يتتبّع حمزة العقرباوي في هذا المقال حضور الثلج في الموروث الشعبي ودلالاته فلسطينياً.

 

“آذار أبو سبع ثلجات كبار”، يردّد الفلسطينيون، كما معظم أهالي بلاد الشام، آملين أن يحمل آخر شهور الشتاء الثلج في جعبته، على الرغم من بدء تسلّل الربيع إليه فارشاً خضاره. وإن خذلنا شباط ولم يلبّ قول “كل رعدة بكانون ثلجة بشباط”، يُعلّق الأمل مجدداً على شهر آذار، الذي قيل عن فضله في موروثنا: “بآذار سبع ثلجات كبار غير الصغار”، ومثله المثل: “لا تستعجلوا الثلج بآذار، ياما نفضنا إغمار”، أيّ أنّ الثلج كان يأتي متأخراً فيسقط على غمور القمح والشعير.

ولا يغيب انتظار فِراش الثلج وترقّبه، أو ما نسمّيه “النَّفَشْ” و”فرشة الثلج”، وهو ثلجٌ ناعمٌ خفيف يمهّد لسقوط الثلج وتراكمه، ونقول فيه: “لمّا تِنفِشْ بِعَلِّمْ الثلج”، والدنيا “بترمي نَفَشْ”، وقيل أيضاً “بترمي سميد”.

 

أمّا الثلج، فيتراكم عند تدنّي درجات الحرارة ولدى انخفاضها إلى ما دون الصفر، ولذا كان برد الثلج مضرب المثل في شدّته، ومن ذلك قولهم: “سقعتها سقعة ثلج”، و”شراقي الكوانين ثلج”، أيّ أن برودة الرياح الشرقية قد تساوي برودة الثلج.

ولا نجدُ الكثير عن الثلج في موروثنا الشعبي، ومنبعُ ذلك مُرتبطٌ بطبيعة بلادنا التي لا يزورها الثلج بشكلٍ سنويٍّ، ويقتصر سقوطه غالباً على المُرتفعات. وإن كانت النصوص التاريخية تُشير إلى أن العرب عرفوا الثلج مُبكّراً، واهتموا بتخزينه لاستخدامه في تبريد الماء والمَشارب. ولعلّ واحداً من بين هذه النصوص  هو خبر حمل الثلج من بغداد إلى مكّة سنة 160هـ، حين حُمل للخليفة المهدي أثناء تأديته للحج في منطقةٍ يندر فيها وجوده.

وعموماً، نجد الثلج وأخباره في أمثال الناس وقصصهم، وكذلك في تشبيهاتهم ومعتقداتهم، خاصةً في بلاد الشام عربياً. وسنحاول في هذا النصّ تتبّع حضور الثلج في الموروث الشعبي ودلالاته فلسطينياً.

خيرٌ للناس

في اللغة: ثلجٌ وثُلوج، والمفرد ثلجة، وهو ما جَمَدَ مِنْ ماء السماء لشدّة البرد فَيَسْقُطُ أبيض ناعماً، من غير صوتٍ أو صدى، ولذا قالوا عن سقوطه “نَدف الثلج”. وعن الثلج قالوا: “قَدِمَ الشِّتاءُ بِثُلوجِهِ وَعَواصِفِهِ”، وماءٌ مَثْلُوجٌ: أي مُبَرَّدٌ بالثَّلج، ومنه المثلَّجات والثلاجة، والعاصفة الثلجية هي عاصفةٌ يصحبها تساقطٌ كثيفٌ للثلج.

أمّا قولهم: “أثلجت السماء” فيعني سقط منها الثلج، و”أثلجت الأرض” أو “بيضّت الأرض” إذا صارت بيضاء بسبب تراكم الثلوج عليها، و”انثلجت الأصابع” دلالةً على شدّة البرد. وضربوا بالثلج الأمثال في البياض: “أبيض من الثلج”، وجعلوه معياراً لبرودة الأشياء أو الماء: “أبرد من الثلج”.

