قمر أيلول: الشهيد محمد عزيز رشدي

15-09-2019
-A A +A


هكذا الدّم ورابطته الإنسانيّة الصلبة، يتشكّل الأشخاص على رائحة بارود من تربطهم به علاقة الدّم،  فيولد الطفل ومعه ما ليس منه له.  حبيب عزيز، الأخ الأصغر مباشرةً للشهيد محمد عزيز رشدي، يُنجب طفلاً ويُسمّيه: محمد عزيز، حسبما جرى عُرف العائلة أنّ كلّ محمد مركبٌ اسمه بعزيز. كبر الطفل على سماع حكاية عمّه الشهيد، وهو شابٌ اليوم أمام الذكرى الـ 26 لاستشهاده ومن يخطّ ّالآن إليكم ما هو آتٍ من سطور.

أسيرُ لألملم التفاصيل وألتقطها، تزرعني وأزرعها، كيف كان يمشي؟ أين درس؟ كيف كان المسجد بالنسبة له؟ مكانةُ أمه عنده، علاقته برفاقه، أثر النكبة ومُخيم العروب عليه،  قتاله حتى النفس الأخير، استشهاد جدّتي بعده بـ 21 عاماً..  ولذلك وأكثر؛ يكتبني هنا "الحاج بركات"، أحد قادة بواكير العمل العسكريّ لكتائب الشهيد عز الدين القسّام في جنوب الضفة الغربيّة، القائد العسكريّ وصاحب الحكاية المنسيّة الذي أعدّ وأشرف على عشرات العمليّات الفدائية، وارتقى شهيداً في اشتباكٍ مسلّحٍ بعد ساعاتٍ من توقيع اتفاقيّة أوسلو.

****

المساء الأخير: قتالٌ حتى الشهادة

أوعز الجنود للسيارة بالتوقّف، همس محمد عزيز رشدي لرفاقه بالهدوء والرويّة. سلاح "الجاليلو" يكمن في جيب باب السيارة الأيسر متيقّظاً لأيّ طارئ. أمر الجنديُّ الخليةَ بالترجّل من السيّارة، واقفًا عند الباب الأمامي الأيسر، حيث فوّهة بندقية الحاج بركات موجّهةً إلى السماء عبر جمجمته. وبينما أوهم محمد عزيز الجنديّ بأنّه كان يهِمّ بالنزول، زغرد "الجاليلو"، سقط الجندي. وعلى دويّ سقوطه، بدأت المعركة الثانية في ذلك اليوم. أجهزت الخليّة على الجنود الخمسة ولكنّها لم تنتبه للجندييْن اللذين كانا على التلّة … حرارة أيلول وسماءٌ موشحةٌ بصباغ الموت، إنّها الرائحة التي خيّمت على البلاد كثيراً، رائحة الرحيل. إنّه المساء الأخير للشهيد محمد عزيز رشدي "الحاج بركات"، وهذه معركته الأخيرة.

يومٌ كسائر الأيّام له قمةٌ وقاع، قاعه أجواءٌ احتفاليّةٌ بـ"حلول السلام" وقمّته سيارةٌ بيضاء اللون تسري بخمسة رجالٍ إلى التاريخ بخمس بنادق آليّةٍ. المقود في يد خالد الزير، الحاج بركات في المقعد الأمامي بجانبه، يستأنس كلٌ من محمد طقاطقة وعبد الرحمن حمدان وإبراهيم سلامة بملاطفة الزناد وأدعية الجهاد في المقاعد الخلفيّة.

أصرّ الشهيد محمد عزيز رشدي على المشاركة في هذه العمليّة التي استهدفت مستوطنة "ماتسادا"، الجاثمة على تلال وادي سعير، على الرغم من رفض رفاقه لذلك خوفاً عليه ولمركزيّة دوره حينها كنقطة اتصالٍ بين عددٍ من الخلايا القسّاميّة. قضت الخطّة برصد آليّةٍ عسكريّةٍ صهيونيّةٍ وقتل من فيها واغتنام أسلحتهم. نجحت سيارة الخليّة في الوصول إلى المكان، الآلية المرصودة في موقعها، بالتكتيك "الفالوجيّ" قتلت الخليّة ثلاثة جنودٍ وأكملت سيرها حتى اعترضها حاجزٌ عسكريٌّ فيه خمسة جنودٍ لم يصلهم خبر العمليّة بعد، "لسوء حظّهم".

