لا يقتصر التدافع السياسي داخل الكيان الصهيوني ما بين «يمين» و«يسار» على الصراع بين النخب المجتمعية على السلطة الحاكمة في الكيان، وإنّما أيضاً على تحديد نمط إدارة الاحتلال للعنف الاستعماري ضد أهل البلاد، من حيث كون هذا التدافع، في التحليل الأخير، هو نتيجة وسبب لشكل هذه الإدارة. يستشرف خلدون محمد في هذا المقال تحوّلاً جذرياً في الاحتلال الصهيوني نحو نمطٍ عارٍ متوحش للعنف الاستعماري متخفف من الديباجات الليبرالية التي لم تعُد قادرة على أدلجة هذا العنف صهيونياً بما يتناسب مع التحوّلات الاجتماعية السياسية في الكيان.   

*****

تميّزت الاستعمارات الحديثة بأنماط هيمنة وسيطرة تراوحت بين الخشونة والبطش والوحشية وبين الدهاء والمكر والمكيدة. وعند التمعّن في نمط الاحتلال/ الاستعمار الصهيوني، سنجد أن ميزته الأساسية هي الاستحواذ على الأرض وامتلاكها وعزل أهلها عنها بكل السبل والطرق والحِيَل. ولا توجد هنا توجهات لـ «تحضير» السكان الأصليين، أو التأثير على أفكارهم وعقائدهم ليعتنقوا فكر المحتلّ المستعمِر. فنحن هنا مع حركة استعمارية موغلة في العنصرية، تستمدّ عنصريّتها المثقلة من تعاليمها الدينية، ونصوص توراتها التي تجعل معتنقيها الحصريين «السلاليين» فوق مستوى البشر، ثمّ من التراث التاريخي الذي سبغ مسار الأقليات اليهودية عبر التاريخ، المسكونة بِـ «عقدة الكراهية»، فنحن هنا أمام حالة عنصرية مثقلة، لا ترفض الآخرين فحسب، بل تستعلي عليهم وتزدريهم وترى فيهم حيوانات خُلقوا على صورة بشر. 

وبهذا، فهم يعتنقون التعريف دينًا مغلقًا وغير تبشيري، وفي بعض المستويات مُعادًا وبصورة عنيدة للاختلاط بالآخرين والذوبان فيهم؛ فهم لا يسعون لتحويل الآخرين إلى دينهم وملّتهم أو حتى طريقة عيشهم، وقد قامت سياساتهم في معالجة السكان الأصليين على كل ما من شأنه تحييدهم وإبعادهم عن طريق استحواذ الصهيونية على الأرض، أو التشويش على مخطّطاتهم التوسعية. من هنا وفي هذه الحالة، خدم العنف الاستعماري حصرًا هذا الهدف. وقد حدث ذلك في أبهى صوره عام 1948، عندما قامت الحركة الصهيونية وبصورةٍ مدروسة بأحد أكبر عمليات التطهير العرقي في العصر الحديث. 

ومن أجل محافظة العدو على الأرض، واغتنام المزيد منها، قام بتشييد قلعته الحربية المدجّجة بشتّى أنواع الأسلحة التقليدية منها وغير التقليدية، واشتهر عنه الوصف بأنّه «جيش له دولة»!

ففي عقديْ الدولة العبرية الأوّليْن، قامت حكوماتها بفرض نظام «الحكم العسكري» على رعاياها المتبقّين من السكان الأصليين وسمّتهم «عرب إسرائيل» وقامت بتقييد حركتهم الفيزيائية ثمّ الاجتماعية والاقتصادية بقبضةٍ مخابراتيّة علنيّة مكشوفة وسافرة، وظلّ ذلك النظام حتى عام 1966، وقد اكتسبت دوائر الحكم العسكري المختصّة بالشؤون العربية خبرةً وتجربةً ميدانيّة ومعرفيّة غنيّة وواسعة على مدى سنين متطاولة.

