علي حبيب الله

اندور أو عين دور كما غنّاها الشّعراءُ يوماً، قريةٌ جبليّةٌ سهليّةٌ، كانت تُطلُّ من صافح تلّ جرن الرأس على مدّ مرج ابن عامر، الذي يفترشُ سَهلُه منها غرباً حتّى جبال الناصرة، وإلى الغرب جنوباً جبل الدَّحْي الممتد حتى قريتي الفولة والعفولة. إلى الشّرق، تدمعُ جداولُ عيونِها مروراً بكفر مصر ونهر الشَرَّار، ليحملَ ماؤها الماءَ شرقاً إلى حيث غُدران الـمخرخش، وحتّى نهر الأردن.

القيودُ التي فَرَضَها الحكمُ العسكريُّ على حركةِ الرعي والرعيان شَجَّعَتْ الطََرَّاشين على التّسلل والمبيت ليلاً، ما عُرِفَ وقتئذ بـ"التبييت"، لأن الوعور باتت فضاءً مراقباً ومحظوراً على من تبقى من أهلها. فضلاً عن الضّرائب التّي فرضَتْها السّلطاتُ على قَنْيّ الأبقار، مما دَفَعَ الطَّرَّاشين إلى تَبييتِهِ خارجَ أحواشِ البيوت تَحايُلاً على ضريبة العدّ الذي كان يجري ليلاً في كثيرٍ من الأحيان.

كبشانة الفداء

قبور بلا شواهد، وشهداء بلا وصايا، وموت منزوع من طقوسه الجنائزية، وحداد بلا مراثٍ ولا موثبات، غير آيات من سورة عمران تنبعث من حنجرة شيخ المنزول يوسف في كلّ يوم قبيل صلاة الفجر. والغنم تُركت وصوفها عليها كإشارة للزعل والحداد، وتذكر الحاجة كلثوم أن الرعيان الذين جزّوا صوف غنمهم قبل وقعة الشهداء تركوه منفولاً بلا غسيل، مفروكاً بالفحم ومعلّقاً على ألواح الصّبر المحيط بالبيوت.

ما الذي يجعل الطيّف قلّقاً كلّما هبّ حريقٌ في الغابات؟... لقد اشتعلت غابة "حَجَر الغول" غير مرة، دون أن ينشغل الطيّف مرة بسؤال الفاعل أو المسئول، لم يشتم النار يوماً ولم يشمت في الغابة كذلك، فالنار بالنسبة إليه نعمة ونقمة في آن، نعمة للرعيان والمعّازين لأن حريق الغابة يجعلها بعد أول موسمٍ ماطرٍ أكثر خصوبة بالعشب وشلوح الشجر.

Subscribe to علي حبيب الله