أُصيب الحاج بركات أثناء العمليّة في كفّه الأيسر وهو يحاول ردّ النار، أمر سائق المركبة بالانسحاب السريع من المكان، لتهوي السيارة بعدها في انحدار الوادي. الحاج بركات في حالة إغماءٍ إثر إصابةٍ بالغةٍ في الرأس، ينهمك أفراد المجموعة بين المراقبة ومعالجته، يستعيد الحاج بركات وعيه، محمد طقاطقة يتفقّد مخزن سلاحه ويزوّده بالذخيرة، يتعكّز عليه وينتشر البقيّة في الجبل للاحتماء.

ترك الشهيد إبراهيم سلامة سلاحه في المركبة بعد إصابة قدمه، ونزف الحاج بركات الكثير من الدم فيها أيضاً. بدأت التعزيزات الصهيونيّة بالوصول للمكان، وأشار الدم والبندقية إلى أنّ هناك من يمكنهم اللحاق بهم، لا سيّما أنّهم توقّعوا أن تكون خليّة محمد عزيز رشدي وراء العمليّة، يصرخ أحدهم فرحاً: "قتلناه قتلناه". وما أن بدأوا بالبحث عن المجموعة بعدما لملموا قتلاهم وعدم يقينهم.  يتسلّق إبراهيم سلامة شجرةً بقدمٍ مكسورةٍ ودون سلاحٍ، محمد طقاطقة وعبد الرحمن حمدان وخالد الزير يجادلون الحاج بركات في قرار بقائه وانسحابهم، فيقول لهم "لم أستخدم إمارتي عليكم طوال صحبتنا، أما الآن فهذا أمرٌ عسكريٌّ بالانسحاب، فضعوا لي الذخيرة هنا وانسحبوا".

تنفّذ المجموعة الأمر، يشتبك الحاج بركات مستّتراً وراء صخرة، يحاول أن يكون من" بني المغيرة "، يُفرغ  مشط رصاصٍ من شمال الصخرة ومشطاً من يمينها؛ ليظنّ العدوّ أنّه مجموعةٌ وكي يغطي على مجموعته أثناء الانسحاب. إن جيشاً من الأصوات يلجّ في سماء الجبل، "الآباتشي" تتحرك هاهنا، تعكّر زرقة سمائنا، الحاج بركات يُطلق ناره …. . أسكتت "الآباتشي" المكان. من موقعه  العلويّ، يقول الشهيد الشاهد إبراهيم سلامة: "لقد ارتطمتْ به حمولة "الآباتشي"، ولحقتها الرصاصات التسع مغلقةً  أكثر ملفات "الشاباك" التهاباً وأكثرها إرباكاً للأجهزة الأمنية الصهيونيّة في مدينة الخليل آنذاك؛ "الحاج بركات" الاسم الحركيّ للعقل المدبّر لعشرات العمليّات الفدائيّة، ومن استضاف محمد الضيف في مخيّم العروب ويسّر تحركات الشهيد يحيى عيّاش في جنوب الضفة.

خلف تلك الصخرة، وفي ذلك اليوم، سطع محمد عزيز رشدي في سماء الخليل وحوّل وادي سعير إلى روضةٍ  بعدما توقّف تصاعده القدريّ عند عمر الـ 24، وهو المولود في إحدى غرف وكالة الغوث المركّبة في الحارة العلويّة من مخيّم العروب.

