قِلِي وزيتون: دور البدو والقرويين في صناعة الصابون النابلسي

17-07-2019
-A A +A

(الصورة الرئيسية:  نابلس، 1940). 

مقدّمة

عند الحديث عن مدينة نابلس، تتبادر إلى الذهن مباشرةً صناعةُ الصابون، والعكس صحيحٌ تماماً. وقد كُتب الكثير عن نابلس، فهي من المدن المركزيّة عند كتابة تاريخ فلسطين. على وقع هذا، أسعى في هذا البحث إلى تجسيد عملية ربط الأطراف بالمركز، وتسليط الضوء على العلاقة بينهما، من خلال الحديث عن صناعة الصابون في مدينة نابلس (المركز)، وتحوّلات الخارطة الاجتماعيّة التي رافقتها.

وبما أنّه ليس البحث الأول حول الموضوع، فإنني أعمدُ إلى تتبُّع المواد المستخدمة في صناعة الصابون، وتتبُّع عمليات تصنيع وتوفير هذه المواد عند البدو والقرويين (الأطراف)، فضلاً عن تتبُّع حركتها من منشأها حتى وصولها لأسواق مدينة نابلس ومصابنها، عبر شبكة علاقاتٍ اقتصاديّةٍ واجتماعّيةٍ وسياسيّةٍ محليّةٍ اتّخذت مع مرور الوقت مكانها في المجتمع، وساهمت في تشكيله وفق تراتبيّةٍ اجتماعيّةٍ شبه ثابتةٍ، وبطيئة التغيّر.

يرتكز هذا البحث على جملةٍ من المصادر الأوليّة الرئيسة، لعلّ أهمّها سجلات محكمة نابلس الشرعيّة الغنية بمادةٍ تاريخيةٍ أصيلةٍ ممتازةٍ، وبعض الكتب المطبوعة على لسان أبناء مدينة نابلس نفسها، وهم الأقرب بطبيعة الحال لهذه الصناعة، مثل إحسان النمر ومحمد عزة دروزة، بجانب بعض المصادر والمراجع المطبوعة. كما أرتكزُ أيضاً، في بحثي هذا، على عددٍ من المقابلات الشخصيّة التي أضافت بعداً حيويّاً شعبيّاً للبحث، لعلّ أهمها المقابلة الشخصيّة التي أجريتُها مع أمجد وشامخ أبناء معاذ ماجد النابلسي، وهو رئيس غرفة تجارة وصناعة نابلس سابقاً. وتكمن أهمية هذه المقابلة في أنّ كلاً من أمجد وشامخ لا يزالان يعملان في صّبانة أجدادهما؛ إذ وَرِثا فيها كلّ أدوات الصناعة ومفرداتها المحكيّة وخبراتها، وهو أمرٌ مهمٌّ عند التأريخ لهذه الصناعة.

لمحةٌ تاريخيّةٌ عن صناعة الصابون في نابلس

كانت صناعة الصابون المصنوع من زيت الزيتون في فلسطين عموماً، ونابلس خصوصاً، من الصناعات القديمة، وإنْ كان لا يُعرف بدايتها تحديداً. إذ ذكرها المقدسيّ بشكلٍ عامٍ كصناعةٍ فلسطينيّةٍ تجاريّةٍ في العام 985م، وذكرها مجير الدين الحنبلي عام 1257م، وذكرها الدمشقي عام 1300م، كما ذكرها ابن بطوطة خلال رحلته في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي. وقد وصل الصابون النابلسي أسواق سواحل البحر الأحمر والخليج العربي، ومصر وشمال أفريقيا، وتركيا واليونان، وجزر البحر المتوسط وفرنسا. [1]

وفي مطلع القرن العشرين، كانت في نابلس تسعٌ وعشرون مصبنةً قيد العمل؛ منها ثلاثٌ وعشرون مصبنةً كبيرةً، وثلاث مصابن صغيرةٍ، فيما امتلك بعض تجار نابلس مصابن خارج المدينة مثل؛ مصبنة يعقوب الدباس وحسن النابلسي، ومصبنة سعيد عبد المجيد في يافا. [2]

مكوّنات صناعة الصابون وسلطتها الاجتماعيّة

اشتملت عملية صُنع الصابون النابلسيّ على ثمانية مكوناتٍ؛ خمسة منها رئيسيّةٌ تدخل في صنع الصابون بشكلٍ مباشرٍ وغير مباشرٍ، وهي: القِلي، وزيت الزيتون، والشيد، والماء، والملح الخشن. أمّا المكوّن السادس فهو الجفت أو الحطب اللازم لإذكاء النار تحت قِدر الطبخ، والمكوّن السابع يتمثّل في الأدوات والمعدّات. والمكون الثامن والأهمّ، وهو نظريٌّ؛ الخبرات والمهارات التي أتقنها وتناقلها صُنّاع الصابون من أبناء نابلس ذاتها. [3]

لم يكن ليُكتب لصناعة الصابون النجاح دون أحد هذه المكوّنات. وعدا عن الماء، فإنّ الحصول على بقية المكونات تسبقهُ عمليات تحويل وتصنيع المواد والمحاصيل قبل توفير المادة بشكلها النهائيّ، ومن ثمّ إدخالها في عملية صنع الصابون.

القِلي (الكِلي، القِلو، الجِلو، الكلو)

هو رمادٌ متحجّرٌ ناتجٌ عن عملية حرق أعواد وجذور أنواعٍ من النباتات الطبيعيّة وُجدت بكثرةٍ في البلقاء في منطقة شرق الأردن، وتحديداً في السلط ومعان وياجوز، كما وُجدت في تدمر في سوريا، وهي؛ نبات الشيح والحُمّض، والشنان أو الشمان أو الشيمان، وهو ما يُسمّى العجرم أو الترتير أو صابون العرب أو أبو حلسا أو الحرض أو الدردار، حيث كان يُستخدم في الاستحمام وغسيل الملابس وأواني الطبخ منذ القِدم. [4]