وفي مرحلة مبكّرة تعود للعام 1964 – كما يشير «شلومو غازيت» (أول حاكم عسكري للأراضي الفلسطينية المحتلّة بين عامي 1967 و1974) – بدأ التحضير لإعداد نظام الاحتلال القانوني والإداري للضفة الغربية التي سيتمّ احتلالها بعد ثلاث سنوات، ويقوم «موشيه ديّان» وزير دفاعهم في تلك الحقبة بتشييد ما أُسمي لاحقًا بِـ «الاحتلال الليبرالي»، والذي قام بدراسته العديد من الدارسين والباحثين، فضلًا عمّا قالته مذكّرات السياسيين والفاعلين من مختلف الساحات الفلسطينية والصهيونية والأجنبية. لبس هذا الاحتلال «قفازات حرارية» من أجل تمرير سياساته العدوانية الاستعمارية، وكان من تجلّيات هذه السياسة: الجسور المفتوحة مع الأردن والسماح لحركة الأفراد، والبضائع من الداخل إلى الخارج، وإجراء انتخابات بلدية مرّتين 1972، و1976، كما سمح الاحتلال بفتح المعاهد والجامعات، واستخدام «الأمن الناعم» وذلك بتجنب الاحتكاك المباشر بالسكان، وإدارة أمورهم عن بُعد.

ويسجّل «زئيف شيف» و«إيهود يعاري» في كتابيهما «انتفاضة» الذي غطّى الانتفاضة الأولى، قرار الحكومة الصهيونية برئاسة «إسحق رابين» عام 1976 عندما اندلعت موجة تظاهرات واكبت «يوم الأرض»، والذي كان ملّخصه: «دعم [الفلسطينيين] يعيشون حياتهم، طالما لا يتمّ المسّ بالأمن». طبعًا، ظلّ «الأمن» طيلة الوقت بقرتهم المقدّسة، ولا يتسامحون باختراقه مطلقًا – كما هو معلوم – ولكن باعتقادنا أنّ «هامش التحمّل» الذي منحه «الاحتلال الليبرالي» لسكّان الأراضي المحتلة، في عقديْ السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، هو أحد أهم العوامل التي منحت الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل صورتها وخصائصها، فقد كان تطورها وتراكم خبراتها وتجاربها له علاقة بالصيغة التي رسمها «الأفق الاحتلالي» آنذاك. 

لذا، لن يكون مُستغربًا أن نقرأ في مذكرات «أبو علي شاهين» (وهو قائد الحركة الوطنية الأسيرة في سجون الاحتلال الصهيوني بين عامي 1968-1983، وهو من أرسى الكثير من قواعد العمل والتقاليد النضالية والتنظيمية والإدارية للحركة الأسيرة التي لا تزال فاعلة حتى أيامنا هذه) حين يقول مقولته التي قد تفاجئ البعيدين عن هذه الساحة التي باح فيها برأيه: بأنّ أكثر مكان يمكن فيه للإنسان العربي ممارسة الديمقراطية هو في السجون الإسرائيلية!! قال هذا التقييم في تعقيبه على جلسات الحوار مع مدراء بعض السجون ومسؤولي الأمن فيها، الذين كانوا يستدعونه ويعقدون معه جلسات حوار ونقاش حول الأوضاع السياسية التي كانت تمرّ بها القضية الفلسطينية في تلك الفترة!

وعلى الرغم من تبدّل دفّة الحكم من اليسار (حزب العمل) إلى اليمين (حزب الليكود) بعد عام 1977، وبدايات صعود الفكر الميسياني الاستيطاني بقيادة «مائير كهانا» رئيس حركة «غوش أيمونيم» آنذاك، وعلى الرغم من البدء فيما أُسمي بالاستيطان العقائدي، وبإيقاف عمل رؤساء البلديات المنتخبين عام 1976، واصطناع «روابط القرى» و انتهاج سياسة «القبضة الحديدية» في أواسط الثمانينيات التي كانت أحد أسباب اندلاع الانتفاضة الأولى، غير أن الخطوط العامّة المرسومة لِـ «الاحتلال الليبرالي» بقيت هي الفاعلة. 