نشأةٌ من نار

عودٌ على بدء، وُلد محمد عزيز رشدي في عام 1969 في مخيّم العروب، قرب مدينة الخليل، لأبٍ وأمٍّ لجآ من  قريةٍ خضورَةٍ معطاءةٍ وعنيدةٍ، قرية الفالوجة قضاء غزّة. [1] نشأ في المخيّم وعُرف خلال شبابه بارتباطه بالمسجد، وآمن بدوره الهام في إعداد الفرد وتنشئته تنشأةً عقائدية فكريّةً متينةً.  وفي الوقت الذي كانت تُحظر فيه التجمّعات الشبابيّة في النوادي خوفاً من تشكيل خلايا مسلّحةٍ لمهاجمة الأهداف والتجمّعات الصهيونية، بدأ محمد عزيز رشدي جمع الشباب في المسجد وتنظيم المسابقات الرياضيّة. وعُرف الشهيد بلياقته البدنيّة العالية، كما كان يحمل الحزام الأسود في الكاراتيه.

أنهى محمد عزيز تعليمه الأساسيّ في مدارس المخيّم، وامتاز بسرعة بديهته وتفوّقه في دراسته. ومع اندلاع انتفاضة الحجارة، بدأ نجم شخصيّته القياديّة بالسطوع في المخيم، وانخرط في اشتباكاتها ومختلف فعالياتها من إغلاق الشوارع والكتابة على الجدران إلى قذف قوات الاحتلال وسيارات المستوطنين بالحجارة و"المولوتوف". كان محمد عزيز رشدي حريصاً على أن يبقى في البلاد، لكنّه ارتحل إلى الأردن بعد نجاحه في الثانوية العامة وإصرار الأهل لإكمال دراسته هناك، وسرعان ما أعاده حنينه لحضن الوطن في عام 1988.

بدأت حكاية انخراطه في العمل المقاوم فور عودته من الأردن وتعرّضه لتجربة الاعتقال الأولى، كان ذلك عندما كان السجن ساحةً مهمّةً للتفاعل السياسيّ والتنظيم والتخطيط العسكريّ. توجّه بعدها إلى مدينة رام الله، حيث درس الرياضيات في معهد المعلّمين، وأصبح ناشطاً معروفاً في العمل الإسلامي والنقابيّ وأميراً للكتلة الإسلاميّة، الذراع الطلابيّ لحركة حماس. اعتُقل الشهيد محمد عزيز خمس مرّاتٍ على خلفيّة نشاطه وعمله المقاوم، تعرّض خلالها لويلات التحقيق القاسي والتعذيب ولكنّه سرعان ما كان يتأقلم مع حياة الأسر ليصبح من أبرز قيادات الحركة الأسيرة.

يروي رفيق دربه محمد طقاطقة كيف كانت قضيّة تحرير الأسرى بشكلٍ عام، والشيخ أحمد ياسين بشكلٍ خاص، أهم العناوين التي اتّجهت لها مسيرته النضاليّة، فضلاً عن الإيمان الراسخ بالمقاومة المسلّحة كلغة التفاوض الوحيدة مع العدوّ الصهيونيّ.

ويُجمع رفاقه على أنّه كان صاحب شخصيّةٍ طيبّةٍ خلوقةٍ وقياديّةٍ ويحتلّ مكاناً في قلب كلّ من عرفه، يصفه تيسير سليمان: "حاسمٌ في الجانب العمليّ وأكثر إقداماً في الصفوف الأماميّة، تظنّه إنسانٌ حازمٌ وسرعان ما تكتشف أنّه حنونٌ يحب الجميع ويتعامل معهم من منطلق الأخ الكبير أو الأب". أما صلاح عثمان فيقول: "محمد عزيز كان أمّنا، باختصار، كان أباً وأخاً وصديقاً، نادر ما تلاقيه زيّه.. أنا بشبهه للأخ أبو خالد الضيف".

