يكتب قسّام معدي حكاية الثائر “سيمون بوليفار” في أمريكا اللاتينيّة باعتباره رمزاً جرى الاستحواذ عليه وتصنيعه من قبل رؤىً سياسيّةٍ مختلفةٍ في القارة، وكيف باتت صورته اليوم محلّ صراعٍ تتنازعه أطرافٌ عدّةٌ لتبني طموحها السياسيّ من نسخته الرمزيّة التي شكّلتها.

الصورة: جداريّة لـ “سيمون بوليفار”، في العاصمة الفنزويلية “كاراكاس”، تشبّهه بـ”تشي جيفارا”.

“الأصفر والأزرق والأحمر، ألوانٌ مشتركةٌ بين أعلام فنزويلا وكولومبيا والإكوادور؛ إنّها ألوان علم الجيش الذي حرّرها جميعاً، إنّه جيش بوليفار، لا جيش كابتن أمريكا”.

بهذه الكلمات، شرح الرئيس الفنزويليّ “نيكولاس مادورو” مغزى الوشاح الرئاسيّ الذي تقلّده، يوم حِلفانه اليمين الدستوريّ كرئيسٍ مُنتخبٍ لولايةٍ جديدةٍ، في التاسع من كانون الثاني الماضي.

كلماتٌ وجّهت رسالةً مقصودةً، لم يخطئ أحدٌ فهم قصْدها. فقبل أسبوعٍ، وفي مدينة قرطاجنة الكولومبية، كان الرئيس الكولومبيّ “إيفان دوكيه” يعقد مؤتمراً صحفياً مع وزير الخارجية الأمريكيّ “مايك بومبيو”، حين قال إن “الآباء المؤسّسين للولايات المتحدة لعبوا دوراً محورياً في دعم حركة الاستقلال في كولومبيا بقيادة “سيمون بوليفار”.

دفع تصريح “دوكيه” المؤرّخين والأكاديميين إلى انتقاده قبل مُعارضيه السياسيين؛ إذ إن ما قاله ببساطةٍ غيرُ صحيحٍ. فالولايات المتحدة لم تدعم يوماً “بوليفار” وثورته، ولأسبابٍ مرتبطةٍ بالواقع السياسيّ اليوم أكثر مما يبدو. ولعلّ هذه الأسباب ذاتها، وعلى ضوء العلاقة المتوتّرة بين كولومبيا، النموذج اليمينيّ المفضّل للولايات المتحدة في القارة الجنوبيّة، وفنزويلا، النموذج النقيض، كانت السياق الحقيقيّ لتراشق التصريحات بين الرئيسين.

إنّ العلاقة بين البلدين الشقيقين تمرّ منذ عدّة سنواتٍ بفترة توتّرٍ غير مسبوقةٍ؛ فالحكومة الكولومبية تلعب دوراً أساسيّاً في الضغط الإقليميّ على فنزويلا، التي تخوض صراعاً ضدّ أزمةٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ مفتعلةٍ، تهدف إلى إسقاط النظام الاشتراكيّ الذي أسسه الرئيس الراحل “هوجو تشافيز” منذ عام 1998؛ إذ أومأ “جون بولتون”، مستشار الأمن القومي للولايات المتحدة، في بداية الأزمة السياسيّة الحاليّة في فنزويلا ومن أجل تهديدها، بإرسال 5000 جنديٍّ إلى كولومبيا.

وفي أواخر شباط الماضي، وصلتْ كولومبيا طائرات المساعدة الإنسانيّة المزعومة لفنزويلا، لتشكّل سلاح ضغطٍ على حكومة “مادورو” عند نقطة الحدود في مدينة كوكوتا الكولومبيّة. وإلى كولومبيا أيضاً، هُرِّبت السلعُ الفنزويليّة لسنواتٍ، والتي استغلّت المعارضة الفنزويليّة غيابَها عن المحال التجارية، واستخدمته سلاحاً لتأجيج الأزمة. وكانت كولومبيا أيضاً، حسب الحكومة الفنزويليّة، خلال العام الماضي على الأقل، ومدينة كوكوتا تحديداً، مركزَ السوق السوداء للعملة الفنزويليّة والدولارات المهرّبة من فنزويلا على حدٍّ سواء. غير أنّ كلّ ما سبق ليس سوى رأس الجبل الجليديّ، ليكشفَ النزاع الإعلامي على تاريخ “المحرّر” [1] بين رئيسَي البلدين، عن الكثير ممّا تحت السطح.

ليس ثمّة اختلافٌ جوهريٌ، ثقافياً أو اجتماعياً أو تاريخياً، يبرّر العداء بين كولومبيا وفنزويلا، لكن للصراع بين هذين المشروعين السياسيَيْن جذوراً تاريخيّاً داخل كل بلدٍ على حدة. إنّه صراعٌ قديمٌ قِدم الوجود السياسيّ لبلدان القارة نفسها، صراعٌ عابرٌ لحدود الدول أيضاً؛ صراعٌ بين طرفين شديدي الوضوح: أوّلهما مشروع النخب الأوليغارشيّة المحافظة، التي أدارت البلاد ومقدراتها كوكيلٍ للولايات المتّحدة، المالك الحقيقي للأرض وما عليها وما تحتها، لأكثر من قرنين. أمّا ثانيهما، فهو مشروعٌ ثوريٌّ قائمٌ على ركيزتين أساسيّتين: النزعة الوطنيّة في استرجاع السيادة على ثروات البلاد، بجانب العدالة الاجتماعية كمنهجٍ يسعى لإخراج السواد الأعظم من السكان الفقراء من الهامش، ليلعبوا دوراً في تقرير مصير بلادهم. بذلك، يمكننا القول إنّ لكلٍّ من النموذجين “بوليفاره” الخاصّ به، الذي يستثمر في بنائه رمزاً لروايته، وبالتالي لشرعيته التاريخية. إنه صراعٌ على رمزٍ مؤسّسٍ، في الجوهر ليس أقلّ من صراعٍ على كتابة التاريخ، كأساسٍ لتوجيه مساره في الحاضر والمستقبل.