اختصّت قبائل البدو في تلك المناطق بجمع وحرق النباتات وتحضير القِلي مثل؛ قبائل بني صخر والحويطات والعدوان وعباد، وكانت تتنافس على تجميعه وحرقه وتجارته، في حين احتكرت قبائل بني صخر هذه التجارة فترةً من الزمن. بالتالي، لم تكن عملية جمع وتحضير مادة القِلي هوايةً مارسها البدو في أوقات فراغهم؛ بل عملاً أساسيّاً ضمن أنشطتهم الاقتصاديّة الأخرى. وكانت تتمّ هذه العمليّة وفق تسلسليّةٍ اجتماعيّةٍ شبه ثابتةٍ يستفيد منها قطاعٌ كبيرٌ من السكان البدو والقرى والمدينة على السواء، واشتملت على كثيرٍ من المعاملات وتبادل الهدايا؛ فمثلاً كان شيخ قبيلة العدوان، وتحديداً في العام 1812م، يأخذ مبلغاً من المال عن كل حِمل جملٍ من هذه المادة؛ خمسة قروشٍ لنفسه وقرشين لكاتبه وقرشين لعبده. كما أنّ مدينة السلط حصّلت قرشاً واحداً على كل حِمل جملٍ، صُرفت على المضافات الأربعة في المدينة آنذاك. [5]

إنّ تحصيل شيخ العدوان لهذا المبلغ تعبيرٌ عن قوةٍ سلطويّةٍ محليّةٍ مارسها الشيخ في منطقته؛ فكان المال مقابلاً لتأمين مرور المادة ووصولها إلى المدينة. كما أنّها تعبيرٌ عن أهميّة وضرورة توفير هذه المادة؛ إذ حتى ذلك الوقت لم يكن من بديلٍ لها ولا غِنى عنها.

ومهما يكن، فقد شكلت منطقة شرق نهر الأردن بسكّانها رافداً تجاريّاً لمدينة نابلس من ناحيتين. فمنٍ جهةٍ، شكّلت مصدراً لمادة القِلي اللازمة لصناعة الصابون. ومن جهةٍ أخرى، كان اعتماد سكان المنطقة على المدينة للحصول على مستلزماتهم من المصنوعات والمنتجات والسلع. [6]

كان البدو يجمعون النباتات طوال الصيف بأكوامٍ كبيرةٍ جداً، ثم يحرقونها ويجمعون الرماد المتحجّر في أكياس، ويحملونها في قوافل كبيرةٍ إلى نابلس بشكلٍ رئيسيٍّ، ودمشق بشكلٍ أقلّ. [7] 

وقد بلغت الكمية المجلوبة لسوق يوشع وبشكلٍ تقريبيٍ خلال عامين، ما بين ألفٍ إلى ثلاثة آلاف حِمل جملٍ، [8] يبلغ حِمل الجمل قنطاراً واحداً؛ أي بما يعادل 300 كغم. وأمّا عن سوق يوشع، فهو السوق الذي يُقام عند قبرٍ يزوره المسلمون والمسيحيون، ويعتقدون أنّ النبي يوشع مدفونٌ هناك. يقع في نهاية وادٍ ضيقٍ يربط مدينة السلط بالمزار. [9]

تدعونا هذه الأرقام للتمعُّن؛ فكم هي كمية النباتات التي يجمعها البدو، فيحرقونها، ثمّ يجمعون منها ألف حِمل جملٍ على الأقل؟! فما بالك بحِمل ثلاثة آلاف جملٍ؟! ومهما يكن، فالعدد الكبير للأحمال يعبّر عن مدى اتساع هذه الحِرفة لدى البدو هناك. وإذ من الثابت أنّ البدو قاموا بجمع النباتات وحرقها وتعبئة القِلي، إلا أنّ بعض المصابن في نابلس – ومنها صبانة النابلسي – كانت تشتري أحمال النباتات التي جلبها البدو إلى نابلس قبل حرقها، ومن ثمّ يقوم عمّال المصبنة بحرقها في القميم، ثم طحن الناتج المتحجّر في جرنٍ خاصٍّ لهذه الغاية. [10]

(جرن لطحن الرماد المتحّجر بعد حرقه في القميم، صبّانة النابلسي، تصوير: غسان دويكات).

وقد حقّق أصحاب المصابن من هذه العملية أمرين. أولاً، ضمان عدم دخول رماد أيّ نباتٍ آخر في القِلي، وهو أمرٌ يؤثر دون شكٍّ على صناعة الصابون وجودته. وثانياً، الاستفادة من حرق النباتات في القميم لغايات طبخ الصابون في مختلف المراحل.

  تعدّت تجارة القِلي كونها سلعةً تُباع مقابل المال فقط؛ فعدا عن التراتبيّة والاستفادة المتبادلة في عمليات جمعه وحرقه ونقله؛ فقد رافقتها علاقاتٌ اجتماعيّةٌ ربطت بين الأطراف كافّةً. فمثلاً، كان التاجر من نابلس يذهب شخصيّاً للسلط في فصل الخريف، ووفقاً للعُرف السائد، فإنّه كان ينزل بأحد منازل العرب غير التي نزلها في العام السابق، وذلك في سبيل تعميم الفائدة على الجميع. وكان يتحمّل جميع النفقات، ويقدّم الطعام للغرباء أيضاً خلال فترة مكوثه، فكان يعاين المادة ونوعها، ثمّ يشتريها بعد الاتفاق على تفاصيل التوصيل والزمن المطلوب، ويقدّم الهدايا قبل عودته، في سبيل تمتين العلاقة التجاريّة مع شيخ القبيلة. [11]

وفي حين يهدف تقديم الهدايا إلى تمتين العلاقات بين التاجر وشيخ القبيلة ظاهريّاً، غير أنّ حقيقة الأمر أنّ كلاً منهما كان يحتاج الآخر؛ فشيخ القبيلة يعزّز مكانته بين أفراد قبيلته وأمام القبائل الأخرى، في حين أنّ التاجر يحتاج شيخ القبيلة، نظراً للسلطة التي يملكها لضمان تأمين وتوفير مادة القِلي ووصولها للمدينة. هذا بجانب قدرة الشيخ على التأثير على أفراد القبيلة وتوجيههم لأسواق نابلس والشراء منها، وربّما توجيههم لتاجرٍ محدّدٍ يؤمّن لهم كلّ احتياجاتهم بغض النظر عن تخصُّصه التجاريّ.