عندما هزّ الحاج بركات "إسرائيل"

في أواخر الثمانينيّات، ومع تصاعد انتفاضة الحجارة من جهةٍ وظهور إشارات التوجّه لتسويةٍ سياسيةٍ من جهةٍ أخرى، كانت الفصائل الفلسطينية الرئيسية قد شكّلت أجنحةً عسكريّةً خاصّة بها، [2] والتي نفّذت معظمها عملياتٍ عسكريةً موجعةً ضدّ العدوّ. ومع تطوّر التجربة العسكرّية لهذه الأجنحة وبدء مسار التسوية "أوسلو"، صعّدت الأجنحة العسكريّة الرافضة لنهج أوسلو، والذي عبّرت عنه حركتي حماس والجهاد الإسلاميّ بشكلٍ منظّمٍ، عملياتها العسكريّة ضدّ العدوّ بوصفها أبرز أدوات الاعتراض على هذا النهج.  وفي المقابل، دفعت سلسلة العمليّات الفدائيّة المتصاعدة بقوات الاحتلال إلى رفع جهوزيتها وتشديد إجراءاتها  ما أدّى إلى زيادة صعوبة تنفيذ العمليّات، لا سيّما في ظلّ قلّة السلاح وصعوبة الحصول عليه.

آمن الشهيد محمد عزيز رشدي بضرورة تواجد الخلايا العسكريّة "في كلّ قريّةٍ ومخيّمٍ وعلى رأس كلّ جبل"، وركّز في عمليّاته على اغتنام الأسلحة النوعيّة لاعتقاده بقدرتها على تغيير موازين الصراع. ازدادت الخلايا المسلّحة عدداً وانتشاراً بسلاحٍ قليلٍ ولكن نوعيّ وتعاونت فيما بينها على تأمين السلاح، فمثلاً عمل الشهيد على نقل قطعة سلاحٍ من الخليل إلى نابلس مروراً بالقدس لتنفيذ عمليّةٍ في الشمال، وإرجاعها إلى خليّته.

كما شكّل الشهيد حلقة وصلٍ بين العديد من الخلايا القسّامية في الضفة الغربيّة والقدس وكان بمثابة نقطة التقاءٍ لعددٍ من كبار المطارَدين، كمحمد الضيف ومحيي الدين الشريف. وبهذا الشأن، يستذكر رفيق دربه صلاح عثمان كيف أخبرهم ذات يومٍ أنّه سيجلب معه أخاً يُدعى "أبو صهيب"،  ليكتشفون لاحقاً أنّه الشهيد يحيى عيّاش.

أدرك العدوّ خطورة محمد عزيز رشدي ليصبح على رأس قائمة المطارَدين، يذكره "اسحق رابين"، في ظهورٍ تلفزيونيٍّ بالقول: "لا حماس، ولا أحمد ياسين، ولا محمد عزيز يستطيعون هزّ "دولة إسرائيل". ( نسبت مصادر العدوّ 53 عمليّةٍ للشهيد).

الحاج بركات بين المطاردة وهندسة العمليّات

بدأت مطاردة الشهيد محمد عزيز رشدي فور علم المخابرات بتجنيده للشهيد ماهر أبو سرور وإرساله لقتل ضابط المخابرات الصهيونيّ "حايم خماني" الملقّّب بـ "عفيف"، والذي كان لمقتله عظيم الأثر على المجتمع الصهيونيّ عامةً وعلى جهاز المخابرات الصهيوني  خاصةً. أخطأ الضابط الصهيونيّ "عفيف" عندما عرض على الشهيد أبو سرور، خلال أسره،  الارتباط بجهاز "الشاباك" وتقديم المعلومات له. وافق الشهيد أبو سرور على العرض، وأخبر الشهيد محمد عزيز رشدي بموافقته ليجنّده كعميلٍ مزدوجٍ ويرسما سويّةً خطّة قتله، وكانت الغنيمة مسدس "نحماني" وحقيبةً مليئةً بمعلوماتٍ أمنيّةٍ وأسماء العديد من عملاء المنطقة. شكّلت العمليّة صفعةً مدويةّ ومؤلمةً دفعت برؤساء الجهاز و"رابين"، الذي كان يشغل منصب وزير "الدفاع" في حكومة الكيان حينها، للمطالبة بإعادة ترتيب أوراق الجهاز الاستخباراتيّ الصهيونيّ بما يضمن سلامة أفراده وعناصره.