بين الشخصيّة التاريخيّة والرمز التاريخيّ

لم يكن “سيمون خوسيه أنطونيو دي لا سانيسيما ترينيداد دي بوليفار”، القائد التاريخيّ الذي عاش وناضل بين عامي 1783 – 1830، ليتعرّف كليّاً على أيٍّ من المشروعين الذين يتنازعان اسمه اليوم. فصناعة الرمز في سياق النزاع عليه، ليست سوى عملية إعادة كتابةٍ للمحتوى الأيديولوجيّ للرمز، كما تُكتَب شيفرة الحمض النوويّ في المختبر، لو كان ذلك مُستطاعاً في علم الأحياء. إنّما في مجال التاريخ السياسيّ وبناء المعرفة الموجّهة، ليس مُمكناً فقط، بل إنه سلاحٌ يمتلك القدرة على توجيه مجرى التاريخ الحاضر والمستقبليّ. وبوليفار التاريخ، ككلّ الشخصيات التاريخية، ينتمي إلى الماضي. من هنا، يمكننا البدء بالتمييز ما بين الشخص صاحب الرمز، وبين الرمز نفسه. فالأول، كانت مشاكلُه مشاكلَ عصره، وانتهت بنهايته كما كلّ البشر. أما الثاني، فهو عنوانٌ محتملٌ لمشاكل القادمين من بعده، ولِما سوف يبتدعونه من حلولٍ متناقضةٍ، تتبع مصالحَ متناقضةً.

كانت المشكلة الأكبر لأمريكا اللاتينية، ولا تزال، الفقر. ليس الفقر بمعناه الاقتصاديّ وحسب، بل بمعنى الإقصاء المُمَنهج للغالبية العظمى من شعوب هذه البلدان، الأمر الذي جعلها على الدوام في مؤخّرة التنمية والتقدم بالنسبة لسائر النصف الغربيّ من الكوكب. فقرٌ لم ينجُم عن شحّ الموارد؛ فأمريكا اللاتينية من أغنى المناطق في العالم على مستوى الثروات الطبيعية، إن لم تكن الأغنى على الإطلاق. لكنه فقرٌ يرجع إلى أسبابٍ بنيويةٍ متأصّلةٍ في النظام الاجتماعيّ والاقتصاديّ للبلاد، الموروث من الاستعمار الأوروبيّ. نظامٌ كان شرطاً لاستمرار السيطرة الاستعمارية، وبالتالي كان لزاماً على من طلبوا الاستقلال عملُهم على تغييره بنيويّاً.

هذا ما فهمه “بوليفار”، ولم يفهمه غيره من الثائرين على التاج الإسبانيّ من قبله، ما سمح له أن ينجح حيث فشل غيره، ويصير أكثر من مجرّد ثائرٍ من أجل الاستقلال، بل يتحوّل إلى مؤسّسٍ لعالمٍ جديدٍ؛ إذ إنّ ما أسماه المستعمر الأوروبيّ “العالم الجديد” منذ أن وطأتْ قدم “كولومبوس” أرض القارة، لم يكن سوى استمرارٍ لعالم القارة العجوز. وما فهمه “بوليفار”، أيضاً، أنّ الاستقلال لا يعني في جوهره سوى إنشاء بلادٍ قادرةٍ على تجاوز العالم الأوروبيّ اللاتينيّ، بميركانتيليّته البدائيّة، لتدخل في عالم الحداثة بخصوصيّتها، كإضافةٍ نوعيةٍ، تسمح لها أن تكون ندّاً للإمبراطورية الناشئة في الشمال؛ إمبراطورية الولايات المتحدة التي كانت تتوسّع آنذاك غرباً وجنوباً على رماد الشعوب الأصليّة، وعلى الأرض المسروقة من المكسيك، بنفس النهم الاستعماري لسلفها البريطانيّ، لكن بقوة الحداثة والطاقة التوسُّعية التي لم تعُد بريطانيا نفسها تحظى بها، والتي لم يخطئ “بوليفار” ملاحظتها [2].

من هنا، رأى “بوليفار” أنّ التحرّر الحقيقيّ لأمريكا اللاتينيّة لا يمكن إتمامه بمجرّد طرد الجيوش الإسبانيّة والبرتغاليّة عن أرضها، بل يتطلّب أيضاً تغيير الأسُس الاقتصاديّة التي قام عليها المجتمع الاستعماريّ، الزراعيّ بالدرجة الأولى. نظامٌ ولّد طبقتين من الناس: من جهةٍ، طبقة “الكريوليوس”؛ أيّ البيض أصحاب الأصول الأوروبيّة من أبناء المستعمرات، الذين شكّل “بوليفارا” جزءاً منهم، إذ أتى من بين أوساطهم، ومن جهةٍ أخرى، بقيّة الشعب. أمّا الأولى، فكانت الأرستقراطيّة المالكة للأرض والتجارة وحتى الناس؛ إذ كانت العبودية عنصراً مهمّاً في اقتصاد المستعمرات. وأما بقيّة الشعب، فكانت خليطاً من السكان الأصليين، والعبيد الأفارقة، والبيض الفقراء من أبناء المهاجرين الذين لم يحالفهم الحظ، أو لم يملكوا رأس مالٍ يبدأون به حياةً جديدةً في أمريكا، ثمّ أيّ مزيجٍ عرقيٍ وثقافيٍ مُمكنٍ بين تلك الفئات كلّها. مثّلت هذه الطبقة الشعبيّة عالماً منفصلاً عن عالم “الكريوليوس”، الذين لم يحسبوا حساب هذه الطبقة وطموحاتها كلّما همّوا بالثورة على المَلَكية، فكان أبناء هذه الطبقة الشعبيّة الفقراء يُسقطون ثوراتهم الأرستقراطية البيضاء، في كلّ مرةٍ؛ الأمر الذي كان يسمح للمَلَكية أن تستعيد سيطرتها وتمارس انتقامها الدمويّ ضدّ دُعاة الاستقلال، المرة تلو الأخرى.