وقد اشتملت عملية شراء القِلي شروطاً مثل؛ خلوّها من التراب أو أيّ نوعٍ من الغش، وأن يكون القِلي حلواً، إذ إنّ مالحه لا ينفع. وكان القِلي يُباع مقابل المال أو بالبدل، فكان سعر القنطار الواحد منه، في العام 1877م، 150 قرشاً. [12] ولندرك القيمة الحقيقيّة لثمن قنطار مادة القِلي، تكفي معرفة أنّ المصروف اليوميّ للأسرة المتوسطة المكوّنة من ستة أفرادٍ آنذاك بلغ ما بين (1.5 – 3 قروش). [13]

وانتهت مادة القِلي في مدينة نابلس ذاتها إلى طريقين. الأول؛ استيعاب الجزء الأكبر من المادة في صناعة الصابون؛ إذ تحتاج كلّ طبخة صابون تقريباً لسبعة أحمالٍ من المادة؛ أي (2100 كغم) وفقاً لحجم الطبخة، وكانت المدينة تُنتج ما مقداره (100-400) طبخةٍ سنوياً. أمّا الطريق الثاني فتمثّل في قيام بعض التجار بتصدير هذه المادة من المدينة إلى مراكز مجاورةٍ لإنتاج الصابون مثل؛ القدس وغزة ويافا واللد وعكا. [14]

وقد أُثبت أنّ الصابون المصنّع من القِلي الطبيعيّ أشدّ تنظيفاً وأغلى ثمناً من الصابون المصنّع باستخدام الصودا الكاوية. لذا، فقد كان تجار الصابون ينوّهون بفخرٍ إلى كون صابونهم مصنوعاً من القِلي الطبيعيّ، [15] وهو أمرٌ بكلّ حالٍ لم يشفع لهذه المادة عندما دخلت المواد البديلة عنها؛ فقد تمّ توفير الكثير من المصروفات والهدايا التي كان يدفعها التجار لشيوخ البدو.

زيت الزيتون

عُرف عن جبل نابلس غِناه بأشجار الزيتون، وخاصّةً في السفوح الغربيّة، إذ تقلّ زراعته كلّما توجّهنا للشرق بالاقتراب من السفوح المقابلة للغور الفلسطينيّ. وكانت شجرة الزيتون على الدوام مصدراً اقتصاديّاً غذائيّاً مهمّاً؛ فهي توفّر زيت الزيتون للأكل والطبخ، بينما يدخل الفائض منه في صناعة الصابون، عدا عن مادة إشعال النار والتدفئة من حطبه وأغصانه وناتج هرس حَب الزيتون؛ الجفت. ويبدأ موعد القطاف في شهر تشرين أول من كلّ عامٍ.

  وُجِدت معصرةُ زيت زيتونٍ واحدةٌ على الأقلّ في كلّ قريةٍ من قرى لواء نابلس، والكبيرة منها وُجِد فيها أكثرُ من معصرةٍ. اشتملت المعاصر القديمة المعروفة بـ"البَد" على حجرٍ أو اثنين من حجارة البدّ المستديرة، تدور في حوضٍ من خلال محورٍ خشبيٍّ أفقيٍّ طويلٍ يُربَط بحيوانٍ يقوم بالدوران طوال الوقت حول الحوض، فيتحرّك الحجر في الحوض هارساً حبّ الزيتون، وتستمر العملية حتى يتمّ الهرس بشكلٍ كاملٍ.

  يُوقف الحيوان عن الدوران، ليُستخرج الهريس ويُوضع على قطعةٍ دائريةٍ مصنوعةٍ من نبات الليف ومثقوبةٍ من الوسط، لتدخل في محورٍ خشبيٍّ عموديٍّ مسنّنٍ أثناء ترتيبها فوق بعضها البعض، ثمّ تُدخل قطعةٌ خشبيةٌ مسنّنةٌ في الطرف المسنّن من العمود وتُدار، بحيث تضغط للأسفل على قطع الليف المملوءة بهريس الزيتون، وأحياناً كان يُستعان بحجرٍ ثقيلٍ، ليبدأ الزيت بالسيلان في قناةٍ نحو بئرٍ مُجهّزةٍ خصيصاً لخزن الزيت. [16] ونظراً لبدائيّة هذه الطريقة، مقارنةً بالتطور الحاصل اليوم على آلات استخراج زيت الزيتون، فإنّ نسبةً كبيرةً من الزيت كانت تبقى في الهريس ولا تُستَخرج، وكانت نسبتها كبيرةً تتراوح ما بين (40% - 60%).

ثمّ وبطبيعة الحال يُعبّأ زيت الزيتون في جرارٍ ليتم نقله للاستخدام المنزليّ، أو للتجارة في المدينة، حيث كان يُوجّه لثلاث طرقٍ؛ إمّا للبيع من أجل حاجات الغذاء، أو بيعه للمصابن، أو الاستيداع. جديرٌ بالذكر أنّ كثيراً من الفلاحين كانوا يودعون زيت الزيتون لدى بعض أصحاب المصابن الكبيرة خصوصاً؛ إذ كان يُودع ويُخزّن في بئرٍ مخصوصةٍ داخل الصبانة، وفقاً لشروطٍ يتمّ الاتفاق عليها بين أصحاب الزيت وأصحاب المصابن، يحدّد لكلّ طرفٍ طريقة استخدام الزيت وتوثيق ذلك. [17]

الشيد (الكلس أو الجير الحيّ)

هو مادةٌ على شكل بودرةٍ مطحونةٍ مستخرجةٍ من حرق الحجارة الكلسيّة لفترةٍ زمنيةٍ محدّدةٍ حتى يتسنّى سحقها بسهولةٍ، ثمّ تُخزّن في آبارٍ خاصّةٍ داخل القرى، أو تُوجّه مباشرةً إلى السوق لخدمة متطلباته المختلفة، فهي تدخل في مجال البناء والقصارة، ومجال صناعة الصابون أيضاً.
وكانت عملية استخلاصها من الحجارة وتحويلها إلى شكل البودرة تتمّ من خلال ما يُعرف بـ"التشبارة"، وتُكتب بالأصل "كباره"، وتُلفظ باللفظ الفلاحيّ لحرف الكاف "تشباره". تشير الكلمة إلى المكان الواسع الذي تُجمّع فيه الحجارة الكلسيّة، تشتمل على مادة الاشتعال وحفرة الحرق، والقائمين عليها من العمّال. تُنفّذ هذه العملية برمّتها خلال موسم الصيف فقط، حيث جفاف التربة والحجارة، وقد اشتهرت قرى؛ سالم وعزموط وبيت فوريك وروجيب في مشاريق البيتاوي بهذه العملية. [18]

تأتي الكبارة على أربع مراحل، الأولى: تُجمع مادة الاشتعال بكمياتٍ وفيرةٍ جداً وكافيةٍ لإذكاء النار وإبقائها مشتعلةً نحو خمسةٍ إلى ستة أيامٍ طوال الأربع وعشرين ساعةً، وفقاً لحجم الكبارة. كانت نبتة البلان المعروفة محلياً بـ"النتش" المادة الأفضل والمتوفرّة آنذاك، تُقدّر بحوالي 600 – 800 كومةٍ من النتش للكبارة الواحدة، والكومة هي مقدار ما يستطيع الرجل البالغ حمله من النتش على الشاعوب.