ولاحقاً، عندما وقعت انتفاضة 1987، التي مثّلت تحدّيًا للاحتلال من جهة إعادة النظر في أدواته الاحتلالية، وجدناه يكيّف نفسه مع الأحداث ولا يخرج تعامله معه عن طورها السابق، رغم قيام «كيسنجر» – أحد دهاة اليهود المعاصرين – بتقديم نصيحته الشهيرة لدولة الكيان الصهيوني، بإغلاق المناطق الفلسطينية المحتلّة إغلاقًا تامًّا وإبعاد الصحافة العالمية والمحلية وأن تقوم بإخماد جذوة الانتفاضة بالقوة الباطشة التي لا يقيّدها قيد – كما هو عليه الحال في العالم الثالث، والتي جسّدتها لاحقًا تجربة «الثورة المضادة» في دول الربيع العربي. ولكن لاعتباراتٍ عديدة، لم تنحَ الدولة العبرية هذا المنحى، وحافظت إلى حدٍّ ما على السياسة القديمة – ورغم بعض السلوكيات الموضعية كتكسير العظام وغيرها ربما كان من أسباب ذلك – سياسة الاحتلال الليبرالي التي عادت عليها بالنفع لأنها تكرّسها وتعيد تصدير صورة «إسرائيل – الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»، ثمّ يتبع ذلك غايات وأهداف عند اليسار الصهيوني في التعويل على حلٍّ سياسيّ يرون فيه خشبة خلاصٍ لأزمة المشروع الصهيوني مع ازدياد التحدّي الذي غدت تمثّله الديموغرافيا الفلسطينية الزاحفة، وقد نشأ في تلك الفترة وانتعش تيار «المؤرّخون الجدد» وجماعة «ما بعد الصهيونية» التي جسّدها سياسيًّا، أخيرًا، التوقيع على اتفاق أوسلو. 

طيلة مرحلة ما قبل انتفاضة الأقصى عام 2000، حاول «العنف الاحتلالي» أن يكيّف نفسه نسبيًّا مع «العنف الفلسطيني المقاوم» وكان يخترع حلولًا في مواجهة ما يبدعه الفلسطينيون من وسائل مقاومة، فاخترع الرصاص المطّاطي لتقليل الخسائر في الأرواح، كما اخترع كاسحة حواجز الحجارة وآلة لرشق الحجارة وآلة لرش القاذورات وغير ذلك. ولكن مع تطور وسائل المقاومة الفلسطينية، خاصةً الاشتباك المسلّح، ثمّ العمل الاستشهادي الذي بدأت تجليّاته بعد التوقيع على اتفاق أوسلو، أخذ الاحتلال يغيّر من درجة عنفه ويثقّل من عياراتها، حدث ذلك لأول مرة كـ «بروفا» لما هو آتٍ في انتفاضة النفق عام 1996، التي لن تستغرق وقتًا طويلًا، عندما استخدم لأوّل مرّةٍ سلاح الدبابات ثم طائرات الاباتشي!

وعندما وقعت انتفاضة الأقصى وأخذ الخيار التفاوضي بالانهيار بعد كامب ديفيد 2000، استخدم الاحتلال هذه المرّة كامل عدّة حربه التقليدية الباطشة، خاصة طائراته الحربية من طراز F16، مع مجيء «شارون»، الذي لا يتميّز بالفظاظة والدموية فقط، بل وبالعنصرية والفوقية واحتقار العرب والفلسطينيين، وقد نُظر إليه صهيونيًّا كآخر الآباء المؤسّسين والقلعة التي يلوذون بها أمام منسوب المقاومة الفلسطينية المرتفع هذه المرة. وقد وثّقت العديد من المصادر طلبه المتكرّر من رئيس أركان جيشه آنذاك «شاؤول موفاز»، بأن يأتيه في خاتمة كلّ يوم بلا أقل من 15-20 ضحية فلسطينية.

واشتهرت لأول مرة في الأدبيات العبرية كلمة «صمود» لوصف الحالة التي مثّلها «أرئيل شارون» أمام هجمات الفلسطينيين التي أوقعت خسائر مرتفعة في صفوف الصهاينة. ومع «شارون»، صعدت «الصهيونية الجديدة» ذات المنحى الميسياني الخلاصي والاستيطاني، وأخذت عرى «الاحتلال الليبرالي» مع انتفاضة الأقصى تُطوى عروةً عروة، وأخذت يد الاحتلال الثقيلة التي خلعت قفّازاتها تزداد بطشًا ووحشية خاصةً بعد اجتياح المدن الفلسطينية في ربيع 2002 وكان رمز ذلك اجتياح جنين ومخيّمها، ورام الله ومقرّ ياسر عرفات، وما صاحب ذلك من اغتيالاتٍ مركّزة طالت مئات القيادات السياسية والتنظيمية والعسكرية وقد تمّ تغييب جيل كامل من قيادات الصف الأول للعديد من التنظيمات الفلسطينية، واستمرّت هذه السياسة الباطشة مع حروب غزة المتعاقبة، وقد استوت على سَوْفها في حقبة «نتنياهو» الثانية، وكان من جملة ذلك طيّ صفحة التفاوض مع الفلسطينيين واعتناق فكرة «اللاحلّ» وإهمال الفلسطينيين واعتبارهم غير ذي صلة، وإسقاط الموضوع الفلسطيني من أجندة الأحزاب السياسية، وارتفاع منسوب العنصرية ضدّ العرب والفلسطينيين إلى درجات غير مسبوقة. 