يمكننا القول إنّ ما ميّز “سيمون بوليفار” اطلاعه على عالم الطبقة الشعبيّة، ففهمَ متطلبات تحرّرها، وأدرك ضرورة مشاركتها الفعّالة في الثورة من أجل أن تنجح. فكان أوّل تطوّرٍ نوعيٍّ أدخله على حركة الاستقلال، شروعه بتحرير العبيد الأفارقة في خضمّ الحرب، دون أن ينتظر الانتصار على الإسبان ليحرّر السود بمرسومٍ أو قانونٍ. وما طبّقه على العبيد الأفارقة، انسحب على أبناء الشعوب الأصلية، ومن ثم انفتح باب المشاركة في الثورة على مصراعيه أمام كافّة أبناء الطبقة الشعبية، الذين رأوا لأول مرةٍ، تحت قيادة “بوليفار”، ثورة استقلالٍ تأخذهم بعين الاعتبار. وكلّما حرّر “بوليفار” عبداً، كسب جندياً إضافياً في جيشه.

هكذا، بنى “بوليفار” الجيش الثائر الذي دحر الإسبان، بجنودٍ حُفاةٍ فقراء، غير مُحترفين، بعضهم لم يملك حتى بندقيةً، لكنهم كانوا على عكس الإسبان، وعلى عكس معظم الثوار البيض “الكريليوس”، مستعدّين للقتال حتى الموت.

المعرفة الشعبية مصدراً للتاريخ

لم يأتِ “بوليفار” بهذا الفهم من وحيٍ أو غيبٍ، بلّ من مصدر المعرفة الذي لم يُعِره أحدٌ من “الكريوليوس” قبله اهتماماً؛ أي شعب أمريكا اللاتينية نفسه، والذي حظي “بوليفار” بامتياز التتلمُذ في مدرسته منذ طفولته. ففي سن الثالثة، صار “سيمون” الصغير يتيم الأب، ولم تكن أمّه المريضة قادرةً على العناية به، فأوكلت رعايته إلى “عبدةٍ سوداءَ” كانت تعمل في مزرعةٍ للعائلة، كان اسمها “إيبوليتا”. بعد سنواتٍ قليلةٍ، إبّان بلوغه سنّ الثامنة، توفّيت أمه المريضة، وصارت “إيبوليتا” أمّه. وفيما كان أقاربه منشغلين في تنازع حق الوصاية على الوريث الوحيد لأملاكٍ شاسعةٍ، كان “سيمون” الطفل يتشرّب دروسه الأولى في الحياة من الوسط الشعبيّ الذي كان يمثّله عمّال مزرعة عائلته، والذين تربّى بينهم، فكان أبناؤهم بمثابة إخوةٍ له. في الوقت نفسه، كان بوليفار يتعلّم ثقافة أسلافه الأوروبيين على يد الأساتذة الذين وظّفهم أقاربه ليشرفوا على تعليمه. فشل جميعهم في الدخول إلى حياة الطفل المشاغب، عدا واحدٍ: “سيمون رودريجيز”؛ المعلم الشاب الذي جاء إلى حياة “بوليفار” الصغير، مُلتهباً بأفكار الثورة الفرنسية وفلاسفة التنوير، إضافةً إلى نزعته الغريزيّة إلى الحرية والتمرّد. إنّها نزعةٌ وأفكارٌ نقلها “سيمون رودريجيز” إلى تلميذه، لتؤتي ثمارها بعد سنين.

في سن الثامنة عشر، سافر “بوليفار” إلى أوروبا للمرة الأولى، ليتلقّى تعليماً رسميّاً في إحدى المعاهد الملكيّة الإسبانيّة، التي لم يدم فيها طويلاً، لكنّه مرّ بعدّة تجارب أضافت لبنةً هامةً إلى وعيه السياسي. ففي إحدى زياراته لباريس، شهد “بوليفار” يوم تتويج نابليون إمبراطوراً على فرنسا، ولم يعجبه ذلك الحدث بالمطلق؛ إذ أغلق نوافذ شقته في باريس لحظة مرور موكب نابليون الاحتفاليّ بشارعه، رفضاً منه المشاركةَ في الاحتفال بتنصيبٍ عسكريٍّ لإمبراطورٍ على شعبٍ، كان قبل سنوات قد أعدم ملكاً أعطى العالم مثلاً في الحرية.

