"سلفادور أليندي" وميلاد الطب الاجتماعي في أمريكا اللاتينيّة

30-09-2019
-A A +A

ترجمة: أحمد خالص

توطئة

نقدّم لكم ترجمةً لنصٍّ يبحث في الأصل الاجتماعيّ للمرض وعلاجه. يتناول النصّ، على وجه الخصوص، موقع "سلفادور أليندي" التحليليّ في طبّ المجتمع، وترجمته إلى سياساتٍ تطال هيكل السلطة والاقتصاد في تشيلي، بغية تحسين الصحة المجتمعيّة العامة. وإذ يمتثل النصّ للصلة القائمة بين الاعتلال والبؤس والبنى الاجتماعيّة المستمدّة من الإفقار والتبعيّة التاريخيّة، فإنّه يقرأ رؤية "أليندي" بوصفها تصوّراً يتجاوز التدخّلات الطبيّة نحو أخرى ضاربةٍ في عمليّات الإنتاج الاجتماعيّ والاقتصاديّ في أمريكا اللاتينية، وهامش الجنوب العالمي عموماً، حيث تتراءى له صحة الإنسان غايةً بحدّ ذاتها، لا وسيلةً تعتاش على إنتاجيّته لتغذية الدورة الرأسماليّة.

(نُشر هذا النصّ في "المجلة الدوليّة لعلم الأوبئة"، للباحث المكسيكي "هوارد ويتزكين"، بتاريخ 28 تشرين الأول 2005، المجلّد 34، العدد 4. يمكنكم الاطلاع على النصّ الأصلي، من هنا).

****

أدركت الأجيال المتعاقبة الظروفَ التي تولّد الأمراض والوفيّات متأخّرةً، بعد مُضيّ وقتٍ طويلٍ لم تؤخذ خلاله بعين الاعتبار. ليس من المفاجئ، إذاً، أن تحظى هذه المشاكل باهتمامٍ متزايدٍ الآن؛ إذ تهدّد هذه المظاهر المُمرّضة للبيئة ومقارّ العمل استمرارَ الحياة الإنسانيّة ومظاهر أيّة حياةٍ أخرى. لكن، بالمقابل، تمّ تجاهل تاريخٍ طويلٍ من البحث والتحليل على الرغم من اتصاله بالظروف الراهنة.

ساهم الرئيس التشيليّ الراحل وأخصّائي علم الأمراض "سلفادور أليندي" في إنشاء اختصاص الطب الاجتماعي في أمريكا اللاتينية، من خلال عمله الرائد في علم الأوبئة الذي أتمّه في ثلاثينيّات القرن العشرين. لكن على الرغم من تحوّل الطب الاجتماعي إلى اختصاصٍ مُتداولٍ في البحث والتعليم والممارسة الإكلينيكيّة في أمريكا اللاتينيّة، بقيت إنجازات هذا الاختصاص غير معروفةٍ بشكلٍ واسعٍ في البلدان الناطقة بالإنجليزيّة.

تُعزى هذه الفجوة المعرفيّة، بشكلٍ جزئيٍّ، إلى عدم ترجمة المنشورات الهامّة في هذا الموضوع من الإسبانيّة أو البرتغاليّة إلى الإنجليزيّة. كما أنّ انعدام التأثير المُلاحَظ هنا يجعلنا نعيد النظر بالافتراض الخاطئ المتكرّر القاضي بأنّ اتجاه الإنتاج المعرفيّ والعلميّ لدول العالم الثالث أقلُّ دقةً وصلةً بالأسئلة المهمّة في عصرنا.

في مطلع القرن العشرين، كان قد هاجرَ إلى أمريكا اللاتينيّة أنصارُ رؤية "رودلف فيرخوف" حول المحدّدات الاجتماعيّة للوفاة والاعتلال، وساعد زملاؤه في إنشاء أقسام علم الأمراض في الكليّات الطبيّة، كما دشّنوا مساقاتٍ في الطب الاجتماعي. على سبيل المثال، استطاع أخصائيّ علم الأمراض الألماني البارز، "ماكس فيزتنهوفير"، الذي أدار قسم علم الأمراض في كليّة الطب في جامعة تشيلي لعدّة سنواتٍ، التأثيرَ بجيلٍ كاملٍ من الطلاب، بمن فيهم "أليندي"؛ طالب الطب الناشط والرئيس المستقبليّ لتشيلي. صاغت خبرة "أليندي" وتجربته- كطبيبٍ وأخصّائيّ علم أمراضٍ- جزءاً كبيراً من مهنته اللاحقة في السياسة.