وفور علم جهاز المخابرات أنّ "الحاج بركات" كان العقل المدبّر وراء قتل "الكابتن عفيف"،  اقتحمت قوات الاحتلال منزل عائلته في مخيّم العروب، كانت آذان المقاومة وعيونها حينها مستنفرةً في كلّ أرجاء المخيم لحماية محمد عزيز رشدي الذي تمكّن من الفرار، لتبدأ  مطاردته بوتيرةٍ تزداد بذات النسبة التي ترتفع فيها دقّات قلب أمّه "أم نعيم".

ومع مرور نحو خمسة أعوامٍ على اعتقال وعزل الشهيد الشيخ أحمد ياسين، شرعت الخليّة القسّاميّة، بقيادة محمد عزيز رشدي، التخطيط لعمليّة خطف رهائن بهدف مبادلتهم بأسرى، على رأسهم الشيخ ياسين والشيخ عبد الكريم عبيد [3] والأسيرة المحرّرة عطاف عليان وقائمة تضمّ عدداً من أصحاب الأحكام العالية من مختلف الفصائل الوطنيّة،  بقيادة الشهيد ماهر أبو سرور ومشاركة الشهيد محمد الهندي والمجاهد صلاح عثمان. يخطب الشهيد محمد عزيز برفاقه، قبل تنفيذ العمليّة بيومٍ واحدٍ، ويقول: "هناك من يقع عن حماره ويموت.. وهناك من تضربه سيارةٌ ويموت ... وهناك عميلٌ يُقتل ويموت، وشتّان بين ميتةٍ وميتة.. إنّها ميتة واحدةٌ فلتكن في سبيل الله".

كما يوضّح الشهيد محمد عزيز رشدي تصوّره للعمليّة:  "أخبرْنا إخواننا [في كتائب الشهيد عز الدين القسّام] بأنّنا لا نريد أن نضع كلّ إمكانياتنا في هذه العملية، فإن لم تستجِب "إسرائيل"، سنذيقهم في الأيام المقبلة -وكما عاهدنا أبناء الشعب والله-  من نفس الكأس التي يذيقون منها الشرفاء". ويوجّه في رسالته كلمةً إلى من يفاوض العدوّ رضوخاً باسم الشعب: "نوضّح لهم أنّ هناك طريقاً آخر للتفاوض، وهذا ما نقوم به.. .مصرّون على المضي في هذا الطريق وأن نعطي درساً نمثّله بدمائنا ليستوضحوا هذه الطريق".

الأوّل من تمّوز 1993 هو يوم التنفيذ، تُعِدّ الخليّة العبوات الناسفة، وينطلق الشهيد ماهر أبو سرور والشهيد محمد الهندي والمجاهد صلاح عثمان من قرية "مراح رباح" في بيت لحم متّجهين إلى القدس، وبالتحديد التلّة الفرنسيّة.  يودّع الأخ أخيه ويوصي الشهيد رفيقه بوصيته، لتصلنا وصاياهم مصوّرةً ونحفظها عن ظهر قلب.

كانت الخطّة أن يستقلّ الشهيد محمد الهندي الحافلة متنكّراً بزيّ جنديٍ ويُفاجأ كسائر المختطَفين، بينما يعلن الشهيد ماهر أبو سرور عن عملية الاختطاف، ويأمّنه صلاح عثمان الذي كان يملك مفجَّر العبوّات، إذ قضت الخطّة بتفجير الباص في حال فقدان السيطرة. وقع الاختيار على الحافلة رقم 25، استلّ أبو سرور رشاشه الـ  “m16" وبدأ بإطلاق الرصاص نحو سقف الباص، معلناً عن العمليّة.  بدأت الأمور بالخروج عن السيطرة بعدما أصابت رصاصةٌ عثمان وأفقدته الوعي وحالت دون تفجير الباص، ترجّل بعدها أبو سرور والهندي عن الحافلة بعدما ظنّا أنّ رفيقهما قد استُشهد،  وسيطرا على سيارة إحدى المستوطنات وصولاً إلى مفترق "جيلو" في بيت لحم. لفتت المستوطنة نظر جنود الاحتلال على الحاجز ما استدعى انتباه المجاهديْن اللذين سارعا بالاشتباك المسلّح، أصابت خلاله رصاصة أحد الجنود بعض العبوّات الناسفة  لتنفجر السيارة ويستشهد القساميان وتُقتل المستوطنة.