وبعد انتهاء فترة مكوثه في أرض أجداده، تزوج “بوليفار” من فتاةٍ فنزويليّةٍ من “الكريليوس” مثله، وعاد إلى فنزويلا ليدير أملاك عائلته التي ورثها. لكنّ وفاة زوجته بعد خمسة أشهرٍ من وصولهما إلى مسقط رأسه، قلَبَت حياته رأساً على عقب. وبعد أشهرٍ من الاكتئاب المَرضيّ، وفي الوقت الذي كانت تشهد فيه المستعمرات في فنزويلا وكولومبيا انتفاضةَ استقلالٍ جديدةً، قرر “بوليفار” تكريس حياته لقضية شعبه، مُنخرطاً بكلّ ما كان يملك من قوةٍ وثروةٍ في النضال الاستقلاليّ، فلم يكن الأمر صعباً عليه رغم صغر سنه. آنذاك، كان  يحتاج الاستقلاليّون إلى المال، وكان لدى “بوليفار” الكثير منه، ولم تكن تربطه أيّ التزاماتٍ، ليتيح له ذلك السفر إلى لندن مع وفدٍ من الجمهورية الفنزويليّة الوليدة من رحم الانتفاضة، ليلتقي برئيس الحكومة الإنجليزيّة، في محاولةٍ لنيل اعتراف إنجلترا بالجمهورية الجديدة. استعرض “بوليفار” الشاب العشرينيّ، في هذا الاجتماع، حماسته غير المحسوبة، مُلقياً خطاباً مُرتجلاً غيرَ دبلوماسيٍّ وُملتهباً عن الحرية، ليرجع الوفد إلى كاراكاس، على إثره، بخفَيْ حنين، وبدون بوليفار، الذي عاد وحده.

لكن قبل عودته، عرّج بوليفار على بيت أحد الفنزويليين القاطنين في لندن. كان ذلك “فرانسيسكو ميراندا”، الجنرال الستينيّ المخضرم الذي كان يحمل على منكبيه خبرةً عسكريّةً صقلها في الثورة الأمريكية، والحروب النابليونيّة، وفي قيادة انتفاضة استقلالٍ فاشلةٍ في فنزويلا عام 1804، قبل أن يختار اللجوء السياسيّ في لندن. ورغم الفجوة بين مستوى الرجلين، استطاع “بوليفار” الشاب المغمور استقطابَ الجنرال “ميراندا” ذائع الصيت من جديدٍ، ليعود به إلى فنزويلا، كقائدٍ للجيش الوطنيّ الذي كان يستعد لاستقبال جيوش القمع الإسبانيّة، بعد أن استعاد آل بوربون عرشهم من نابليون، وتفرّغوا لاستعادة السيطرة على المستعمرات الثائرة.

غير أنّ الانتفاضة فشلت، وجاء قمع المستعمر قاسياً ومدمّراً؛ فلم يستطع جيش الوطنيين الصغير بقيادة “ميراندا” الصمود أمامه. أمّا “بوليفار”، فقد وقع أسيراً في يد الإسبان، بعد أن قام بتسليم “ميراندا” لحاكمٍ محليٍّ، اقتناعاً منه أنّ “ميراندا” كان يحيك صفقةً مع الإسبان، دون علم الوطنيين. فما كان من الحاكم المحليّ إلا أن سلّم كلّاً من “ميراندا” و”بوليفار” للإسبان، ليجرّدوه من أملاكه كلّها، وينفوهُ إلى جزيرة “كوراساو” النائية، حيث دخل في مرحلة اكتئابٍ جديدةٍ قادته إلى حافة الانتحار، لم يخرج منها إلا حين وصلت الجزيرةَ مجموعةٌ من الشباب الثوار الذين أخبروه أنّ الثورة في قرطاجنة، شمال غرناطة الجديدة، لا تزال حيّةً وتقاوم.

قَبِلَ “بوليفار” دعوتهم إلى تهريبه من كوراساو، لينضمّ إلى صفوف الثوار في قرطاجنة. وهناك، بدأ “بوليفار” ملحمته، لكن هذه المرة بدون أملاكٍ وأموالٍ يشتري بها طريقه إلى الثورة. ولهذا السبب بالضبط، كانت هذه بداية أسطورة “بوليفار” الحقيقيّة، فقد أوكلتْ إليه القيادة في قرطاجنة حِراسةَ موقعٍ متقدّمٍ إلى الجنوب من المدينة، على ضفاف نهر الماجدالينا، وأُعطي بوليفار لذلك الغرض قوّةً من اثني عشر رجلاً، مع اثنتي عشرة بندقيّةً. غير أنّ بوليفار لم يكن من النوع الذي يلتزم بتنفيذ ما يُطلب منه فقط، فراح يجول في الأرياف المجاورة يستقطب الثوار من الفلاحين المحليين من أبناء الطبقة الشعبيّة، مستغلاً معرفته كيفيّةَ مخاطبتهم كواحدٍ منهم. وبعد فترةٍ وجيزةٍ، صار تحت قيادته قرابةُ مئتي عنصرٍ، معظمهم مسلّحون بالسكاكين والفؤوس.

وبلا أيّ أوامر من قيادته، أخذ يُغيْر على المواقع الإسبانيّة على طول نهر الماجدالينا، يجدّف صعوداً بجيشه المُرتجل على متن قوارب هزيلةٍ، ويهاجم المزارع الإسبانيّة. يحرر من فيها من عبيدٍ، ويعدم القادة والأسياد الإسبان بلا رحمةٍ، ثم يغتنم ما يقع تحت يده من سلاحٍ، ليمضي قُدماً بجيشٍ أكبر كلَّ مرّةٍ، بسرعةٍ وقدرةٍ على المناورة والمفاجأة لم يتوقعها الإسبان. وفي مدّةٍ لم تتجاوز التسعة أشهرٍ، من 23 كانون الأول 1812 -6 آب 1813، كان “بوليفار” قد حرّر كلّ حوض الماجدالينا، وصعد جبال الأنديز على رأس جيشٍ، قوامُه ألفان من الرجال والنساء، ليفاجئ الإسبان في الجهة الأخرى، حيث لا يتوقعونه على أرض فنزويلا.