المرحلة الثانية: تُصنَع حفرةٌ دائريةٌ صغيرةٌ أو كبيرةٌ حسب حجم الكبارة، يتراوح قطرها ما بين ثلاثة إلى خمسة أمتارٍ، وعمقٌ يصل من مترين حتى ثلاثة أمتارٍ، وفقاً لكمية الحجارة المراد حرقها، ثمّ تُبنى جدران الحفرة بالحجارة على شكل سلسالٍ مُنسجمٍ مع شكل الحفرة الدائريّ من قاع الحفرة إلى ارتفاعٍ حوالي مترٍ واحدٍ فوق مستوى الأرض، ولا يتمّ غلق الحلقة؛ حيث تتُرك فتحةٌ من أجل تزويد النار بالنتش والحطب. ثمّ يتمّ بناء سقفٍ مقبّبٍ من الحجارة على الحلقة الدائريّة؛ بحيث تصبح الحجارة كلها عبارةً عن بناءٍ أجوفَ ذي قبةٍ له فتحةٌ واحدةٌ فقط لتزويد النار.

المرحلة الثالثة: تُشعَل النار داخل البناء وتبقى مشتعلةً وحاميةً بشكلٍ متواصلٍ لمدة أربعٍ وعشرين ساعةً طوال عدّة أيامٍ، ويلعب حجم الكبارة وكمية الحجارة فيها الدور الرئيسيّ المحدّد للفترة الزمنيّة التي يجب إبقاء النار مشتعلةً فيها. ومهما يكن، فالمُحدّد لنهاية العملية هو مراقبة لون الحجارة خلال احتراقها؛ حيث تتحوّل للّون الأسود في بدايات العمليّة، فاللون الأحمر في ذروتها، ثمّ للّون الأبيض، وهو المؤشّر لنهاية العملية ونجاحها، ليُوقَف تزويد النار بالنتش.

المرحلة الرابعة: تُترك الحجارة أياماً، ما بين ثلاثةٍ إلى عشرين يوماً، [19] لتبرد. ثم تُطحن الحجارة، وتُنخّل لإزالة الشوائب، وتُعبّأ بأوعيةٍ مُحكمةٍ، وتُنقل لتُباع بسوق نابلس أو القرى المجاورة. وقد ورد أنّ الكبارة الواحدة يمكن أن تنتج ما مقداره ثمانية قناطير؛ أي ما يعادل (2400) كغم من الشيد، كان يُباع القنطار الواحد منها بمبلغ (25) قرشاً في العام 1869 كمثالٍ. [20]

وبكلّ حالٍ، فإنّ استخدام الشيد لم يدخل في صناعة الصابون بشكلٍ مباشرٍ؛ إنّما يُخلط مع رماد النبات المحروق الذي جلبه البدو من البلقاء، لاستخراج مادةٍ جديدةٍ تسمى القِلي، والتي تعدّ أساسيّةً في صناعة الصابون. إذ تُوضع المادتان في أحواض التخمير، ويُخلط معهما الماء الساخن المجلوب من القِدر النحاسي، وتتكرّر هذه العمليّة إلى أن يصل المزيج القلوي إلى المستوى المطلوب. [21] بمعنى آخر، فإنّ وظيفة الشيد تتمثّل في تحويل الرماد إلى مادةٍ قاعديّةٍ تساعد في عملية تصبّن الزيت.

تُخلط كميّةٌ محدّدةٌ من رماد النبات المحروق ويُضاف لها نفس المقدار من الشيد في القِدرة النحاسيّة، وهي الوعاء الذي يتم إشعال النار تحتها لطبخ المواد، وتتنوّع بين ثلاثة أحجامٍ؛ قِدرة سعة (50) جرّةً للمعامل الصغيرة، وقِدرة سعة (150) جرّةً  للمصابن المتوسطة، وقِدرة سعة (250) جرّةً للمصابن الكبرى. ثمّ يُخمّر المخلوط بالماء لأربعٍ وعشرين ساعةً. [22]

بدائل القِلي والشيد

بقي اعتماد المصابن على مادة القِلي والشيد حتى ستينيات القرن التاسع عشر تقريباً؛ حيث دخلت مادتان صناعيّتان جديدتان السوقَ. المادة الأولى شاع تسميتها بثلاث تسمياتٍ؛ الصودا الكاوية، والنطرون، وهيدروكسيد الصوديوم، وهي بديلٌ عن القِلي. أمّا المادة الثانية فهي كلور الكالسيوم، وهي بديلٌ عن الشيد. [23]

كانت مادة القِلي، وصيغتها الكيميائية (Na2CO3)، أحدَ المكونات الرئيسة لصناعة الصابون، ولا يمكن أن تتمّ بدونها؛ إذ إنّها من المركبات القاعديّة التي تسبّب تفاعل التصبُّن. وقد ظلّت مادةً مطلوبةً إلى أن دخلت للسوق مادة الصودا الكاوية، وهو الاسم التجاري للمادة المعروفة علميّاً بـ"هيدروكسيد الصوديوم"، وصيغتها الكيميائية (NaOH)، والمعروفة شعبيّاً بالأطرونة أو النطرونة أو القطرونة.

أما مادة كلور الكالسيوم أو ملح كلوريد الكالسيوم وصيغتها الكيميائية (CaCl2)، فهي المادة الصناعيّة المستخدمة عوضاً عن مادة الشيد أو الكلس الطبيعي أو الجير الحي، والاسم العلمي للشيد هو أكسيد الكالسيوم وصيغته الكيميائية (CaO). تمثّلت وظيفته في عمليّة صناعة الصابون في امتصاص الماء الزائد، وزيادة تصلّب مزيج الصابون.