استطاع "أليندي" أن يقدّم نموذجاً تفسيريّاً للمشكلات الطبيّة في سياق التخلّف مع إقراره بالفضل لـ"فيرخوف" والآخرين الذين درسوا الجذور الاجتماعيّة للمرض في أوروبا.

ورغم أنّ جذور الطب الاجتماعيّ التشيليّ تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، إلا إنّ أكثر أنشطته فاعليّةً وتركيزاً بدأت فعلاً بعد الإضراب الوطنيّ الشامل عام 1918. فخلال هذا العام، دعا العاملون في استخراج الملح الصخري في الصحراء الشماليّة إلى وقف العمل في الصناعات الأخرى؛ كسبيلٍ إلى تحسين الأجور والإعانات وظروف العمل.

أمّا "لويس إميليو ريكابارين" المنظّم المُلهم من صفوف العمال، فقد شدّد على سوء التغذية والأمراض المُعدية وحالات الوفاة المبكّرة. وخلال العقود الثلاثة التالية، طالبَ "ريكابارين" وحلفاؤه السياسيون بالإصلاح الاقتصادي بصفته الطريقَ الوحيدةَ القابلةَ للتطبيق لتحسين أنماط الوفاة والاعتلال التي تؤثّر على الفقراء. وفي عشرينيّات وثلاثينيّات القرن العشرين، ازدهر الطب الاجتماعي في تشيلي؛ وذلك مردّه جزئيّاً إلى الاستجابة لمطالبات الحراك العماليّ.

قدّم "أليندي" عام 1939 أثناء توليه منصب وزير الصحة لحكومةٍ شعبيّةٍ مُنتخبةٍ جديدةٍ - بالتعاون مع فريقه في الوزارة- تحليلاً للعلاقة بين البنية الاجتماعيّة والمرض والبؤس في كتابه الكلاسيكي "الواقع الطبيّ الاجتماعي التشيلي"؛ إذ صوّر الكتاب مفهوم المرض كاضطرابٍ للفرد مُعزّزٍ بظروفٍ اجتماعيّةٍ مُعدَمةٍ.

شقّ "أليندي" طريقاً جديدةً في أمريكا اللاتينيّة في ذلك الوقت، حيث وصف الظروف المعيشيّة المُسبّبة للمرض لدى الطبقات العاملة، مُشيراً إلى الظروف الاجتماعيّة للتخلّف والتبعيّة العالميّة، وآثار الديون الخارجيّة وإجراءات سير العمل. كما وصف "أليندي" بعض القضايا التي لم تُدرَس مسبقاً، حيث حلّل قضية الإجهاض غير القانوني، واستجابة مرض السلّ للتقدّم الاقتصادي عوضاً عن الابتكارات العلاجيّة، فضلاً عن علاقة الكثافة السكانيّة بالأمراض المعدية، واختلاف الأسعار بين الاسمَيْن التجاريّ والعلميّ في الصناعات الدوائيّة.

استطلع "أليندي" في مقدمة كتابه معضلات الإصلاح، حيث رأى أنّ الإصلاحات التدريجيّة في نظام الرعاية الصحيّة ستبقى غير فعّالةٍ طالما لم تصحبها تغييراتٌ بنيويّةٌ واسعةٌ في المجتمع. كما أبرز "أليندي" الإمبرياليّة الرأسماليّة، تحديداً الشركات متعددة الجنسيات التي تجني الأرباح من الموارد الطبيعيّة التشيليّة والعمالة الرخيصة، مُدعياً أنّ تطوير نظام الرعاية الصحيّة مرهونٌ بإنهاء الحكومة الشعبيّة للاستغلال الرأسمالي.

شملت المشاكل الصحيّة التي نظر فيها "أليندي" وفيّات الأمهات والرُضَّع، والسلّ، والأمراض التناسليّة، وأمراضاً معديةً أخرى، بجانب الاضطرابات العاطفيّة والأمراض المهنيّة المرتبطة بالعمل. لاحظ "أليندي" أنّ وفيّات الأمّهات والرُضّع بشكلٍ عامٍ كانت أقلّ بكثيرٍ في البلدان المتقدّمة مُقارنةً بالدول النامية، ليتوصّل بعد مراجعة الأسباب الرئيسة للوفاة أنّ سوء التغذية ورداءة المرافق الصحيّة، باعتبارهما الأمريْن المتجذّريْن في (تناقضات التخلف التنموي)، كانا أكبر تفسيريْن لهذه الزيادة في الوفيّات.

