يعرّفنا أحمد النمر في هذا المقال على صاروخ الاغتيالات الأمريكي الجديد، الشهير بـ “صاروخ النينجا”، وذلك بالاعتماد على النتائج التي نجمت عنه في المرات التي استُخدم فيها في كلّ من سوريا واليمن، مناقشاً الهدف من ورائه وموقعه في المنظومة العسكرية الأمريكية.

في الخامس من كانون الأول من العام 2019، أقدمت قوات التحالف الدولي في سوريا، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، على اغتيال قياديٍّ في هيئة تحرير الشام في إدلب. ومن المعروف أنّه يتمّ توظيف ذريعة محاربة تنظيم “داعش” في العراق والشام أمريكياً لاستهداف قياداتٍ في تنظيماتٍ إسلاميةٍ مختلفةٍ تنشطُ في ساحة القتال السورية، مثل هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) وحركة أحرار الشام وجيش الإسلام وغيرهم. لم يكُن فعل الاغتيال حدثاً جديداً بعينه، ولكن يُمكن اعتبار السلاح المستخدم لتنفيذ عملية الاغتيال سلاحاً جديداً، وأحد أحدث أدوات القتل في كتاب محاربة التمرّد الأمريكي.

صاروخ “النينجا”، قد يبدو الاسم في البداية نتاج خيال محرّرٍ ملّ من رتابة أخبار الحرب القادمة من سوريا خلال السنوات التسع الماضية، ولكن عند إجراء بحثٍ سريعٍ حول الصاروخ واستخداماته السابقة، نجد أنّ اسم “النينجا” الذي أطلقته عليه وسائل الإعلام يناسبه بشكلٍ كبير؛ إذ لا يأتي الصاروخ مزوّداً بشحنةٍ متفجّرة، بل بست شفراتٍ فولاذيّةٍ تشبه السيف. أمّا الاسم الرسميّ المُعلَن لصاروخ الاغتيال الصامت فهو (AGM-114R9X Hellfire)، أحدث أفراد عائلة الصواريخ الأمريكية “هيلفاير” الأكثر شهرةً.

دخلت صواريخ “هيلفاير” (Hellfire) الخدمة العسكرية عام 1994 كصواريخ أرض-أرض وجو-أرض. تمّ تطويرها في البداية كصورايخ مضادّةٍ للدروع يتمّ إطلاقها من الطائرات المروحية وتوجيهها باستخدام الليزر الموجّه، خصوصاً نظام (Fire and Forget)، أو  “أطلق النار وانسَ”،  وهو نظام توجيهٍ يُستخدم فيه الليزر لتحديد الهدف، ويعمل الصاروخ بدوره على توجيه نفسه بنفسه بدون أيّ تدخلٍ بشريّ إضافي بعد الإطلاق. أُجريت لاحقاً تعديلاتٌ على صواريخ “الهيلفاير” لتصبح متعدّدة الاستخدامات، ومتعدّدة الأهداف أيضاً، ليتمّ اعتمادها رسميّاً لاستخدام الطائرات بدون طيار، مثل طائرات “بريديتور” و”الريبر”، وذلك بسبب مناسبة خاصيّة التوجيه (Fire and Forget) لعمل الطائرات بدون طيار.

اعتمد الجيش الأمريكي صاروخ (AGM-114 Hellfire) بشكلٍ واسعٍ لتنفيذ الاغتيالات واستهداف القيادات في تنظيم القاعدة و طالبان، ولاحقاً “داعش” وتنظيم الشباب في الصومال. كما استخدم العدوّ الصهيوني الصواريخ نفسها لإسقاط طائرةٍ مدنيّةٍ خفيفةٍ قادمة من لبنان عام 2001، وإسقاط طائرةٍ بدون طيار إيرانيةٍ عام 2018، ووظّفها في استهداف قيادات المقاومة الفلسطينية، مثل عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين عام 2004.

دخل التطوير الجديد على صاروخ (AGM-114R9X)، المعروف بصاروخ “النينجا”، الخدمةَ العسكريّة بشكلٍ سرّيّ في عام 2017، عندما تمّ استخدامه لاغتيال القيادي في القاعدة أبو الخير المصري في معسكر المسطومة في ريف إدلب، ولكن لم يُعرف في حينها حقيقة الصاروخ الذي دمّر الهدف دون انفجارٍ تاركاً علامةً على شكل صليب (+) على سقف السيارة المستهدَفة.