ألحق “بوليفار” بالإسبان سلسلة هزائم دخل بعدها مسقط رأسه، كاراكاس، منتصراً فاتحاً، ليعلن بعدها بأيامٍ قيام الجمهورية الفنزويلية المستقلة الثانية، ويكتسب لقب “ليبيرتادور”؛ أيّ “المحرر”، بعد أن كان قبل أقلّ من عامٍ  منفيّاً ومُعدماً، وعلى وشك الانتحار. لم يكن أحدٌ ليتوقع، ولا حتى هو، أنّ كلّ ما كان يحتاج إليه فرصةٌ ثانيةٌ، واثنا عشر رجلاً، بجانب الكثير من قوة الإرادة، التي كان يملك منها كلّ ما يلزم. ففي إحدى المرات التي سمع فيها رجاله يقولون إنّ هزيمة الإسبان بإمكانياتهم البسيطة أمرٌ مستحيلٌ، نهَرَهم قائلًا: “إنّ مهمتنا هي تحقيق المستحيل، الممكن يهتم به الآخرون كلّ يومٍ”.

لم تكن هذه سوى البداية بالنسبة لـ”بوليفار”، فقد سقطت كاراكاس بيد القوات الإسبانيّة بعد أربعة أشهرٍ، ولجأ بوليفار إلى المنفى في جامايكا، مُعدماً وبلا موارد للاستمرار بثورته. لكنه كان قد أثبت لنفسه وللجميع أنّ الثورة ممكنةٌ إنْ كانت الطبقة الشعبية سندَها. ومن جامايكا، راح “بوليفار” يعدّ العدّة لعودته إلى ميادين القتال في أمريكا الجنوبية. وفي غُربة منفاه، لم يجد “بوليفار” سنداً رسميّاً من أيّ دولةٍ، سوى جمهوريةٍ ناشئةٍ صغيرةٍ، وهي جمهورية هاييتي؛ ذاك البلد ذو الغالبية السوداء، والذي صمد شعبه دفاعاً عن ثورته في وجه جيوش كلٍّ من إسبانيا، وإنجلترا، ونابليون نفسه، فصارت هاييتي أوّل جمهوريةٍ سوداء، وأوّل بلدٍ مستقلٍّ في أمريكا اللاتينيّة.

هناك في هاييتي، التقى “بوليفار” برئيسها “أليكساندر بيتيون”، الذي ضمنَ له مدّ ثورته بالسلاح والرجال، إذا التزم بتحرير العبيد الأفارقة في أمريكا الجنوبية، وبذلك التزم بوليفار، واعداً “بيتيون” بقارّةٍ حرّةٍ من الاستعباد. في الوقت نفسه، كان الآباء المؤسسون للولايات المتحدة يتباحثون في الموقف الذي سيتخذونه من حركة “بوليفار”. فكان الرئيس الأمريكيّ “جيمس مونرو” وخلفه “جون كوينسي آدامز”، مثلاً، يحاججان أنه ليس من الحكمة أن تقوم الولايات المتحدة، التي كانت تجارة العبيد أهمَّ مصدرٍ في دخلها القومي، بدعم ثورةٍ امتلأت صفوفها بالعبيد المحرّرين. [3]

لقد كان قرار الولايات المتحدة الأمريكيّة بعدم دعم ثورة الاستقلال، في القارة الجنوبية، رغم المديح الرسمي، سبباً أساسيّاً لمواقف “بوليفار” اللاحقة تجاهها، والتي تطوّرت من الإعجاب الحذر بنظامها الجمهوري، إلى العداء الواضح، حين رأى فيها مصدر الهيمنة القادم على أمريكا اللاتينية؛ الأمر الذي دعاه إلى الالتزام بمشروع توحيد القارة، لتشكّل قوّةً قادرةً على الوقوف في وجه الهيمنة القادمة من الشمال.

رمزٌ لتناقضٍ تاريخيٍّ حيٍّ

وفي العودة إلى الحاضر، نستطيع تتبّع الأصل التاريخيّ للتناقض الأيديولوجيّ والاجتماعيّ والسياسيّ الذي يعصف بأمريكا اللاتينية، وبصورة “بوليفار” نفسه. وبإمكاننا أن نرى أصل ارتباط هذا التناقض بالهيمنة الإمبرياليّة للولايات المتحدة، في تجربة “بوليفار” أيضاً. فحتى نهاية حياته، كافح “بوليفار” بكلّ قواه من أجل وحدة البلدان التي قاد تحريرها (فنزويلا، كولومبيا، بنما، الإكوادور، البيرو، بوليفيا)، غير أن رؤيته لهذه الوحدة لم تكن على أساسٍ شوفينيٍّ اعتباطيٍّ، بل بُنيت على أساسٍ اقتصاديٍّ اجتماعيٍّ.

فلكي يستطيع “بوليفار” أن يضمن الحفاظ على المجتمع الحرّ من العبودية، الذي سعى لإنشائه بتحرير العبيد، كان لا بدّ من تغيير أُسس النظام الاقتصاديّ الذي كان يقوم على العبودية والإقصاء الاجتماعيّ، والنظام الزراعيّ الأرستقراطيّ الموروث من إسبانيا، الذي كان يسعى “الكريوليوس” إلى وراثته كما هو، مُنصّبين أنفسهم أسياداً جدداً عليه. ولتحديث القارة اقتصاديّاً واجتماعيّاً بما يضمن تطوّر المجتمع الحرّ والمتساوي بما لا يدع مجالًا للعودة إلى العهد الأرستقراطيّ، كان لا بدّ من استغلال مقدّرات القارة كلّها في التجارة الخارجية، من أجل تأمين السيولة الضرورية لتطوير الصناعة والقطاعات الإنتاجية الأخرى، وكانت الوحدة السياسية آنذاك، في نظر “بوليفار”، السبيلَ الوحيدَ لتحقيق ذلك. [4]