لا شكّ أنّ دخول المواد البديلة أثّر على طبيعة العلاقات التي كانت قائمةً، فأحدثَ تحوّلاً اجتماعيّاً في العلاقة بين المركز والأطراف. فعندما تمّ الاستغناء عن مادة القِلي الطبيعية، أصبح التاجر غيرَ ملزمٍ بدفع المال والهدايا لشيوخ القبائل، فتراجعت مكانتهم السلطوّية مع مرور الوقت، وكَسَد سوق القِلي، فتوقف البدو عن جمعه وحرقه. لكنّهم في الآن ذاته لم يستطِعوا التخلي عن أسواق المدينة لبيع سلعهم الأخرى كمنتجات الحيوانات، بجانب شراء مستلزماتهم منها.

أمّا بخصوص مادة الشيد، وإنْ تمّ الاستغناء عنها في صناعة الصابون، إلّا أنّها بقيت سلعةً رائجةً لحاجتها في عمليات البناء والقصارة، إلى أن دخلت مادة الأسمنت، ما يعني أنّ القرويين كانوا أقلّ تضرّراً من البدو، وبالتالي صناعة الشيد كانت أقلّ تضرّراً من صناعة القلي. لكن في الحالتين كان الرابح الأكبر من دخول البدائل صُناعَ الصابون. وفي حين أثّرت المواد البديلة على نوعية وجودة الصابون المصنّع، إلّا أن ذلك لم يمنع تسويق وانتشار الصابون النابلسي في الأسواق المحليّة والإقليميّة والدوليّة.

الأدوات والمعدات والخبرات المتوارثة

صُمّمت المصابن في نابلس بما يخدم مراحل وإجراءات العمل فيها. فعادةً ما تكوّنت من طابقين؛ الأول لعمليات التخمير والطبخ والتجهيز والأدوات، مُشتملاً على القِدر النحاسي الرئيسي للطبخ، وهو ذات جدرانٍ كلسيّةٍ وفخاريّةٍ يُصار صيانتها بين حينٍ وآخر، وتكون حوافها العلوية مغطاةً بقطع خشبٍ، لتسهيل احتكاك وانتقال الدكشاب من طرفٍ لآخر. وتقع تحته مباشرةً "القميم"، وهي غرفة الاحتراق ترتفع بجانبها ومن عند مدخلها مدخنةٌ لتصريف الدخان والسناج.

يقع بجانب القِدر النحاسي بئرُ زيتٍ تُسمّى "الجنيب"، وسعتها من الزيت تساوي سعة القِدر النحاسي، فهي بمثابة مقياسٍ لكمية الزيت المطبوخة؛ إذ كان يُصبّ الزيت في إحدى الآبار الرئيسة، ثمّ يُنقل إلى القِدر النحاسي لطبخه. وتُوجد آبار زيتٍ أخرى في المصبنة بهدف جمع الزيت وتخزينه لخدمة أغراض المصبنة والتاجر، أو لبيعه في مراحل معينةٍ. ويختلف عددها من مصبنةٍ إلى أخرى، حسب حجم الصبانة ذاتها، فقد وُجدت مصابن تمتلك سبع آبار زيتٍ. وفي الجانب الآخر من القِدر، توجد غرفةٌ لتخزين كميّةٍ محّددةٍ ومعروفةٍ من الجفت اللازم لكلّ طبخةٍ، وتكون فوق غرفة القميم، وتشتمل على روزنة لإنزال كمياتٍ من الجفت لغرفة القميم، بما يُبقي النار مشتعلةً بوتيرةٍ معّينةٍ.

( حلّةٌ مدوّرةٌ مقصورةٌ بالشيد والكلس ذات أرضيّةٍ نحاسيّةٍ  وحجمٍ متوسطٍ. تصوير غسان دويكات)(تقع غرفة القميم تحت النحاس مباشرةً، صبانة النابلسي. تصوير: غسان دويكات)

أمّا الأدوات المستخدمة فتتكوّن أولاً من الغَراف، وهي دلوٌ معدنيّةٌ نصف بيضاويّةٍ لغرْف المزيج بعد الانتهاء من طبخه وصبّه في دِلاء لنقله للطابق الثاني، وسعتها حوالي 5 كغم. ثانياً، العلبة، وهي دلوٌ معدنيّةٌ لنقل المزيج للطابق الثاني، وهي ذات قعرٍ خشبيٍّ لعزل الحرارة عن أجساد العمال، وسعتها حوالي ثلاث غرافات؛ أي 15 كغم. ثالثاً، المخاضة وهي ذراعُ خشبيّةٌ طولها (2.5 متر)، يُثّبت في نهايتها قرصٌ خشبيٌّ دائريٌّ قُطره (25سم)، وظيفتُها تحريكُ المزيج عند بداية عملية التصبُّن. رابعاً، الدكشاب وهي ذراعٌ خشبيّةٌ طولها (4 أمتارٍ)، وفي نهايتها السفليّة قطعةُ خشبٍ مثبّتةٌ بالعرض، وبشكلٍ موازٍ لطول القضيب، وظيفتُه تحريكُ المزيج أثناء عملية التصبُّن. خامساً، العوّامة وهي قضيبان من الخشب، طول كلّ واحدٍ منهما (3 أمتارٍ) متّصلان عند الطرف السفلي مع قطعةٍ من الخشب، ويُربط بالعوّامة من الطرف الآخر العلوي حبلٌ. وظيفتُها تجميعُ الصابون في أسفل القِدر فوق ماء الخمير عند نهاية عملية الغرف. وأخيراً، الشمامة وهي قضيبٌ خشبيٌّ طوله ذراعٌ كان يُغمس بالقِدر، بهدف مراقبة الصابون العالق بها لتقدير وقت نهاية الطبخ.

يعمل في هذا الطابق فريقٌ من العمال يتراوح عددهم بين أربعة عمّالٍ إلى خمسة عشر عاملاً، يُوزِّع العمل والمهام بينهم "الريّس" وفق ترتيبٍ هرميٍّ مُتعارفٍ ومُتوارثٍ اجتماعيّاً. ولا يعدّ هذا الفريق حكراً على مصبنةٍ واحدةٍ؛ إنّما يرتبط للعمل مع أكثر من مصبنةٍ. أمّا الفريق الثاني، فيتولّى نقل الصابون من القِدر إلى الطابق الثاني، ويقوم ببسطه وتسويته، ويتألّف من (5 – 8) عمّالٍ.

