.

*********

الهوامش:

[1] Bourdieu, P., 1984. Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste. 1st ed. Oxon: Routledge.

[2] Peterson, R. A., 1992. Understanding audience segmentation: From elite and mass to omnivore and univore.. Poetics, 21(4), pp. 243-258.

[3] Ibid. 

[4] Eriksson, B., 2011. The Uses of Art: Contemporary Changes in Cultural Consumption and the Function of Art. Culture Unbound, Volume 3, pp. 475-488.

[5] Peterson, Ibid.

[6] Bilton, C. & Soltero, G., 2019. Cultural policy as a mythical narrative. International Journal of Cultural Policy, Volume 25.

[7] Ibid.

[8] من ناحية شعبيّتها، تتفوّق قناة يوتيوب جوال وحدها على مجموع مشاهدات ثلاث مؤسساتٍ ثقافيّةٍ كبرى تعمل في أماكنَ متفرّقةٍ في كلّ فلسطين، لا الضفة فقط. وأُورد هذا المثال هنا في سياق تبيان تأثير ثقافة رأس المال المحلي وهيمنتها على الثقافات الأخرى في فلسطين، وليس لغرض الإشارة أنّه يتوجّب على المؤسسات الثقافية أن تصبح “أكثر شعبيّةً”.  فمن الواضح أنّ توجّه رأس المال هو توجٌّه للتوسّع والشعبيّة والشعبويّة في آنٍ، ما ينمّ عن الخيارات التي يدعمها رأس المال من أغانٍ فلكلورية ومخاطبة الألتراسات. والجدير بالذكر أنّ مدينة روابي تحاول، أيضاً،  لعب دورٍ مشابهٍ لذلك.

[9] Bilton. Ibid.