لكن بعد الاستقلال، ومع دخول عملية بناء الدولة مراحلَ متقدّمةً، بدأ “بوليفار” يكتشف أن لا أحدَ من “الكريوليوس” البيض، أصحاب الموارد المالية الذين رافقوه خلال حرب الاستقلال، يشاطره حلمه. فمعظم هؤلاء كانوا يسعون إلى زعاماتهم الفرديّة، والحفاظ على امتيازاتهم الطبقيّة، التي تناقضت مع مشروع الوحدة، بنفس الدرجة التي تطابقت مع مصالح إنجلترا والولايات المتحدة في إنشاء علاقاتٍ تجاريّةٍ غير متكافئةٍ، مع وحداتٍ سياسيّةٍ متفرّقةٍ. وهكذا، بدأ “بوليفار” يجد نفسه وحيداً معزولاً، ومجبراً على تركيز السلطات في يده بشكلٍ سلطويٍّ. أدى هذا إلى تعاظم المعارضة ضده في المجلس النيابيّ لجمهورية كولوومبيا الكبرى، التي كانت الانقلابات قد بدأت تقسم أقاليمها عن بعضها. انتهى ذلك كلّه إلى عزل “بوليفار” وإجباره على الاستقالة، في الوقت نفسه الذي راح المرض ينهش جسده، حتى انتهى أمره على فراش الموت في مدينة سانتا مارتا شمال كولومبيا، وحيداً، متروكاً، ومُعدماً، إلى درجة أنّ القميص الذي توفي به كان مُستعاراً.

عودةً إلى الحاضر من جديد، يتّضح التناقض بين المنهجين، طبقيّاً، وسياسيّاً، وأيضاً عرقيّاً، في أمريكا اللاتينية اليوم، كاستمرارٍ للتناقض الذي سطّر بناره مأساة “بوليفار” قبل قرنين من الزمان. بذلك، نستطيع بكلّ سهولةٍ فهْمَ اتخاذ اليسار اللاتيني، في القرنين الماضي والحالي، من “بوليفار” رمزاً. لكن الأمر ليس بالبساطة التي يبدو عليها، فبوليفار رغم كلّ شيءٍ، لم يكن اشتراكيّاً بالمعنى الذي نعرفه اليوم؛ فهو في النهاية ابن طبقة “الكريوليوس”، ومسيرته مشبّعةٌ بالمرجعيّات الأرستقراطيّة التي كانت جزءاً من شخص “بوليفار”، مثل عناصر وعيه الأخرى. فعلى سبيل المثال، لم يرَ “بوليفار” يومًا الطبقة الشعبيّة كقوّةٍ سياسيّةٍ بحدّ ذاتها، تدفع بمشروعها التحرريّ في وجه الأرستقراطيّة البيضاء.

لهذا، نراه عندما وجد نفسه وحيداً، يركّز السلطات في يده، ويجعل من نفسه ديكتاتوراً، ويسمّي نفسه ديكتاتوراً بلا تردّدٍ. لم يكن “بوليفار” يحمل مشروع بناء قوّةٍ شعبيّةٍ سياسيّةٍ تخوض الصراع الاجتماعيّ كتتمةٍ لصراع التحرر الوطنيّ، كما فعلت الحركات الثوريّة التي اتّخذت اسم “البوليفارية” في القرن العشرين. فهو حلمَ ببناء مجتمعٍ جديدٍ من خلال القانون، وبعيداً عن الصراع الطبقي، الذي لم يرفضه، لكنه لم يتبناه أيضاً ولم يسلك مسلكه. ولعلّ هذا هو السبب الذي جعل “كارل مارس” يحمل عليه بعدائيّةٍ تجاوزت المنطق، كما اعترف “ماركس” نفسه بذلك.

ففي مقالٍ كتبه “ماركس” عام 1858 لجريدة “دايلي تريبيون” الأمريكية، [5] وصف “بوليفار” بـ”الوغد، والحقير، والجبان، الذي ساق شعباً كاملاً وراء أوهامٍ من أجل طموحاته بالزعامة”. في الحقيقة، كان “ماركس” يرى أنّ حركات الاستقلال في أمريكا اللاتينيّة لم تكن سوى نزعاتٍ شوفينيّةٍ تقف عائقاً أمام تقدُّم التاريخ. فمن منظوره الهيجليّ، كان الاستعمار ضرورةً تاريخيّةً لتطوّر الظروف اللازمة لنشأة طبقةٍ عاملةٍ، تخوض الثورة العالميّة إلى جانب بروليتاريا أوروبا ضد الرأسماليّة ككلٍّ، لتطيح بها في كل العالم بضربةٍ واحدةٍ. إن المركزيّة الأوروبيّة التي لم يسلم منها “ماركس”، هي ذاتها التي تجعل كثيراً من يساريي العالم الأول، اليوم، بعد أن تركوا الماركسيّة وتحولوا إلى الليبراليّة، يتّخذون مواقفَ عدائيّةً مشابهةً ضد التجارب التحرريّة المعاصرة في أمريكا اللاتينية، والتي يصفونها بـ”الشعبويّة”.