و”الثلج سمادٌ” للأرض في عُرف الفلّاحين، خاصةً لشجر الزيتون الذي يُرجى بأن يكون حمله مُضاعفاً في سنة الثلج، وهو أيضاً بحسبهم: “خميرة الأرض”؛ أيّ تخمر بفعله البذور والنباتات كما تفعل الخميرة في العجين، حيث يُفتّت التربة ويُسهّل نمو النباتات فيها. ويصفونه أيضاً بـ “ملح الأرض”؛ يعقّم الثلج التربة والبيئة ويقضي على العديد من الميكروبات والجراثيم والفيروسات المنتشرة في الأجواء. وتصديقاً لذلك، يقول أحد العاملين في مجال بيع الأسمدة والمبيدات إنّ السوق تشهد كساداً في مواسم الثلج.

وقد نسبوا للثلج ظاهرة (العمى الثلجيّ)، وهو فقدانٌ مؤقتٌ للبصر أو التهابٌ للعين نتيجة التعرُّض لأشعَّة الشمس والأشعَّة فوق البنفسجيّة المنعكسة من الثلج والجليد، وهو ما نعرفه شعبياً بقولنا: “بيضّت عنيه”، وهذه ظاهرة تُصيب الحيوانات بكثرةٍ، وخصوصاً الغزلان،  فتفقد القدرة على الرؤية بسبب الثلج ولذا يسهل الإمساك بها.

ويُعتبر الثلج شفاءً للناس وخيراً لهم أيضاً، فيتسارعون لأكله والتهامه بعد وصول العاصفة الثلجية. وقال الجاحظ: “الثلج يؤكل ويُشرب، ويقضم قضماً، ويُمزج بالأشربة، ويُدفن فيه الماء وكثير من الفواكه”. وفي الخليل مثلاً، يغمّسون الثلج بدبس العنب قبل أكله. كما يتمّ المُداواة به وعلاج الحروق منه، ويقوم البعض بتخزينه في الأواني حتى يُشرب ماؤه بعد الذوبان. ويُحدّد الوقت الملائم لأكل الثلوج أو تخزينها، ففي المثل يقولون: “أوّل الثلجة سَم، وثاني الثلجة دم، وثالث الثلجة كُل ولا تهتم”.

رمز النقاء

يُعتبر الثلج في الاعتقاد الشعبي طاهراً مُباركاً، ولهذا الاعتقاد ما يدعمه دينياً، حيث ورد في حديث الدعاء: “اللهم اغْسِلْ خَطاياه بماء الثَّلْجِ والبَرَدِ”، وإِنّما خصهما بالذكر تأْكيداً للطهارة ومبالغةً فيها لأَنهما ماءَان مفطوران على خلقتهما، لم يُستعملا ولم تنَلهما الأَيدي ولم تخُضهما الأَرجل، كسائر المياه التي خالطت التراب وجرت في الأَنهار وجُمعت في الحياض، فكانا أَحقّ بكمال الطهارة .

ولا يصلح الثلج المُداس بالأقدام للشرب، ونجده يُستحضر في المفاضلة الشعبية بين الفتيات السُمر والبيض، بالقول: “الثلج داسوه الفرسان، والفلفل بنحط ع مائدة السلطان”، ويصفون الفتاة البيضاء بالقول “بيضة مثل الثلج”.

ومن الأساطير المحكيّة عن الثلج قولهم: “إنّ الثلج في الأصل كان ينزل شبيهاً بالدقيق ناعماً لطيفاً، وذات مرةٍ قامت امرأةٌ مُستهترةٌ بمسح  طفلها بالثلج فغضب الله من فعلها، وجعله بعدها قاسياً شديد البرودة”.

