إنّها الحرب

كما يتمّ قمع وإعادة تأهيل بعض المشاعر من أجل الوصول إلى الحالة النفسيّة المثاليّة لدى الجنود، يتمّ تعزيز مشاعر أخرى كالفخر والسعادة، الحنين والشهوة إلى حدّ ما؛ ويبدو أنّ الأمور تذهب بهذا الإتّجاه المرن أكثر فأكثر، وبالرغم من الانتقادات الكبيرة، تقول ساسون ليفي، فإنّه يسمح للجنود الصهاينة اليوم إظهار حدّ معيّن من الحزن والألم، وحتّى البكاء في جنازات الرفاق. إذاً، "يمكنك البكاء، لكن دون أن تشهق." بهذه العبارة التي قالها أحد جنرالات الجيش الصهيوني لجنوده يمكن اختصار جوهر عسكرة المشاعر.

يخاف الجنود إذن، من خذلان الآخرين، من القتل قاتلاً أو مقتولاً، ومن الاتصال الأول بالنار، من الفجوة بين المتوقع والحقيقي، من العزلة، ومن الذكريات (الخوف الذاتي الاسترجاع)، من خوف الآخرين معي، الخ. لكن، ما هو الخوف عملياً؟ 

لاحظنا أن التجنيد المهني في جيش المشاة الفرنسي لا يمكن أن يتم اختصاره إما في آليات قدريّة أو في تمثيلات هوياتية. لكن في نفس الوقت، لا يمكننا أيضاً أن نرفض هذه الاحتمالات للظاهرة والتي لطالما شكلت جزءاً من حديث الجنود. الفكرة ببساطة، هي أنه عندما يعبّر الجنود عن قرار إنضمامهم المهني للجيش، لا يفعلون ذلك بطريقة واحدة أو نمطية، وإنما بشكل ديناميكي أغنى بكثير مما يمكن تخيله وحشره في فرضيتين أو ثلاثة.

المشاعر في الحياة العسكرية مساحة مربكة جداً، وخصوصاً السوداء منها كالخوف، الندم، الملل، إلخ. وتعامل المؤسسة العسكرية معها لا يتبع المناهج العلمية في دراسة المشاعر ويتبعها في نفس الوقت، أو يمكن القول "يتم تجاوزها" بطريقة ما، فالخوف في حالة وجوده الطبيعية يشكّل خطراً على صناعة الجنود، لكن لا يبحث الجيش في القضاء عليه تماماً، على الخوف أن يبقى، أو أن يُبقى عليه في صورة محددة له، وهي "الخوف الجيّد" لا "خوف الأدرينالين" كما يقول أحد الجنود.

كيف يصبح الأفراد جنوداً؟ هذا هو السؤال الرئيسي الذي سنحاول في هذا الملفّ البحثيّ أن نجيب عليه، وهو بالأساس مادة تمّ العمل عليها لاجتياز إحدى مساقات الدراسات العليا (الإدراك والعواطف) في جامعة نيس، وتمّ نقلها إلى العربيّة. 

يوّفر التدفق الهائل للمعلومات للقادة الميدانيين الفرصة لاتخاذ قراراتهم بشكل لحظيّ وبمستوى أعلى من الدقة والسّرعة، الأمر الذي يتيح لهم تفوقاً هائلاً على العدوّ. ويمكن بهذا المنظار النظر إلى الجيوش والبنية العسكريّة المتفوقة والتي تشمل القدرات البريّة والجوّية والبحريّة التي يملكها الغرب، فقوة هذه البنية تستند بشكل كبير إلى توافر طرق تواصل فورية، وتدفق سريع وسلسل للمعلومات الدقيقة من ساحة المعركة إلى مراكز القيادة والتّحكم وبالعكس.

لطالما رافقت الحروبَ محاولاتُ الأطراف المتنازعة التّأثيرَ على الخصم من خلال استخدام أدواتٍ نفسيّةٍ تتعدى الفعل العسكريّ الماديّ. وفي هذا السّياق، تعتبر القدرة على نشر الإشاعة، أو العبث في منظومة المعلومات لدى الخصم، أو حتى الفاعلية في بناء مصداقية مع مجتمع العدوّ بهدف إخراج التناقضات الاجتماعية والسّياسية للظاهر، أو زعزعة الإرادة لديه بالاستمرار في المواجهة، هي إحدى أقدم أدوات الحرب استخدامًا وأحد أهم أبعادها.

الجيش والمجتمع في تركيا: قراءة إثنوغرافيّة

ما هي حقيقة العلاقة بين عدد أو طبيعة الحروب التي خاضها ويخوضها أيّ جيش وبين الشعبيّة التي يتمتّع بها في مجتمعه؟ لا نعلم بعد، لكن يبدو أنّ حروب الجيش التركيّ منذ تأسيسه أو بالأحرى إعادة تشكيله عام 1920 لم تكن كافية لإحالتنا إليها عند الحديث في هذا الصدد، يعني أنّ الجيش التركيّ اتخذ لنفسه مهمة أساسية أخرى لاكتساب شعبيّته-شرعيتّه والحفاظ عليها.

الجنديّة كحرفة: عن التحولات في الحرب والثورة في الشؤون العسكرية

إنّ الجيش المحترف هو قبل كل شيء ردة فعل على فشل المؤسسة العسكرية الكلاسيكية في حروب جديدة، وهو أيضًا ذروة الحاجة إلى جيش عملياتي، أكثر أتمتًة وأقل اعتمادًا على الإنسان، بمعنى تشكيل جيش مرن وخفيف، سريع وأكثر سهولة في انتشاره أو اشتباكه في أكثر من موقع وبأكثر من قوة. بالطبع، يمكن تحقيق كلّ ذلك من خلال التكنولوجيات العالية، دون إغفال أن المعلومة والسرعة هما سلاحهما الأساسيان قبل الحديد والنار..

تعني البوليمولوجيا بدراسة الحرب كظاهرة إنسانية معقدة. ولا يقصد بوصفها معقدة كونها غير مفهومة، بل بمعنى وجود عدّة جوانب/مظاهر/مستويات للحرب، تتم دراسة الحرب من خلالها جميعًا. هذا مع التأكيد مرة أخرى على أنّ جميع هذه الأبعاد للحرب متشابكة، تجمعُها باستمرار فكرةٌ واحدةٌ مشتركة تعطيها صفة الحرب، وبإلغاء هذه الفكرة الواحدة المشتركة يكون الحديث عن شيء آخر وليس عن الحرب.

Pages

Subscribe to إنّها الحرب