أبعد العدوّ صلاح عثمان إلى غزة بعدما ظنّ أنّ حالته ميؤوسٌ منها، ولكنّه تمكّن من العيش، مشلول الجسد وحرّ الروح والفكر.  لم يُكتب للعمليّة النجاح، لكنّه، وبعد سنواتٍ طويلةٍ على تنفيذها، يقول والعزيمة تحدوه: "لو قدّر الله لي أن أنهض عن الكرسي المتحرك، فسأكرّر-بإذن الله- عمليتي الاستشهادية"، متابعاً: "الطريق إلى فلسطين والأقصى لا تمرّ عبر أوسلو ولا واشنطن ولا طاولة المفاوضات المستديرة، إنّما تكون بالجهاد والمقاومة والدماء".

وفي غضون أسبوعٍ فقط، وبالتحديد في مساء الثامن من تمّوز 1993، جاء ثأر الشهيد محمد عزيز رشدي لرفيقيه الشهيدين الهندي وأبو سرور سريعاً، وزفّت كتائب القسّام خبر قتل الضابط الصهيونيّ "موردخاي ليبتن" على مثلث تقّوع بالقرب من مدينة القدس، بعد توجيه الشهيد محمد عزيز رشدي 6 رصاصاتٍ إلى رأسه "نسفت جميع أحلامه". اعتبر بيان العمليّة قتل "موردخاي" ردّاً على استشهاد الهندي وأبو سرور، فضلاً عن كونه استقبالاً ملائماً للوفد الأمريكيّ في البلاد، كما لم ينسَ توجيه التحيّة للسواعد المقاومة في شمالها، ويقول: "نحيّي المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان على عمليّتها الجريئة كما ونحيّي القيادة العامة على عمليتها في الشمال. ومن الشمال إلى الجنوب لنذيق اليهود كأس المنون ولنصبّ المزيد من العمليات .. فهذه خير طريقةٍ للتفاوض".

وعادةً ما أشرف الشهيد محمد عزيز رشدي على إعداد وكتابة بيانات عمليات المقاومة التي أعدّها، أشهرها البيان الذي كتبه بنفسه بعد خطف وقتل الجندي "يارون مائير"، بتاريخ 5 آب 1993،  والذي جاء فيه: "تعلن كتائب الشهيد عز الدين القسام مسؤوليتها عن أسر الجندي الصهيوني المدعو " يارون  مائير حن"..  في مدينة القدس. وخلال نقله الى مدينة رام الله حاول الفرار وتمّ إطلاق النار عليه وقتله، حيث تمّ اغتنام سلاحه وحقيبته، والتي لم يُعثر فيها إلا على " شيكل" واحدٍ،  لعنه الله".  شارك كٌل من الشهيد مروان أبو رميلة والأسير المحكوم بالمؤبد فهد الشلودي بعمليّة الخطف بقيادة الأسير المحرّر تيسير سليمان،  وتمّ خطف الجنديّ حيّاً من أمام معسكرٍ للجيش في مدينة القدس بهدف مبادلته، وقُتل لاحقاً ودُفن في بلدة "بيتونيا".



لا ينسى وجه عدوّه

ظلّت جهود الشهيد محمد عزيز رشدي ورفاقه موجّهةً نحو قضيّة الأسرى،  وحسبما يروي أحد رفاق دربه كانت له تجربةٌ شخصيّةٌ أخرى في تخشيبة الأسر، [4] وبالأخص مع سجّانٍ أُطلق عليه لقب "كوبي"، حرص محمد عزيز على حفظ ملامح وجهه جيّداً. عُرف "كوبي" هذا بوضاعته وبذاءة لسانه، وكان يهوى الاعتداء على الأسرى ومضايقتهم، واعتدى على محمد عزيز رشدي في اعتقالٍ له فعاهد نفسه أن يكون له من رصاص المقاومة نصيبٌ.