ومع مجيء الربيع العربي وقيام «الثورات المضادة» التي مارست ألوانًا من الوحشية والهمجية والبطش والترحيل القسري، انتعشت الدعوات الصهيونية إلى فعل الشيء نفسه مع الفلسطينيين واغتنام الفرصة لإحداث النقلة المطلوبة لتطوير المشروع الصهيوني وتلبية احتياجاته التوسعية التي تتطلّب «عربًا أقل وأرضًا أكثر»!

لم تخلُ مقاربات «شارون»، ورغم دمويته المشهودة، من مبادرات سياسية مثل خطة الانطواء والانسحاب من قطاع غزة وأربع مستوطنات في منطقة جنين عام 2005، وإبقائه على خطوط تواصل «تفاوضية» بصورة أو بأخرى مع الفلسطينيين، وشاركه في ذلك «نتنياهو» في مستهلّ عهده الثاني عندما أعلن موافقته على فكرة «الدولة الفلسطينية»، وإن كان قد غلّفها بشروط تعجيزية. 

 غير أننا اليوم مع سياسيين يمثّلون الحركة الاستيطانية، الذين كانوا هامشيين أيام «الاحتلال الليبرالي»، وفي مرحلة مُعيّنة تمّ إخراجهم عن القانون، كما حصل مع جماعة «غوش أيمونيم» بقيادة المتطرف «مائير كهانا»، لكنّ ورثة «كهانا» الجدد يتبوأون اليوم مقاعد حيوية أساسية في قلب حكومة «نتنياهو» القادمة، الذين سيتولّون مسؤولية الملفات المفتاحية في العلاقة مع العرب وفي إدارة شؤونهم واحتلالهم. وهؤلاء قادمون بأشدّ الأفكار والمشاعر العنصرية وهم مباشرون وصريحون ومتحرّرون من التواءات الخطاب الليبرالي ذي القفّازات الحريرية القديم المخاتل. 

والحقيقة أنّ موجة التطرّف العنصري المستمرّة لن تكون مع هؤلاء جديدة ومُستحدثة؛ فسياسة القتل الجزافية اليومية، التي غدا الفلسطينيون يعيشونها ويدفعون ضريبتها شهيدًا أو شهيدين كل يوم تقريبًا منذ الربيع الماضي، هي سياسة رسمية انتهجتها حكومة المستوطن اليميني «بينيت»، ومن بعده شريكه «لابيد»، والتي تذكّرنا بسياسة «شارون» الذي كان يطلب جني دماء فلسطينية نهار كل يوم، وذلك ردًّّا على بضع عمليات فدائية ناجحة ضربت قلب الكيان في آذار ونيسان الماضيين. 

وهكذا، سيتولّى العنصريان المتطرفان واللّصان الاستعماريان، «بن غفير» و«سموترتش»، مناصب حساسة لها تماسّ مباشر بسياسة الاحتلال الرسمية المتعلقة بالفلسطينيين، وهذه السياسة هي مُمَارَسة حاليًّا، ولكن يُراد تعميقها وتكريسها والذهاب بها مراحل متقدمة من القمع والاضطهاد والإجراءات القسرية، والتي تُنذر بأنّ «نمط الاحتلال» الذي مُورس طيلة العقود الست السابقة يوشك أن تُطوى صفحته لتنفتح صفحة جديدة لنمط احتلال مختلف، ميزته مزيد من التوحّش والدموية والعنصرية. 