استعادة الرمز/ السطو الثوريّ على التاريخ

رغم كلّ ما سبق، إلّا أنّ “بوليفار” القائد والمؤسس، لم يكن أرستقراطيّاً أيضاً، رغم أنّه وُلد كأرستقراطيٍّ؛ إذ إنّه خسر كلّ أملاكه من أجل الثورة. وبعد ذلك، صار بإمكانه أن يصير “المحرر”. لم يكن كاثوليكيّاً صالحاً، كما صوّره التاريخ الرسمي للدول المحافظة خلال مائتي عامٍ، فقد أقسم بعدم الزواج ثانيةً بعد وفاة زوجته الأولى، غير أنّ خمسين ابناً نُسبوا إليه، لم يعترف بأيٍّ منهم، كما نُسب إليه من العشيقات ما تجاوز الثلاثين. لكن الأهمّ أنّ “بوليفار” الرمز لم يبنِ أسطورته بنفسه؛ فرغم أنّه لم يرَ الطبقات الشعبيّة كقوّةٍ سياسيّةٍ، إلا أن هذه الطبقات بنَتْ أسطورة “بوليفار”، بدمها الذي أراقته على طول 75 ألف كيلومترٍ قطعها جيشه ليحرّر البلد تلو الأخرى، [6] فهم من ناضلوا معه وبقوا معه، حين خانه أبناء طبقته. لذلك، عندما أقدمت حركة 19 إبريل الثوريّة في كولومبيا عام 1974 [7] على سرقة سيف “بوليفار” من المتحف التاريخيّ وسط بوغوتا، مُعلنةً أنّ “سيف بوليفار سيبقى مُشهراً بيد الشعب”، فإنها لم تكن تستشهد بالضرورة بـ”بوليفار” التاريخي كما كان بالضبط، لكنها كانت، رغم ذلك، بوليفاريّةً بكل صدقٍ. فانتزاع  سيف المحرّر من يد الدولة الأوليغارشيّة وإعادته إلى “يد الشعب” لم يكن أكثر من استعادةٍ للتاريخ، من خلال عملية استعادة الرمز، كما كانت استعادةً للمعرفة التاريخيّة، التي هي بحدّ ذاتها، عمليّةٌ ثوريّةٌ بامتيازٍ.

من التقليديّ القول إنّ المنتصر من يكتب التاريخ. هذا صحيحٌ في حالة الصراعات والحروب التقليدية، غير أنّ صراعات التحرّر الاجتماعيّ والسياسيّ والوطنيّ ليست تقليديّةً؛ فعملية التحرّر تفترض صراعاً غير متكافئٍ في القوة الماديّة بين المستعمِر والمستعمَر، الأمر الذي يحتّم مسلكًا مختلفاً للصراع، لكونه يفترض ضرورة أن يستثمر المستعمَر في كلّ مجالٍ غير ماديٍّ، كي يبني منها عناصر قوةٍ تعوّض الفجوة بينه وبين المستعمِر على المستوى الماديّ، على أساس عكس وتوسيع المبدأ القائل بأنّ السياسة استمرارٌ للحرب بوسائل أخرى. عكسهُ، من جهةٍ، عبر التعامل مع كلّ عملٍ سياسيٍّ كاستمرارٍ للحرب بوسائل أخرى، واعتبار كلّ حقلٍ فكريٍّ ومعرفيٍّ امتداداً لساحة القتال العسكريّة. أمّا توسيعه، من جهةٍ أخرى، من حيث عدم اقتصاره على السياسة بمعناها التقليدي، فكلُّ نشاطٍ إنسانيٍّ هو سياسيٌّ بطبيعته؛ فالفنّ، والأدب، والإعلام، والثقافة، والتربية، والفلسفة، كلّها صور إنتاجٍ وبناءٍ للمعرفة بأشكالها المختلفة، وهي كلّها مجالاتٌ لخوض السياسة، بل لخوض الحرب، بشكلٍ يشمل التاريخ، والترميز التاريخي، ما يعني أنّ عملية التحرر لا تتّبع الترتيب المرحليّ التقليديّ؛ أيّ الانتصار في الحرب أولاً، وكتابة التاريخ ثانياً، بل إنّ التحرّر عملية عكسٍ لمنظومة السيطرة الاستعمارية، بسحب كل مجالات السيطرة من تحت أيدي المستعمِر حتى يُضحي محصوراً في قلعته العسكرية، ولا يجد مفرّاً من القتال المباشر.

إنّ عملية السيطرة، حسب “غرامشي”، تتّخذ الثقافة ركيزةً أساسيّةً لها؛ إذ تعمل الطبقة أو الفئة المسيطرة على هندسة هوية الُمسيطَر عليهم من خلال أدوات الثقافة، كالتعليم والإعلام والدين. يعني ذلك أنّ المعركة الأولى تقع داخل الإنسان المستعمَر نفسه، كما يبيّن “فانون” في تحليله لنفسية المستعمَر، الذي حين يمارس العنف، إنّما يتخلّص من عقدة الدونيّة التي زرعها المستعمِر فيه. غير أن عملية التحرّر الشاملة لا تقتصر على العنف الثوريّ المباشر، بل تتعامل بالضرورة مع العنف البنيويّ على المستوى المعرفيّ، بعنفٍ معرفيٍّ مضادٍّ.

فإنْ كان العنف المباشر من خلال أجهزة القمع التقليديّة، خاصةً القوة العسكريّة والسجون والحواجز والجدران وأبراج المراقبة، يعمل على تدجين الأجساد ضمن أنماط الحركة المحدّدة من قبل السلطة الاستعماريّة، فإنّ السلطة الاستعماريّة تدخل المجال المعرفيّ أيضاً، لا من خلال الرقابة والسيطرة على التعليم والإعلام فقط، بل من خلال ما يسميه ميشيل فوكو “ميكروفيزياء السلطة”؛ أي إعادة إنتاج السلطة لنفسها في كل تفاصيل الحياة، وحتى في العلاقات الاجتماعيّة، كالتربية داخل البيت والحضن الأسري. فحين تعمل السلطة الأوليغارشيّة في أمريكا اللاتينيّة على تكريس رمزٍ لبطلٍ مؤسّسٍ يحمل اسم “بوليفار”، ويبثّ قيم النخبة المحافظة المكرّسة للسلطة والهيبة الأرستقراطية، فإنّه يعمل على تشكيل الهوية التي سينقلها الآباء والأمهات لأبنائهم عندما سيقولون لهم: “يا بُنيّ، كنْ مثل بوليفار”.