وذات مساءٍ في شهر آب 1993، وبينما كانت الخلايا المسلّحة التي شكّلها محمد عزيز على نطاق الضفة والقدس في أقوى مراحلها، حمل الشهيد عبد الكريم مسالمة لمحمد عزيز رشدي معلومةً هامةً للمقاومة بشكلٍ عام وله بشكلٍ خاصٍ، وهي أنّه رصد "الكابتن كوبي" يترجّل من سيارته في مستوطنةٍ بجانب بلدة "بيت عوا" كلّ أسبوعٍ. كمن محمد عزيز رشدي مع الشهيدين إبراهيم سلامة وكمال كحيل لهذه الفريسة التي حلم كلّ من عايشها من الأسرى أنّ تكتوي بنيران المقاومة.

كانت الخطّة أن يظنّ "كوبي" أنّ عطلاً ما قد أصاب السيارة التي تستقلّها المجموعة، نُفّذت الخطّة بتفاصيلها، ولكن أربك الشهيد محمد عزيز رفيقيه بعدما ترجّل من السيارة وأصبح في مرمى الرصاص، فوقفا ساكنين بينما اقترب من السيارة وبدأ بإطلاق الرصاصة تلو الرصاصة ، وكأنّ كلّ رصاصةٍ تحمل ثأراً لكلّ من عانى من ظلم هذا الصهيونيّ. وعندما سأل الشهيد إبراهيم سلامة محمد عزيز عن فعله وقت العملية أجاب: "كنتُ معنيّاً بأن يعلم بأنّي أنا من قتلته".

أمّ شهيد وأمّ أسير.. وشهيدة

أمضت والدة الشهيد محمد عزيز، الحاجة فاطمة بركات، عمرها في إيواء ابنها بتراتيل الدعاء وتأمين الطعام له ولإخوانه المُطارَدين. دائمة التبسّم في زقاق المخيم، اعتاد كلّ من عرفها على إشراق وجهها وابتسامتها ودعائها. تشارك في كلّ وقفة إسنادٍ لأهل الأسرى والشهداء مُتناسيةً ما يتعرّض له أبناؤها من ظلمٍ وقهرٍ في السجن بتمتمةِ دعاءٍ. طيّبة القلب، مُحبّةٌ للجميع والجميع مُحبٌ لها، عُرفت بعزيمتها وقوة صوتها والفخر بأبنائها، مرسومةٌ صورتها في الأذهان وهي تهتف للأسرى حاملةً صورة ابنها بيد وبندقيّة الـ  " m16" باليد الأخرى.

اعتادت العائلة على الاعتقال والاقتحامات، اعتُقل الابن الأكبر نعيم أربعة أعوامٍ في الأسر، وأمضى الابن الأصغر طلعت عزيز نحو 10 سنواتٍ، بينهم حكمٌ بالسجن الفعليّ لمدة 13 عاماً أمضى منها 6 سنوات ونصف ليفرج عنه في صفقة تبادل حزب الله عام 2004، بينما اعتُقل حبيب 4 مراتٍ وتيسير مرتين، إحداهما وهو بالثانوية العامة. كان أسبوع  الحاجة "أم نعيم" منظّماً بدقةٍ متناهيةٍ: زيارةٌ في شمال الضفة لابنها الأصغر، وزيارةٌ في جنوبه لبكرها، وأخرى في الوسط لأوسطهم.

ولم يفوّت العدوّ فرصةً لإيلام العائلة، فاعتقل يوم استشهاد محمد عزيز رشدي والده وأخيه حبيب، بحجّة "التعرّف على الجثة"، ليفرج عن والده لاحقاً ويحتجز حبيب لفترةٍ طويلةٍ لمنعه من المشاركة في عرس أخيه، بينما كان تيسير ونعيم في الأسر في تلك الأثناء، ويوارى محمد عزيز رشدي التراب دون وداعٍ أخيرٍ من إخوته.