في الطابق الثاني، يتواجد الفريق الثالث الذي يقوم بتقطيع الصابون ورصّه في رُزمٍ ارتفاعُها أربعُ حبات صابونٍ، ثم يتولّى بناء التنانير بطريقةٍ معيّنةٍ كي تجفّ. ثم يأتي دور الفريق الرابع والأخير؛ إذ يُجهّز الصابون في وزناتٍ وشوالاتٍ محدّدةٍ، ويُغلّف الصابون بالورق، وهي عمليةٌ حديثةٌ نسبيّاً. [24]

مراحل التصنيع

يبدأ العمل في صناعة الصابون خلال الفترة الواقعة بين تشرين أول من كلّ عامٍ، حيث بداية موسم قطاف الزيتون، حتى نهاية آذار أو نيسان من العام التالي. [25] وتتكوّن صناعة الصابون من أربع مراحل بشكلٍ رئيسيٍّ. المرحلة الأولى ويقوم بها طاقمٌ متخصّصٌ، وتُسمّى الرَدَة، وتتمّ بإضافة القِلي أو الصودا الكاوية لماء الخمير بنسبةٍ معينةٍ من أجل رفع تركيز ماء الخمير، ثمّ يُضاف ماء الخمير إلى زيت الزيتون في قِدِر الطبخ ويُصار غليه مع التحريك المستمر بالدكشاب، فتبدأ عملية تصبُّن المزيج، ليتجمّع ماء الخمير في أسفل القدر، ويُسحب من المبزل، وهو ثقبٌ في أسفل قِدر الطبخ. ثمّ تُعاد ماء الخمير المركّز إلى القِدر، ويُغلى مرّةً ثانيةً، وتُكرّر العمليّة بنفس الطريقة والحركات، حتى يصبح الزيت في القدر كامل التصبُّن. وفي كلّ مرّةٍ يُسحب فيها الماء ويُعاد للقِدر، يجب غلي المزيج.

المرحلة الثانية تُسمّى الحَلَة، وتتمّ بإضافة الماء الحلو – الماء العادي دون إضافاتٍ  - إلى المزيج في قِدر الطبخ، وغليها، لإزالة ماء الخمير الذي سيترسّب في أسفل القِدر. وتُكرّر العملية بنفس الخطوات حتى يُزال ماء الخمير بشكلٍ شبه كاملٍ؛ إذ يجب بقاء كميةٍ قليلةٍ منه في المزيج، ويكون ذا تركيزٍ منخفضٍ.

المرحلة الثالثة تُسمّى التمنيعة، وتتمّ بسحب ماء الخمير ذي التركيز المنخفض، وإضافة الملح الخشن المذوّب بالماء الى المزيج في القِدر، ويُخلط أثناء الغلي بهدف سحب الماء نهائيّاً من الصابون. ويكون بهذه المرحلة الصابون في أعلى القِدر والماء في أسفله، ثم تُترك لفترةٍ تتراوح بين (12-15) ساعةً. وفي هذه الأثناء، يتمّ وقف إشعال النار.

المرحلة الرابعة يقوم بها فريقٌ ثانٍ متخصّصٌ، وتُسمّى البسط، يكون وجه طبخة الصابون قد جفّ فيتمّ قشطه، ثمّ يقوم شخصٌ بغرف المزيج بدلوٍ نصف بيضاويّةٍ ومعدنيّةٍ ذات ذراعٍ طويلةٍ سعتها حوالي 5 كغم، ويُسكب المزيج في دلوٍ معدنيّة الحواف وخشبيّة القاع لعزل الحرارة عن العمّال. وتبدأ عملية نقل المزيج للطابق الثاني؛ إذ يستقبل شخصٌ ثالثٌ المزيج، ليضمن سكبه بشكل خطوطٍ أفقيّةٍ متلاصقةٍ، ويحمل بيده أداتين؛ الشوكة وهي أداةٌ  يغرزها بالمزيج ليحافظ على مستوى ارتفاعٍ محدّدٍ يختلف باختلاف الشوكة. أمّا الأداة الثانية فهي المالج، وتُستخدم بهدف تسوية إغلاق المسامات بين خطوط المزيج، ويُترك الصابون بعد نهاية بسطه يوماً كاملاً تقريباً.

المرحلة الخامسة تتمّ في اليوم التالي؛ حيث تُستخدم الشوكة مرّةً ثانيةً لتحديد ارتفاع وسُمك الصابون من خلال غرزها بالصابون، ثمّ تدويرها بدرجة (45) درجةً، وعلى مسافة مترٍ واحدٍ تقريباً بين كلّ غرزةٍ وأخرى، فتُحدِث خطّاً بالصابون، ثمّ يُقشّر الصابون ويُنعّم بواسطة أداةٍ تُسمى المقشّر، وذلك وفق العلامات والخطوط التي أحدثتها الشوكة.

ثمّ يُصار إلى تحديد عرض حبة الصابون من خلال أداة البيكار- الفرجار - بغرزها ونقلها مغروزةً في الصابون، كَمَنْ يمشي على قدمٍ واحدةٍ، وعلى أطراف بسطة الصابون الأربعة. ثم يُستخدم خيطٌ ونوعٌ من أنواع الحبر الأحمر أو النيلة الزرقاء، بهدف أخذ المقاسات بين كلّ طرفين من بسطة الصابون، فتصبح بسطة الصابون كالورقة المخطّطة أفقيّاً وعموديّاً، ثمّ يُصار لختمها قبل التقطيع، من خلال مطرقتين أو أكثر تحمل شعار الصبانة المنتجة؛ ذلك أنّ ختمها بعد التقطيع يؤدي لتكسّر حوافها.

بعد ذلك، تُقطّع البسطة من خلال سكينٍ مثبّتةٍ على عصا غليظةٍ يبلغ طولها حوالي (80) سم، في طرفها سكينٌ بزاويةٍ مفتوحةٍ بحوالي (75) درجةً. وفي الطرف الثاني حبلٌ يُربط حول كيسٍ ملفوفٍ حول خصر الرجل الذي سيؤدّي مهمة التقطيع؛ ذلك أنّ هذا الرجل يقوم بعمليتين متزامنتين أفقيّةٍ وعموديّةٍ، مُستخدماً جسمه كلّه لجرّ السكين بواسطة الحبل الملفوف على ظهره. وفي ذات الوقت، يضغط الرجل بكلتا يديه على عصا السكين للأسفل، وذلك لضمان بقاء السكين بشكلٍ عموديٍّ، ما يجعل قِطَع الصابون مربعةً ومستوية الأضلاع.

