إنّها الحرب

في عصر الحروب غير المتكافئة اليوم، لم تعد الحرب تدور حول الابتكارات العسكرية والقوّة المادية والتكتيكية فحسب، بل هي أيضاً صراع مستمر بين العقول والقلوب والرسائل المتبادلة.

نتحدث في هذا الجزء عن الجنديّ السايبورغ، وعن أبعاده، نطرح بعض الأمثلة العمليّة عليه، والأسباب التي دفعت باتجاه اتجاه اعتماده عنصراً رئيسيّاً في تشكيل العقيدة العسكرية للجيوش المعاصرة وجيوش المستقبل.

الوكالة الأمريكية داربا

نحاول في هذا الجزء شرح ثلاثة مفاهيم رئيسية لها علاقة بعمل الوكالة الأمريكية "داربا"، وهي مفاهيم تساعدنا على فهمٍ أوسع لطبيعة عمل الوكالة وامتداداتها البحثيّة، وسيوّفر هذا الجزء كذلك بعض الإحالات المنهجية الأولية للمهتمين بقضايا العلوم الإدراكية.

 في بداية الفصل الثاني من القسم الأول من "الكينونة والزمان"، يقول هايدغر: "إنّ الدازاين هو الكائن الذي، في كينونته، يسلك إزاء هذه الكينونة سلوكاً فاهماً. بذلك يكون قد كُشف عن المفهوم الصوري للوجود. إنّ الدازاين يوجد. وإنّ الدازاين هو، فضلاً عن ذلك، الكائن الذي أكونه أنا نفسي في كلّ مرّة. فمن شأن الدازاين الموجود أن تنتمي إليه الكينونة-التي-لي-في-كلّ-مرّة بوصفها شرط إمكان الأصالة واللاأصالة. 

نعود في هذا الجزء مجدداً إلى قضية التوجّس واللاشيء أو العدم. رأينا في الخاصيّة الأولى للكينونة- في العالم- أنّ الوجدان ينتمي لبنية الكينونة ذاتها، وأنه "الكيفيّة الأوليّة والمستمرّة التي ينكشف لنا بها كونُنا في العالم، لدى الأشياء ومع الآخرين. وعليه، فإن كل تصرّفٍ للكينونة، سواءً أكان نظرياً أو عملياً، وسواء كان إزاء ذاتها أو الأشياء أو الآخرين، يكون قائماً على أساس حالٍ وجدانيٍّ معيّنٍ: فرح حزن، دهشة، فضول، حنين، شوق، أمل، يأس، استياء، لامبالاة وما إلى ذلك"[1].

هناك مقولة يردّدها الجنود كثيراً، خصوصاً عند الحديث عن مكانة ودور المشاعر في الحياة العسكريّة، وعندما أقول الجنود، أقصد تسعة من جنود المشاة في الجيش الفرنسيّ حاورتهم بشكل شخصيّ في إطار بحوثي الجامعية، وغيرهم العديد ممّن نُشرت شهاداتهم على الإنترنت وفي الكتب، سواء كانت لجنود في الجيش الفرنسيّ، أم لآخرين في جيوش مختلفة هي بشكل رئيسيّ: الجيش الأمريكي، الجنوب أفريقي والإسرائيلي؛ أما المقولة فهي: "الجنديّ لا يخاف، الجنديّ يتوجّس".

 
داربا

في سياق سباق التسلّح مع الاتحاد السوفييتي، اتخذت الحكومة الأمريكية عام 1958 عدة قرارات من بينها إنشاء وكالة وزارة الدفاع لشبكة البحوث المتقدمة – داربا (Defense Advanced Research Projects Agency)، وكان هدفها الرئيسي خلق تكنولوجيا المستقبل التي ستزيد بالضرورة من القدرات الدفاعية للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها. لم تعرف (داربا) منذ ذلك الوقت حدوداً، ميدانها كل المجالات، البحث في كل ما يمكن أن يستخدم لأغراض عسكرية، ثم تزويد مختلف مؤسسات وزارة الدفاع الأمريكية بنتائج بحثها.

في هذه المادة القصيرة نتحدث عن الطائرة الأمريكية التي انضمت مؤخراً إلى أسطول سلاح الجوّ الصهيوني، وهي طائرة F-35، يما يشمل الحديث عن أهم ما يميز هذه الطائرة من قدرات عملياتية، وما رافق صناعتها وصفقة شرائها من جدل أمريكي وصهيوني.

كما يتمّ قمع وإعادة تأهيل بعض المشاعر من أجل الوصول إلى الحالة النفسيّة المثاليّة لدى الجنود، يتمّ تعزيز مشاعر أخرى كالفخر والسعادة، الحنين والشهوة إلى حدّ ما؛ ويبدو أنّ الأمور تذهب بهذا الإتّجاه المرن أكثر فأكثر، وبالرغم من الانتقادات الكبيرة، تقول ساسون ليفي، فإنّه يسمح للجنود الصهاينة اليوم إظهار حدّ معيّن من الحزن والألم، وحتّى البكاء في جنازات الرفاق. إذاً، "يمكنك البكاء، لكن دون أن تشهق." بهذه العبارة التي قالها أحد جنرالات الجيش الصهيوني لجنوده يمكن اختصار جوهر عسكرة المشاعر.

يخاف الجنود إذن، من خذلان الآخرين، من القتل قاتلاً أو مقتولاً، ومن الاتصال الأول بالنار، من الفجوة بين المتوقع والحقيقي، من العزلة، ومن الذكريات (الخوف الذاتي الاسترجاع)، من خوف الآخرين معي، الخ. لكن، ما هو الخوف عملياً؟ 

Pages

Subscribe to إنّها الحرب