لهذا بالضبط، عملت الحركات التحرريّة في أمريكا اللاتينية على إعادة صياغة الحمض النوويّ للرمز البوليفاريّ. إنها عملية قلبٍ لعمليةٍ طويلةٍ من بناء رمز “بوليفار” من قِبل السلطة على نفسها، لا من خلال بناء روايةٍ تاريخيّةٍ مضادّةٍ خاّصةٍ بالطبقة الشعبية، تتمحور حول نفس الرمز الذي تستخدمه السلطة، وتقدّم الرواية الجديدة أمام الرواية السلطويّة كمن يتقدّم لمناظرةٍ، بل من خلال تسلّل بوليفارٍ مضادٍ إلى قلب الرواية التاريخيّة السلطويّة، وتفجير الرواية الشعبيّة المضادّة وسطها، كما يفجّر البرعم الأخضر الحياة داخل قشرة البذرة الميتة. هذا، بكل بساطة، ملخّص عملية استعادة الرمز التاريخيّ.

****

الهوامش:

[1] المحرّر، بالإسبانيّة (El Libertador) لقبٌ أعطاه المجلس البلدي لكاراكاس لـ”بوليفار” في آب 1813، بعد أن قاد تحريرها من الإسبان أوّل مرةٍ. شاع اللقب حتى صار يُعرف به “بوليفار” في الأوساط الدبلوماسيّة والسياسيّة جميعها، ثم في التاريخ الرسميّ والشعبيّ إلى اليوم.
[2] كتب “بوليفار”، في 5 آب 1829 إلى الكورونيل “باتريسيو كامبيل”، رسالةً يتحدّث فيها عن رؤيته للعلاقات الخارجيّة لجمهورية كولومبيا الكبرى، قال فيها : “يبدو أنّ مصير الولايات المتحدة هو بحكم القدر، أن تُغرق القارة الأمريكيّة بالويلات باسم الحريّة”. وفي سياق تنظيمه مؤتمر بنما لدول أمريكا اللاتينية عام 1826، أصرّ على عدم دعوة الولايات المتحدة، وقال في ذلك إن ما سيحدث إذا دُعيت الولايات المتحدة، هو أنّ “الأسد سيدخل إلى الحفل ليلتهمَ المجتمعين”.
[3]  Marie Arana: Bolivar, ana American Liberator، رابط
[4]  شرح “بوليفار” رؤيته لتحرير وتحديث القارة الأمريكية الجنوبية عبر الوحدة، وعبر الوحدة فقط، فبإحدى أهمّ وثائقه المكتوبة، وهي رسالة جامايكا التي جاءت بعنوان: “ردٌّ من أمريكيٍّ جنوبيٍّ إلى سيدٍ من هذه الجزيرة”، وكتبها “بوليفار” في 6 أيلول 1815، شرح بالتفصيل رؤيته لمستقبل البلاد بعد الاستقلال. تُعتبر الرسالة القطعة المركزية في الفكر البوليفاريّ، وهي مترجمةٌ إلى الإنجليزية هنا
[5] أثار المقال جدلاً في حينه، لأن بوليفار كان شخصيةً قد حظيت باحترامٍ عالميٍّ واسعٍ، وكان قد مضى على وفاته 28 عاماً. رغم ذلك، أصرّ “ماركس” على نشر المقال كما هو، رغم نصائح رئيس تحرير الجريدة. المقال مترجمٌ للإنجليزية هنا.
[6] إنّ المسافة التي قطعها “بوليفار” بجيشه خلال حروب الاستقلال تساوي قطع المسافة بين أقصى شمال ألاسكا وأقصى جنوب الأرجنتين ذهاباً وإياباً خمس مراتٍ. فيما المساحة التي غطّاها “بوليفار” خلالها تساوي سبع أضعاف المساحة التي غطّاها “جورج واشنطن”.
[7]  تطرّق المسلسل الأمريكي “ناركوس” الذي بثّته خدمة الترفيه عبر الإنترنت “نيتفليكس” عام 2017، إلى الحادثة، وربطَ تاريخ حركة 19 إبريل وسرقة سيف “بوليفار” بتاجر المخدرات الكولومبي “بابلو إسكوبار”، في محاولةٍ لتشويه الحركة الثوريّة. في الواقع، كان مناضلو 19 إبريل من بين ضحايا “إسكوبار” الذي لم يتوانَ عن استهداف وقتل المئات منهم خلال عقد الثمانينيات. أنهت الحركة تمرّدها المسلح عام 1989 باتفاق سلامٍ مع الحكومة، سمح لها بدخول البرلمان والمشاركة في صياغة دستورٍ جديدٍ لكولومبيا عام 1991، اعترف لأوّلٍ مرة بحقوق السكان الأصليين وواجب الدولة في تأمين العدالة الاجتماعية. رغم ذلك، استمر قادة 19 إبريل في التعرّض للاغتيال على يد الحكومة وحلفائها والمافيا على حدٍّ سواء، حتى منتصف التسعينيات.

****

المراجع:

بالإنجليزيّة:
Langley D., Lester, “Bolivar, Venezuelan Rebel”, 1992، من هنا
“El Libertador: Writings of Simon Bolivar”, Oxford University, 2003، من هنا
Blanchard, Peter, “Under the flags of freedom: Slave soldiers and the wars of independence in Spanish South America”, 2008، من هنا
Arana, Marie, “Bolivar: Americn liberator”, 2013، من هنا

بالإسبانيّة:
Escudero, Antonio Gutierrez, “Simón Bolívar: aproximación al pensamiento del Libertador”, Araucaria. Año 8, Nº 14 Segundo semestre de 2005، من هنا
Cova, J.A, “Bolivar y el congreso de Panama”, 1963، من هنا