في الجزء المذكور ذاته، قدّم "أليندي" أوّل تحليلٍ للإجهاض غير القانوني؛ إذ لاحظ أنّ نسبةً كبيرةً من الوفيّات في مستشفيات أمراض النساء - حوالي 30%- ناتجةٌ عن الإجهاض ومضاعفاته. وبالإشارة إلى ارتفاع نسبة الحالات التي تعاني من مضاعفات الإجهاض عند نساء الطبقة العاملة، عزا هذه المشكلة إلى الحرمان الاقتصاديّ للبنية الطبقيّة.

كما اعتبر "أليندي" مرض السلّ مرضاً اجتماعيّاً، نظراً لاختلاف نسبة الإصابة به بين طبقات المجتمع بشكلٍ كبيرٍ، حيث توصّل خلال فترة كتابته قبل عصر المضادات الحيويّة إلى نتائج مشابهةٍ لما توصّل إليه علم الأوبئة الحديث؛ أي أنّ انخفاضاً كبيراً في الإصابة بمرض السلّ تبعَ التقدّم الاقتصادي أكثر ممّا تبعَ التدخّلات الطبيّة العلاجيّة.

واستناداً إلى إحصائيّات بداية القرن العشرين، لاحظ "أليندي" أنّ نسبة الإصابة بالسلّ آخذةٌ بالانخفاض في البلدان المتقدّمة اقتصاديّاً، مثل أوروبا الغربيّة والولايات المتحدّة الأمريكيّة. بالمقابل، لم تحرز البلدان المتخلّفة اقتصاديّاً، مثل تشيلي، سوى تقدّمٍ ضئيلٍ لمكافحة المرض. وفي إطار التخلّف التنموي، ترك السلّ أثره الأكبر على الطبقة العاملة.

مثّل الإدمان مشكلةً أخرى ساوَرَ "أليندي" قلقٌ شديدٌ إزاءها، وأولاها اهتماماً طيلة مساره المهنيّ، فكان أحدَ أولويّات سياساته الصحيّة، كرئيسٍ لتشيلي، برنامجٌ واسع النطاق لمكافحة إدمان الخمر، مُحلّلاً في كتابه الأسبابَ الاجتماعيّة والنفسيّة التي تحفّز الناس على تناول عقاقير مُسبّبةٍ للإدمان.

مستمدّاً جذوره من البؤس الاجتماعي، خلّفَ إدمان الكحول تأثيراً عميقاً على الصحة وثّقه "أليندي" لمجموعةٍ متنوعةٍ من الأمراض، بما في ذلك الأمراض المعويّة، وتشمّع الكبد، والهذيان الارتعاشي، والعجز الجنسي، والتشوهات الخلقيّة، والسلّ. كما تعقّب "أليندي" بعضاً من النتائج المجتمعيّة الأكثر خفيةً لإدمان الكحول، مُقدِّماً مثلاً تحليلاً مبكّراً لدور الكحول في الوفيّات الناتجة عن الحوادث.

أخذَ مقترح وزارة الصحة الذي اختُتم به الكتاب توجّهاً فريداً، حيث دعا إلى حلوٍل اجتماعيّةٍ عِوضاً عن تقديم حلولٍ طبيّةٍ للمشكلات الصحيّة. قدّر "أليندي" صحة السكان كغايةٍ في حدّ ذاتها بدلاً من رؤية التحسين في خدمات الرعاية الصحيّة وسيلةً من أجل قوةٍ عاملةٍ أكثر إنتاجيّةً، داعياً إلى تغييراتٍ اجتماعيّةٍ تتجاوز بدرجاتٍ كبيرةٍ مجالَ الطب. راجعَ "أليندي" الجذور الاجتماعيّة للمرض والتدابير العلاجيّة البنيويّة المجتمعيّة عندما نظر في الإصلاحات ومعضلاتها.

رفض "أليندي" نقاش مشاكل صحيّةٍ محدّدةٍ بمعزل عن المشاكل السياسيّة والاقتصاديّة على الصعيد الكلي. وفقاً له، عانت إنتاجيّة البلد جرّاء مرض العمال والوفاة المبكّرة، إلّا أنّ تحسين صحة العمّال كان أمراً مستحيلاً بدون تغييراتٍ بنيويّةٍ أساسيّةٍ في المجتمع. تشمل هذه التغييرات توزيعاً عادلاً لنِتاج الأيدي العاملة، وتنظيماً حكوميّاً للتصنيع والتوزيع وتسعير المواد الغذائيّة والملابس، وبرنامجاً وطنيّاً للإسكان، واهتماماً خاصاً بالمشاكل التي تتعلّق بالصحة المهنيّة.