يتمّ بعدها جمع قطع الصابون ورصّها عموديّاً بأربع قطعٍ فقط، ثمّ يُصار بعدها إلى نقلها في طرف المكان وترتيبها فوق بعضها البعض بشكلٍ دائريٍّ صاعدٍ يُسمّى تنانير، وتكون القطع متباعدةً. أمّا الهدف من الشكل الدائري الصاعد وتباعُد القطع، فيكون لضمان حركة الهواء صعوداً وهبوطاً؛ بحيث يحتكّ بكل جوانب قطعة الصابون، وتُترك التنانير لتجفّ فترةً قد تصل ستةَ أشهرٍ. وقد ذُكر أنّ المصابنيّة في دمشق كانوا يبنون أشكالاً هرميّةً من قطع الصابون المتباعدة. [26] وبكلّ حالٍ، فالهدف تهويةُ حبّات الصابون من كل الجوانب، وهو أمرٌ يتحقّق بشكل التنانير أو الأهرامات.


عمليّة بسط طبخة الصابون على أرضيّةٍ نظيفٍة ومعزولةٍ لمنع التصاقه بالأرض، وتُرى بالخلف تنانير الصابون المقطّع بانتظار جفافه. لاحِظْ طريقة الصبّ، والأدوات التي يحملها الآخر؛ وهي الشوكة لضبط ارتفاع الصابون، والمالج لتسوية الصابون المصبوب.

مقادير طبخة الصابون

ولكي ندرك الصورة بشكلٍ أوضح، نورد الكميات اللازمة لصناعة طبخة صابون كما أوردها النمر، (250) جرّة زيتٍ؛ أي بما يعادل خمسة قناطير زيتٍ. وهنا ندرك أن النمر يقصد الجرّة ذات الحجم الصغير ومقدارها (7 كغم) زيت زيتون، فيصبح المقدار بالكغم (1750)، وهي تساوي أكثر من خمسة قناطير ونصفٍ بكلّ حالٍ.

تُضاف لها عشرة قناطير شيدٍ؛ أي (2880 كغم) إذا استخدمنا القنطار النابلسي البالغ (288 كغم). كما تُضاف عشرة قناطير من مادة القلي، فيصبح مجموع ما سيتمّ طبخه حوالي (7510 كغم). وبعد انتهاء عملية الطبخ، يتبقّى منها ما مقداره (6759 كغم) من الصابون الجاهز والمعدّ للبيع والاستخدام؛ أي أنّ نسبة المفقود بسبب عملية التبخر الناتجة عن الطبخ، وتجفيف الصابون بعد نهاية العمل، لا تزيد عن (751 كغم) من مجموع المواد كلّها. [27]

الخلاصة
كانت صناعة الصابون النابلسي وحتى نهايات القرن التاسع عشر الميلادي، حيث كان الاعتماد الكلّي على المواد المتوفّرة محليّاً، على رأس هرم عددٍ من الصناعات الضرورية السابقة واللازمة لصناعة الصابون حصراً، التي لم تكن لتتمّ لولا هذه الصناعات. كما أنّها شكّلت نشاطاً اقتصاديّاً تبادليّاً اشتمل على قطاعات المجتمع المختلفة آنذاك، واعتمدت على هذه الصناعة ليس لتأمين قوتها اليومي فحسب؛ بل ساهمت في استمراريّة تدوير عجلة تصنيع الصابون وبيعه محلّياً في قرى لواء نابلس والمدينة ذاتها، وإقليمّياً داخل حدود الإمبراطورية العثمانيّة، ودوليّاً خارج حدودها.

كلّ ذلك تمّ عبر سلسلة موارد ومواد وخبراتٍ ومهاراتٍ محليّةٍ وإقليميّةٍ على مستوى الدولة العثمانيّة آنذاك؛ فكان الصابون النابلسي صناعةً وطنيّةً محليّةً خالصةً بشكلٍ تامٍ، تمّ تصديرها دوليّاً، ونافست الصناعات الأوروبيّة في كثيرٍ من الأسواق والمعارض. وهو أمرٌ يشير إلى قدرة البدو وسكان القرى على توظيف البيئة ومخرجاتها، بجانب توظيف الخبرات والمهارات ورؤوس الأموال في المدينة؛ ذلك بهدف إنشاء صناعةٍ وطنيّةٍ تستغني كليّاً عن تلك الأوروبيّة. 

صحيحٌ أنّ عمليات تصنيع وتوفير المواد اللازمة لصناعة الصابون كانت مجرّد نشاطٍ اقتصاديٍّ من الناحية العمليّة، لكنّها في الوقت ذاته عملتْ على رسم وتحديد شكل العلاقات الاجتماعيّة والسياسيّة في المجتمع آنذاك. إذ ساهمت في تشكيل العلاقة الاجتماعيّة بقالبٍ اقتصاديٍّ، حافظت فيه النخبة على مكانتها؛ النخبة السياسية التي مثّلها شيخ القبيلة مع النخبة الاقتصاديّة التي مثّلها التاجر في المدينة.

وبكل حالٍ، فقد ساهمت البيئة الطبيعيّة ونمط الحياة في توزيع الأدوار على صعيد هذه الصناعة. فالبدو الرُحّل في أطراف الصحارى والبيئات شبه الجافة استفادوا من بيئتهم، فاختصّوا بجمع النبات اللازم إلى جانب نشاطاتٍ أخرى. في حين أنّ القرويين المستقرّين في أطراف السهول ورؤوس الجبال استفادوا من حرق الحجارة باستخدام نبات البلان المتوفّر بكثرةٍ في بيئتهم، إلى جانب نشاطاتٍ أخرى. أمّا سكان المدينة كمركزٍ، فاشتروا تلك المواد وأدخلوها ضمن صناعة الصابون، إلى جانب أنشطةٍ وصناعاتٍ أخرى. لكن مع حدوث تحوّلاتٍ في السوق الصناعيّة، ودخول موادٍ جديدةٍ إليها، حلّ تحوّلٌ في خارطة العلاقات الاجتماعيّة بين المدينة والبدو والقرويين؛ إذ نُحِّيتْ وظائفهم الأساسيّة في صناعة الصابون لصالح السوق التجاريّة

لتحميل هذا النصّ (PDF) والاطّلاع على قائمة المراجع، من هنا

****

الهوامش: 