وفي الأول من كانون الثاني 2019، وفي اليمن تحديداً، ظهر الصاروخ مرةً أخرى بصفاته المُميّزة، قُتل الشخص المُستَهدف بدون انفجار وتُركتْ علامة (+) على المركبة المستهدفة، وذلك عند عملية اغتيال جمال البدوي، الذي يُعتقد أنّه أحد قادة تنظيم القاعدة وتتّهمه الولايات المتحدة بالوقوف خلف الهجوم على المدمّرة الأمريكية (USS Cole) عام 2000.

كانت الشخصيات المستهدَفة تستقلّ مركباتٍ مدنيّة غير مصفحة، ممّا سهّل على الصاروخ اختراق السطح مخلّفاً علاماتٍ مُميّزة على شكل صليب (+) وآثار قصٍّ على جسم المركبة المستهدفة. وأظهرت بقايا الصاروخ شفراتٍ حادّة شبيهة بالسيف، ووظيفتها غالباً التأكّد من اختراق سطح المركبة المستهدَفة بشكلٍ كليّ، وقتل من فيها بشكلٍ لا يقبل الشك.

كما لا توجد معلوماتٌ تحدّد متى تخرج الشفرات من الصاروخ، وإنْ كانت تخرج من موقعها قبل الاصطدام أم حال ملامسة الهدف. وبغض النظر، وفي كلا الحالتين، يتمّ “تدمير” الهدف باستخدام الطاقة الحركية التي يحصل عليها المقذوف منذ لحظة انطلاقه وحتّى إصابته الهدف، حيث يطير صاروخ “هيلفاير” بسرعةٍ تتجاوز 440 مترٍ بالثانية، وهي سرعةٌ كافيةٌ لتوليد طاقةٍ مدمّرةٍ قادرةٍ على اختراق سطح العربات المدنيّة وتدمير الهدف بدون الحاجة للشحنة المتفجّرة.

 

يحيط الصاروخ الكثير من السريّة، إذ لا توجد معلوماتٌ أمريكيةٌ معلنةٌ بشكلٍ رسميّ حوله، ويبدو أنّ أجهزة الاستخبارات ووزارة الدفاع الأمريكية تبذل جهدها للتكتّم حوله. فمعظم ما نعلمه عنه مصدره تسريباتٌ من بعض الضبّاط والقيادات العسكرية، وتحليلٌ من عددٍ من الصحفيين وخبراء السلاح لآثار الصاروخ على الأهداف.

اعتقد الصحفيون والمراقبون العسكريون في البداية أنّ ما قتل أبو الخير المصري عام 2017 كان صاروخ “هيلفاير” تقليديّ فشل بالانفجار، على الرغم من أنّ شكل الفتحة التي خلّفها الصاروخ في جسم المركبة المستهدَفة أثار انتباه العديد من المراقبين.  وبعد استخدام الصاروخ عام 2019، ونشْر مقالٍ في صحيفة “الوول ستريت جورنال” الأمريكية، أُثبت للصحفيّين وجود صاروخٍ جديدٍ من نوعه، وتمّ ربطه بعمليات اغتيالٍ سابقةٍ مختلفةٍ في اليمن وسوريا.

وكانت الصحيفة الأمريكية قد نشرت تقريراً حول صاروخ “النينجا” في التاسع من أيّار العام الماضي، تُفيد فيه بأنّ العمل على تطوير الصاروخ قد بدأ خلال إدارة “أوباما” الليبرالية، والتي تبنّت محاربة التمرّد كمنهجٍ لمحاربة التنظيمات الإسلامية والمقاوِمة من أفغانستان إلى اليمن والصومال.

وبحسب التقرير، يهدف الصاروخ إلى تنفيذ اغتيالٍ دون التسبّب بأيّ خسائر ثانويةٍ بالأرواح أو الممتلكات التي يُحدثها انفجار الصاروخ التقليدي، ولكنّه يتطلّب توفّر معلوماتٍ دقيقة عن الهدف ومحيطه.

قد يبدو الدافع من وراء هذا الصاروخ “نبيلاً” للوهلة الأولى. ولكن في الحقيقة، إنّ محاولة “مكافحي التمرّد” تقليل الإصابات الجانبية هي في جوهرها خيارٌ تكتيكي واستراتيجي ومحاولةٌ للتخفيف من عداء المجتمع المحليّ في المنطقة المحتلّة إزاء القوة الاستعمارية، وتحييده عن الصراع عبر ممارسة العنف الناعم. إذ يهدف الأخير إلى تجفيف بحر الجماهير وعزل “المتمرِّد” عن قواعد الدعم الجماهيرية من خلال تحسين حياة المجتمع المتعاوِن والضغط على المجتمع الذي يصدر عنه أيّ فعلٍ متمرّدٍ، بينما تتمّ ممارسة العنف المُطلق ضدّ العناصر المتمرِّدة المسلّحة فقط.

