الخليل

ننشر هذا النص ضمن زاويتنا المُصوّرة الجديدة "احكيلي عن بلدي"، إذ تأخذنا ياقوت طرمان، من خلاله، إلى جولةٍ في جوانب بلدة الخليل القديمة وحارة غيث والسلايمة، وما يتخلّلهما من حواجزَ صهيونيةٍ تعرقل الحركة بين الفينةِ وأختها، فضلاً عن تلك الحواجز المعنوية التي خلقتها سطوة التقسيمات الاجتماعية في الخليل ما بين "الفوقا" و"التحتا"، فاتحةً الطريق أمام مزيدٍ من تجبّر الصهاينة على أهل المنطقة المحفوفة بالحواجز من كلّ حدبٍ. وإن حدّثتك نفسُك ذات يومٍ أن تزور الحرم الإبراهيمي، أو تطأ قدماك ناحية البلدة القديمة، فسينالك الكثير من الشجن والمشاعر المتضاربة، فضلاً عن ترحاب أهلها الودود الطامع في الزائر العزيز النادر.  

أخذ نفساً عميقاً، عميقاً جداً، ونظر إلى الأفق. تأمّل تلك المنطقة الجبلية الوعرة غرب الخليل، أراضي دولته الخاصة "شِعْب المِلح"، [1] دولة عبد الحليم الجولاني (الجيلاني) الملقّب بـ"الشَلَف". تأمّل جبالها ووديانها وتعاريجها الطبيعية الخلابة، واستذكر مُغُرها وتقسيمات الثوار فيها؛ مغارة محكمة الثورة، ومغارة السجن، ومُغُر مخازن السلاح، وأخرى لمهاجع مُقاتلي الجيش العربي الجنوبي بقيادته. كانت هذه دولة "الشَلَف"، وكان هو حاكمها المطلق.

يُعرف وقت الدبس برطوبة الصباحات التي تبدأ منتصف آب، وتستمرّ حتى أواخر أيلول، فتصطدم بوجهك، وتُشعل فيك الحنين لما مضى. في هذا الوقت من السنة، يصل العنب حدّه الأخير في الحلاوة، التي لا تتحمّلها الأفواه، ويصبح ناضجاً بما فيه الكفاية وغنيّاً بعصيره ليُصبح دبساً.

كيف وصل الصهاينة إلى جثث المستوطنين الثلاثة؟

تهدف هذه العجالة إلى تقديم نموذج متواضع لمعرفة العدو بالاستناد إلى الوقائع المحددة ومن مصادره الأولية المتاحة، من أجل أخذ العبر والدروس في معركتنا الطويلة معه، وذلك بالنظر إلى محورية اكتشاف مكان الجثث الثلاث في الحدث.

في 14 كانون الثاني 1948، فشل العربُ في هجومِهم الأوّل على مجمع "كفار عصيون" الاستيطاني المُحاصَر. فبالرغم من عدد المُهاجِمين الكبير نسبياً، إلا أن سوءَ التخطيط والتنظيم وعدم وضوح الهدف، حَوَّلَ الهجومَ إلى كارثةٍ أوقعتْ العشرات ما بين شهيدٍ وجريحٍ، وعمّتْ حالةُ الحدادِ والإحباطِ في الخليل والقدس. ولكن بعد أقل من 48 ساعة، تبدّل الحالُ مع بدء تواترِ الأخبار المُفرِحة القادمةِ من صوريف.

Subscribe to الخليل