كانت الصلة بين الطب والواقع الاجتماعي الأوسع نطاقاً أمراً لا مفرَ منه؛ إذ إنّ حلّ مشاكل الدولة الطبّية-الاجتماعيّة سيتطلّب حلّ المشكلات الاقتصاديّة التي تؤثّر بدورها على الفئات البروليتاريّة.

اقترح "أليندي" إصلاحاتٍ محدّدةً رأى أنّها شروطٌ مسبقةٌ لنظامٍ صحيٍّ فعّالٍ. نادتْ هذه الإصلاحات بتغييراتٍ عميقةٍ في هيكل السلطة والتمويل، حيث اقترح "أليندي" تعديلاتٍ في الأجور مِن شأنها أن تُفضي إلى إعادة توزيعٍ رئيسةٍ للثروة إن طُبّقت. وفيما يتعلق بالتغذية، وضعَ خطّةً لتحسين إمدادات الحليب، وصيد الأسماك، والتبريد، كما اقترح أحكاماً في الإصلاح الزراعي لتحسين الإنتاجيّة الزراعيّة. وإذ يدرك "أليندي" الحاجة إلى تحسين ظروف السكن، فإنّه اقترح بذْلَ جهدٍ وطنيٍّ مُتضافرٍ في تشييد أبنيةٍ مدعومةٍ بموارد عامةٍ، كما اقترح مراقبة الإيجارات في القطاع الخاص.

 وبما أنّ الجذور الاجتماعيّة الرئيسة للأمراض تمثّلت في الأجور المنخفضة وسوء التغذية، رأى "أليندي" أنّ المهمّة الرئيسة الأولى لنظام الرعاية الصحيّة العامة تكمُن في تحسين هذه الظروف. لم يركّز "أليندي" على البرامج البحثيّة أو العلاج لأمرضٍ معينةٍ، إنّما افترض أنّ أكبر قدرٍ من التقدّم نحو تقليل معدّلات الاعتلال والوفاة سيتبعُ التغييرات الأساسيّة في البنية المجتمعيّة. تخلّل هذا التوجّه، أيضاً، برنامجه الصحي- الاجتماعي المقترح، حيث اقترح من خلاله تجديداتٍ تضمّنت إعادة تنظيم وزارة الصحة، والأنشطة التخطيطيّة، ومراقبة صناعة المستحضرات الدوائيّة وأسعارها، فضلاً عن سياسات السلامة المهنيّة والصحيّة، والتدابير الداعمة للطب الوقائي، وبرامج الصرف الصحي.

كان موقع "أليندي" التحليلي في طب المجتمع يفسّر معظم عمله السياسي حتى وفاته عام 1973 أثناء الانقلاب العسكري. قدّم "أليندي"، كـ"سيناتور" منتخبٍ في أوائل الخمسينيات، التشريعات التي أوجدت دائرة الصحة الوطنيّة التشيليّة، وهي أوّل برنامجٍ وطنيٍّ في الأمريكتين كفلَ حصول الجميع على الخدمة الصحيّة. ربط أليندي هذا الإصلاح بالجهود الأخرى الهادفة إلى تحقيق توزيعٍ أكثر إنصافاً للدخل، وأمنٍ وظيفيٍّ، وتحسين السكن والتغذية، ودورٍ أقلّ هيمنةً للشركات متعددة الجنسيات في تشيلي. سعى "أليندي" أيضاً، كـ"سيناتور" خلال الستينيّات وكرئيسٍ منتخبٍ في الفترة بين 1970 و1973، إلى تحقيق إصلاحاتٍ في دائرة الصحة الوطنيّة ومؤسّساتٍ أخرى كان من شأنها أن تحقّق تغييراتٍ بنيويّةً لدى شرائح المجتمع جميعها.

خشيت الهيئة الوطنيّة للعلوم الطبيّة أثرَ سياسات "أليندي" على العيادات الخاصة نتيجة مناصرته ودعوته للخدمة الصحيّة الموحّدة في القطاع العام، ولذلك كثيراً ما عارضوه، خاصةً قبل انقلاب عام 1973.

بعد عدّة سنواتٍ، لم تعد فكرة أنّ الأصل الاجتماعي للمرض يتطلّب حلولاً اجتماعيّةً مثيرةً للدهشة. مِثل "إنجلز" و"فيرخوف" من قبله، رأى "أليندي" أنّ المصادر الرئيسة للأمراض تكمُن في بنية المجتمع. تنطوي هذه الرؤية على فكرة أنّ التدخّل الطبي بمعزل عن النشاط السياسي سيبقى قاصراً وغير موفّقٍ.