أما والدتهم "أم نعيم"  فأبت  إلا أن يسبق اسمها الزهيّ "فاطمة" بلقب "الشهيدة"، ولحقت ابنها في 25 حزيران 2014، بعد مداهمة قوّات الاحتلال منزلها، هذا المنزل الذي شكّل وجهةً يوميّةً لجنود الاحتلال، أثناء عمليّة البحث عن المستوطنين الثلاثة (الذين خطفهم الشهيدان مروان قواسمي وعامر النتشة بهدف مبادلتهم واللذان استشهدا في العام نفسه خلال اشتباكٍ مع قوّات الاحتلال).

استُشهدت "أم نعيم" إثر نوبةٍ قلبيّةٍ جرّاء المداهمة وبعدما منع جنود الاحتلال سيارة الإسعاف من الوصول إليها. ولأنّ الله يصطفي الشهداء، مضت أم الشهيد وأم الأسير، فاطمة عيسى حسين رشدي، شهيدةً  للقاء ابنها في فضاءٍ رحبٍ لا عدوّ يحرمها من لقاء ابنها فيه ولا يحرم ضناها من وداع أخيه، ونالت فخر ابنٍ شهيدٍ أثخن العدوّ وأنهكه وفخر شهادتها وجزاء صبرها. شيّعتها جماهير مخيّم العروب في اليوم التالي، وكان الحاج بركات حاضراً في جنازة والدته، حيّاً في صدور المئات، يرسل رسالةً للعدوّ المكلوم بمستوطنيه الثلاث: هذا طريقنا فلا نامت أعين الأعداء والعملاء.

****

الهوامش:

[1] الفالوجة: قرية فلسطينية شماليّ النقب، تقع إلى الحافة الشرقية للسهل الساحلي الفلسطيني وإلى الشمال الشرقي من غزة. صمد أهلها في حرب عام 1948 ودافعوا عن قريتهم وأراضيهم بكل ما أوتي لهم من قوة، وصمدوا أثناء الحصار الذي تعرضت له حامية من الجيش المصري في القرية طوال ستة شهور. أسفرت المفاوضات عن انسحاب الجيش المصري، ودخلت العصابات الصهيونيّة القرية في عام 1949 وهجّرت أهلها بالكامل ملحقةً دماراً شاملاً في القرية.  أقام الصهاينة على أراضيها  مستعمرتي "شمر" و "نيرحن".
[2] كتائب الشهيد عزّ الدين القسّام/حركة حماس، و"قسم" في غزة و"عشاق الشهادة" في الضفة/حركة الجهاد الإسلامي، والفهد الأسود/حركة فتح،  والنسر الأحمر/الجبهة الشعبية، والنجم الأحمر/الجبهة الديمقراطيّة.
[3] اختُطف الشيخ عبد الكريم عبيد، أحد قيادي حزب الله،  بتاريخ 28 تمّوز 1989، من بلدة جبشيت في جنوب لبنان، بهدف انتزاع معلوماتٍ منه حول الطيّار الصهيوني "رون آراد" والكولونيل الأمريكي "وليام هيغنز"، اللذين اختطفهما حزب الله.
[4] تخشيبة الأسر: الغرفة التي كان يتمّ جمع الأسرى و"تكديسهم" فيها، ولاحقاً أصبح هناك عدد من الغرف لاستيعاب الأعداد الكبيرة.

المصادر:

* مراجع أوّلية ومقابلات أجراها الكاتب مع عائلة الشهيد.
* فيلم وثائقي بعنوان "الحاج بركات: رصاصةٌ انطلقت من الخليل"، للمشاهدة من هنا.
* الموقع الرسميّ لكتائب الشهيد عزّ الدين القسّام. (بعض التفاصيل لها عدّة روايات، اعتمد الكاتب الرواية التي وصلت العائلة).