عنان الحمدلله

تنطلق هذه الورقة من ادّعاءٍ أساسيٍّ مفادُه أن تشخيص علي شريعتي الأيديولوجي كمؤدلجٍ سَلَبه جوهر أعماله ورسالته وشخصيته. وبلغة فوكو، فإنّ الخطاب حول شريعتي كمؤدلجٍ قد أسكت العديد من الجوانب لِما كانَهُ شريعتي، وما أراد أن يفعله ويؤسّس له. ستستكشف هذه الورقة ذوات شريعتي، الفكرية والشخصية، من خلال تتبّع منهجية شريعتي ذاته، فتحرير علي شريعتي معرفياً، كمقدمةٍ لهذه الورقة، أمرٌ لا مفرَّ منه، فقد خطّ طريقاً عندما قال: "هناك فرقٌ بين المعرفة التي تُفهم، والمعرفة التي تُعلّم، فستلحظ وتعرف أناساً واسعي المعرفة حول شخصٍ أو كتابٍ أو مدرسةٍ فكريةٍ، لكنهم في الوقت ذاته لا يفهمونها جيداً". بهذا القول، أرسى شريعتي فرقاً بين المعرفة التقنيّة المبنيّة على سعة المعرفة من جهةٍ، والفهم المبنيّ على التعاطف الفكري والروحاني من جهةٍ أخرى، ما يفسّر أيضاً التناقضات التي وقعت فيها النماذج التفسيرية لعلي شريعتي. 

يطرح الكاتب عنان الحمد الله، في هذه المقالة البحثية، مسألة التحرّر للأفارقة الأمريكيين من خلال ما مثّله النموذج المعرفي البديل الذي قدّمه "مالك شاباز" (مالكوم إكس)، باعتباره متجاوزاً لجدلية السيد والعبد لدى هيجل والاعتمادية المتبادلة بينهما، ومؤكداً على ضرورة البحث عن ذاتية وتاريخ الأسود خارج ذاك الحقل والنظام المهيمن، عبر الإقرار بأنّ التاريخ سابقٌ للعبودية، والدعوة لثورةٍ ثقافيةٍ شاملةٍ تقضي بالعودة إلى إفريقيا ثقافياً وفلسفياً ونفسياً، لكسر فكرة الوجود الاجتماعي من داخل النظام نفسه.

ضمن سلسلة "إضاءات على المعرفة الغربية والحروب الاستعمارية" يعيد عنان الحمد الله موضعة المعرفة الحديثة والإنتاج المعرفي الاستعماري من خلال التأطير التاريخي لـ"النظام العالمي" للحداثة الاستعمارية، وتحويل المؤسسة العسكرية الغربية ثقافة الخصم إلى سلاح موجّه ضدّه، وتوظيفها في مكافحة التمرد.

تذكر نائبة مدير تخطيط السياسات في مكتب وزارة الدفاع الأمريكية، اليسا أوكونر، في مقالٍ لها كيفية تعامل "إسرائيل" مع عمليات المقاومة الفلسطينية، وخصوصاً العمليات الاستشهادية للنساء الفلسطينيات، إذ يتم اختزال مشاركتهن في المقاومة المسلّحة  من خلال نموذجين: الأول يُدعى "الأرملة السوداء" (في استعارة لأنثى العنكبوت صاحبة السمّ المؤذي للبشر عند العضّ)، ويُطلق على من تشارك في العمل الوطني انتقاماً لاستشهاد أحد الرجال في عائلتها. أما الثاني، فهو نموذج "المرأة الزومبي"، على اعتبار أنه تم التلاعب بها وإجبارها على المشاركة في عمليات المقاومة، دون أن تكون نابعة من إرادة ذاتية حرة.

يعدّ مفهوم الثأر أساساً في تشكّل الوطنية الفلسطينية وحافزاً لما هو كامنٌ للتمثّل على أرض الواقع، بل ونظاماً قائماً بذاته يُرهب العدو ويضعه في حالة قلق هدّام دائمة.

الخوارزميات في مواجهة الإرادة

تشكّل عملية اليوم في القدس نقلةً نوعيةً على صعيد العمل المقاوم، ليس من ناحية الفشل الاستخباراتي الذي مني به الكيان الصهيوني فقط، وإنما أيضاً في مساهمتها في إفشال بناء أيّ تحديدٍ نمطيٍّ للعمل الشعبي المقاوم عبر إرباك نماذجه الإحصائية.

ربما من الضروري أيضاً البحث في "أثر الفراشة" الذي يمثّله التنسيق الأمني في الضفة الغربية، وتأثيره على "اقتصاد المقاومة" من جهة، وعلاقته بسوق تجارة السلاح في الأراضي المحتلة عام 1948، وانعكاسه على تفشي الجريمة فيها من جهة أخرى.

(هذا المقال هو الثالث ضمن سلسلةٍ من أربعة أجزاء، بإمكانكم الاطّلاع على المقالات السابقة من هنا:  الأول و

وحتى في تلك النظرة التي ما زالت ترى في صيرورة أوروبا نموذجًا يحتذى به، تم تهميش الحرب ودورها في بعث الحياة الغربية، والتغطية على اعتبار الحرب البنية التحتية لأي معرفةٍ جديّة وتجديدية قابلة للحياة وملبيّة لضرورات الواقع. وما أكثر دلالة على ذلك، إلا استمرار تهاوي مئات آلاف المؤلفات حول النهضة العربية والإسلامية وآفاقها المحتملة منذ الانكسار إلى عصرنا الحالي،وهذا لا يعني بالطبع نفي أهمية المعرفة ودورها.

Subscribe to عنان الحمدلله