أمّا حفظ الثلج وتخزينه قديماً،  فالأمر على ما يبدو لم يكُن مُقتصراً على الملوك، وتشير حكايةٌ خرافية إلى أنّ فلّاحاً أبصر ذات يومٍ امرأةً غريبةً عند عين الماء في طرف الجبل تحمل بيدها غربال قمحٍ تُحاول ملأه بالماء، وما أن تنهض من العين حتى يتسرب الماء منه. ويُحكى أنّها ظلّت على هذا الحال حتى يئست وأخذت تبكي، وهنا قام هذا الرجل بأخذ الغربال وتوجّه إلى مغارةٍ مُغلقةٍ بجانب العين وبدأ بملء الغربال من الثلج المخبئ بالمغارة، والذي يتمّ جمّعه بالشتاء ورصّه جيداً ليُستخدم في الصيف، ليتبيّن للرجل لاحقاً أنّها جنية وكانت تحاول تنفيذ شرط ملك الجن لإنقاذ زوجها من الأسر بأن تأتي له بالماء محمولاً بالغربال.

ونسبت الذهنية الشعبية لبعض الأولياء كراماتٍ كثيرةً حول الثلج، منها قدرتهم على تحويله إلى خبزٍ وتقديمه للفقراء. كما جعلوا للثلوج شيخاً “شيخ الثلج”، وكانوا يُخيفون به الأطفال الذين يُحاولون الخروج ليلاً للعب بها. وكان “شيخ الثلج” في اعتقادنا ونحن صبيةٌ صغار رجلاً كبيراً في السن، أبيض اللباس ذا لحيةٍ طويلةٍ تتساقط منها الثلوج.

موسم للبهجة

يستبشر الناس بالثلج ويفرحون به، ويقولون في المثل الشعبي: “إذا أثلجت أبهجت”،  لما للثلج من جمالٍ على الأرض وانعكاسٍ على النفوس، ولجملة منافعه العامة، ومنها أنّه يُسهم في زيادة وفرة المياه سواءً مياه الأنهار أو الينابيع أو المياه الجوفية، رغم أنه قد يتسبّب في إلحاق الأضرار بالمزروعات والخضروات.

ويخلق سقوط الثلوج جواً من البهجة والفرح، فسقوطه على شكل ندف القطن المنفوش يُبهج النفوس، ويُخرج الأطفال من بيوتهم للعب فيه، وأحياناً يُشاركهم الكبار اللعب، غير مبالين بالبرد، فيصنعون كرات ثلجٍ صغيرةً يرمون بها بعضهم البعض. ومن طريف ما يُذكر أنّه وخلال الانتفاضة الأولى، كان الشبان الفلسطينيّون يضعون دحاميس/ دقاميس الحجارة الصغيرة داخل كرات الثلج ويرمونها على جنود جيش الاحتلال.

ولأنّ الثلج غير دائمٍ في بلادنا، ولا يكون سقوطه بالعادة كثيفاً ولا يتراكم لفتراتٍ طويلة، كانت الناس تؤرّخ به، وكلّنا سمع عن سنة “الثلجة الكبرى”، فيُقال “وُلِد فلان سنة الثلجة الكبرى”. ولعلّ أشهر ثلوج بلادنا كانت في سنوات:  1911، 1920، 1932، 1940، 1950، 1992.

وتقول الروايات الشفوية إنّ الناس وجدت مشقةً في هذه السنين في إزاحة الثلوج التي تراكمت إلى حدّ إغلاق الأبواب، ولهذا يستعدّ الجميع كلّما سمعوا عن عاصفةٍ ثلجيةٍ ويهيّئون معاوِلهم وأدواتهم، ومن هنا جاءت المقولة الشعبية: “الثلج ع الأبواب”.

على العموم، فإنّ الثلوج في فلسطين لا تدوم طويلاً، وعواصفها لا تستمرّ لأكثر من أيامٍ معدودة، ولذا جاء التعبير: “بكرا بيذوب الثلج وببيِّن إللي تحته” أو “بكرا بذوب الثلج وببان المرج”. وشبيهٌ به قولُ المماطل الذي لا يُريد سداد الدين “سَجّل على لوح الثلج” لأنّ الثلج سيذوب ويختفي ما كُتِب عليه.

وبسقوط الثلج، يرتفع البرد الشديد عن الأرض ويهدأ الجوّ، ونُعبّر عن ذلك بالقول: “إذا أثلجت أفرجت” و “إن باظت طابت”، ويتسارع الجميع للعب فيه ودحرجة كراته من المرتفعات وأعالي الجبال.