تعزّز هذة الممارسة الادّعاء الاستعماريّ بأنّ هذه الحروب هي فقط ضدّ “الإرهابيين”، ولا علاقة للمجتمع المحتلّ بها، فهو بحسب هذا الادّعاء “رهينة المتمرِّد وضررٌ جانبيّ لعنف القوّة الاستعمارية”. يصف أحد الضباط الأمريكيين هذا “الابتكار” للصحيفة الأمريكية بالقول:  “مع معلوماتٍ استخباريةٍ مُمتازة، بالإضافة إلى هذا الصاروخ، ستكون لدينا أداةٌ ممتازةٌ لاستهداف الإرهابيين الذين يختبئون بين النساء والأطفال للابتعاد عن أيدينا”.

وبالتأكيد، لم يكُن وجود النساء والأطفال عاملاً رادعاً لإيقاف أيٍّ من عمليات الاغتيال التي نفّذتها القوى الاستعمارية الغربية، سواءً في فلسطين أو العراق أو أفغانستان أو اليمن. فعلى سبيل المثال، انتهت العديد من حفلات الزفاف في أفغانستان واليمن بمجازر على يد الطائرات المسيّرة الأمريكية، واكتفت المنظومة الأمريكية بإنكارها أو تبريرها، أو قدّمت اعتذاراً خجولاً عنها. أمّا الطائرات المُسيّرة، فتواصل عملها المتمثّل بحصد المزيد من الأرواح. فطيّارو الاحتلال، كما طياري القوات الجوّية الأمريكية، لا يشعرون إلا باهتزازٍ طفيف عندما يتمّ إطلاق الصاروخ من الطائرة، بينما لا يشعر طيّارو/مشغّلو الطائرات بدون طيار بشيءٍ على الإطلاق.

استُخدم صاروخ “النينجا” الأميركي في ثلاث عمليات اغتيالٍ مباشرةٍ استهدفت ثلاث مركباتٍ في الشمال السوري خلال الأسابيع الماضية. يُشير ازدياد استخدام الصاروخ في الآونة الأخيرة إلى ارتفاع ثقة القيادة العسكرية الأمريكية في سلاحها الجديد وقدراته المُقاتلة. كلّ صاروخٍ يصيب هدفه بدقةٍ وبدون إصاباتٍ جانبية، ويُمكن لوم وقوع “ضحايا ثانويّين” مباشرةً على المعلومات الاستخباريّة الواردة حول الهدف من على الأرض. أن يصيب كلّ صاروخٍ هدفه بشكلٍ “نظيف” هو حلمٌ “هوليوودي” أصبح حقيقة.

كما يبدو أنّ مستخدمي هذا السلاح حريصون على الحفاظ على سريّته وطبيعته الغامضة، ولعلّ في هذه السريّة فوائد جمّة. ولكن في المقابل، وبالإضافة إلى دراسة تأثيراته ووظيفته العمليّة في سير المعارك، من المهم دراسة الجوانب غير المرئية في الصراع، وتحديداً في مجال الحرب النفسية وقوة الردع وما يُمكن أن يعكسه على تكتيكات الحركة والاختفاء ونُظم القيادة والتحكّم، وما يُمكن أن يمثله هذا “الاكتشاف” في الحروب ضدّ الجيوش والتشكيلات غير النظامية.

المصادر:

تقرير صحيفة “ووال ستريت جورنال” الأمريكية  حول الصاروخ، نُشر بتاريخ 9/5/2020، رابط.
خبر اغتيال أبو أحمد المهاجر. موقع “عنب بلدي”،  نُشر بتاريخ 15/12/2019، رابط.
تقرير يوضّح استخدام صواريخ “الهيلفاير” في اغتيال الشيخ أحمد ياسين. صحيفة “الجارديان” البريطانية، نُشر بتاريخ 23/3/2004، رابط .
خبر حول إسقاط الطائرة اللبنانية.  “سي إن إن”، نُشر بتاريخ 24/5/2001، رابط.
صور من عملية الاغتيال في إدلب، نُشرت بتاريخ 14/6/2020، رابط.
خبر حول الاغتيالات الثلاثة الأخيرة في الشمال السوري، بتاريخ 15 حزيران، و20 حزيران، و18 تمّوز 2020.  “سبوتنيك نيوز”، نُشر بتاريخ 21 تمّوز 2020، رابط.