ومع هؤلاء العنصريين الجدد، لم يعُد الاكتفاء بالاستحواذ على الأرض وتحييد ناسها عنها بكافٍ؛ لأنّ لهم حسابات مغرقة في العنصرية ترى في العربي الفلسطيني أيًّا يكن اسمه أو جنسه أو سنّه أو لونه العقائدي أو السياسي (حتى لو كان يشتغل لصالحهم) عدوًّا لدودًا، لهم معه تصفية حساب يعتقدون أنه قد آن أونها، والأسلوب المقترح هنا لن يتعدّى الإكراه والإرغام والإخضاع وتدفيعه فاتورة دم غالية وباهظة حتى لا يرفع صوته ولا رأسه. وهؤلاء الصهاينة الجدد صريحون ومباشرون، ولهذا، ربما سيصطدم برنامجهم ليس مع «ضحيتهم» الفلسطينية فحسب وإنما أيضًا، مع ردّة الفعل الخارجية، خاصّةً من رعاة المشروع الصهيوني في العواصم الغربية من جهة، ومع ممثلي بقايا «الاحتلال الليبرالي» ومن لا يزالون يدّعون تمسّكهم بالعقلانية والليبرالية وحقوق الإنسان عندهم، والذين انحسر هامشهم في كل الأحوال، إلى أضيق مساحة عرفتها السياسة الصهيونية حتى الآن!

يمكن القول إن الأراضي المحتلة، والضفة الغربية تحديدًا، وإلى حدٍّ ما باقي فلسطين المحتلة أصبحت «مكانًا خطيرًا»، بمعنى أنّ المرء يخرج من بيته صباحًا وهو على غير ثقة من عودته سالمًا آخر النهار، فالقتل هنا يتمّ بدون مزيد مقدمات، يعتمد الأمر أحيانًا على أي حركة عفوية غير محسوبة في حاجز عسكري أو حتى في تجمّع صهيوني، وقد يتعلّل الجندي المناوب بافتراضاتٍ مختلفة حول نيّة ضحيته الفلسطينية. وهذه الحال تولّد ردّات فعلٍ تجعل من أيّ صهيوني، خاصّةً إذا كان يلبس الزي العسكري أو مستوطنًا يقف على طرقات الضفة الغربية، هدفًا للمسّ به من قبل الفلسطينيين وذلك بوصف هؤلاء الجنود والمستوطنين، بالإضافة إلى كونهم أعداء، اللصوص المباشرين الذي يسرقون الأرض كما يسرقون أرواح أهلها الأصليين.

وكانت قد نضجت قد ملامح هذا الوضع أيام انتفاضة السكاكين بالتحديد في 2015-2016؛ فمنذ تلك الأيام جرى تغيير أساسي على قواعد الاشتباك وأوامر إطلاق النار، بل إنّ «بينيت» دعا في الشهور الماضية إلى تسليحٍ شعبيّ شامل، وغدا الإعدام الميداني سياسةً يوميّة رسميّة متعبة، يتمّ توثيقها بالكاميرات المزروعة في كلّ مكان، وهذه الحالة الخطيرة أصبحت تُحدث هياجًا يلجأ معها الفلسطينيون إلى وسائل المقاومة البدائية من طعنٍ بالسكين أو اللجوء إلى الدهس، خاصةً بعدما احتكرت السلطة اقتناء السلاح وحَلّت عمليًّا جميع التنظيمات المقاومة ومنعتها من ممارسة القتال. وهذا ما يزرع الفزع في قلوب المستوطنين اللصوص في شتّى البلاد، خاصّة عندما كانت الظاهرة تمتد إلى الداخل الصهيوني، فقد بلغ هذا الهوس أن يقوم صهيوني بالاعتداء بالسكّين على صهيوني آخر ظنًّا منه أنه عربي اشتبه بأنه يسعى لقتله. 

إن هذه الحالة من الهيجان والفزع والهلع تُنذر بحالة اشتباك إثني، قريب من تلك التي وقعت قبل عقدين في البوسنة والهرسك عندما وجد سكّان نفس الحي وأحيانًا نفس البناية الواحدة أنفسهم في مواجهة وجودية في وجه الآخر مرّة واحدة، قبل أن تترسم جبهات وخطوط قتال.

 

كُتبت في 3/12/2022.