[1] سجلات المحكمة الشرعيّة في نابلس 21، 8 محرم 1295هـ/1878م، ص 19. النمر، إحسان: تاريخ جبل نابلس والبلقاء. ج2. نابلس: مطبعة جمعيّة عمال المطابع التعاونيّة. 1395ه- 1975م، ص 288. الأقرع، مروان محمد حمدان يوسف. الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في مدينة نابلس 1900- 1918، رسالة غير منشورة، جامعة النجاح الوطنيّة، نابلس، 2014، ص 165. المصري، طاهر: نابلس بين دورة القطن والأقمشة وبين زيتونها وصابونها، منشورات بلدية نابلس بمناسبة مرور 150 عاماً على تأسيسها، المحور الأول 2019م، ص 38. الشريف، حسام عبود: صناعة الصابون النابلسي. إصدار مكتبة بلديّة نابلس العامة. نابلس، فلسطين. 1999، ص 64.
[2] الأقرع، مروان. الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في مدينة نابلس، مصدر سابق، ص 166، 169.
[3] سجلات المحكمة الشرعّية في نابلس 21، 8 محرم 1295هـ/1878م، ص 19. النمر، إحسان: تاريخ جبل نابلس والبلقاء، مصدر سابق، ص 288. المصري، طاهر: نابلس بين دورة القطن والأقمشة وبين زيتونها وصابونها، مصدر سابق ص 38.
[4] الدباغ، مصطفى مراد: بلادنا فلسطين. كفر قرع: دار الهدى م.ض، 2003، ج 2، ق 2، ص 198. دوماني، بشارة: إعادة اكتشاف فلسطين: أهالي جبل نابلس 1700- 1900. ترجمة: حسني زينة. ط 2. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية. 2002، ص 245، 246. داوود، جورج فريد طريف: السلط وجوارها خلال الفترة 1864- 1921. ط 1. عمان. 1994م، ص 620. بيركهارت، جون لويس: رحلاتٌ في سوريا والأراضي المقدّسة: ترجمة: شاهر حسن عبيد. ط 1. دمشق. 2007، ص 192. الشريف، حسام عبود: صناعة الصابون النابلسي، مصدر سابق، ص21. منير، محمود. "الصابون النابلسي: صناعة أنعشت الزراعة في البقاء". نُشر في موقع "السجل" بتاريخ 30/10/2008؛ رابط.
[5] بيركهارت، جون لويس: رحلاتٌ في سوريا والأراضي المقدّسة، مصدر سابق، ص 191-192.
[6] الدباغ، مصطفى مراد: بلادنا فلسطين، مصدر سابق، ص 198. دروزة، محمد عزة: مذكّرات محمد عزة دروزة، ج1، ط1، بيروت: دار الغرب الإسلامي. 1993، ص 102. داوود، جورج فريد طريف: السلط وجوارها خلال الفترة 1864- 1921، مصدر سابق، ص 621. دوماني، بشارة: إعادة اكتشاف فلسطين: أهالي جبل نابلس 1700- 1900، مصدر سابق، ص 245-246.
[7] دروزة، محمد عزة: مذكّرات محمد عزة دروزة، مصدر سابق، ص 102. الدباغ، مصطفى مراد: بلادنا فلسطين، مصدر سابق، ص 198. داوود، جورج فريد طريف: السلط وجوارها خلال الفترة 1864- 1921، مصدر سابق، ص 621. دوماني، بشارة: إعادة اكتشاف فلسطين، مصدر سابق، ص 245. تقرير منشور في "المونيتور"، نوفل، عزيزة. "السرّ من الأردن.. الصابون النابلسي يصارع للبقاء أمام المنتجات الحديثة"، رابط
[8] النمر، إحسان: تاريخ جبل نابلس والبلقاء، مصدر سابق، ص 289. دوماني، بشارة: إعادة اكتشاف فلسطين، مصدر سابق، ص 246. داوود، جورج فريد طريف: السلط وجوارها خلال الفترة 1864- 1921، مصدر سابق، ص 621. الشريف، حسام عبود: صناعة الصابون النابلسي، مصدر سابق، ص 22.
[9] بيركهارت، جون لويس: رحلاتٌ في سوريا والأراضي المقدّسة، مصدر سابق، ص 191. دويكات، غسان محمد عبد الحليم. الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في منطقة مشاريق نابلس 1214ه- 1336ه/ 1799م- 1918م. رسالة غير منشورة. جامعة النجاح الوطنيّة. نابلس، ص118.
[10] دروزة، محمد عزة: مذكّرات محمد عزة دروزة، مصدر سابق، ص 102. مقابلةٌ شخصيّةٌ مع الشقيقين أمجد (50 سنةً) وشامخ (45 سنةً) معاذ ماجد النابلسي، نابلس، 21/5/2019م، نابلس، 18/5/2019م. جولة ميدانيّة، صبانة النابلسي، نابلس، 18/5/2019م.
[11] دوماني، بشارة: إعادة اكتشاف فلسطين، مصدر سابق، ص 246.
[12] النمر، إحسان: تاريخ جبل نابلس والبلقاء، مصدر سابق، ص 289. الشريف، حسام عبود: صناعة الصابون النابلسي، مصدر سابق، ص21.
[13] دويكات، غسان: الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في منطقة مشاريق نابلس، مصدر سابق، ص 168.
[14] دوماني، بشارة: إعادة اكتشاف فلسطين، مصدر سابق، ص 246.
[15] دروزة، محمد عزة: مذكرات محمد عزة دروزة، مصدر سابق، ص 102.
[16] دويكات، غسان: الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في منطقة مشاريق نابلس، مصدر سابق، ص 104.
[17] مقابلةٌ شخصيةٌ مع الشقيقين أمجد (50 سنةً) وشامخ (45 سنةً) معاذ ماجد النابلسي، نابلس، 21/5/2019م.
[18] دويكات، غسان: الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في منطقة مشاريق نابلس، ص 106.
[19] سرحان، نمر نمر: موسوعة الفلكلور الفلسطيني، ج2، ط2. عمان. 1989، ص 406. مقابلةٌ شخصيّةٌ، علي شحادة حمدان عتيق، 98 سنة، روجيب، 13/5/2015م. صايل أحمد مصطفى محمود قاسم حنني، 82 سنة، بيت فوريك 5/5/2014م.
[20]  سجلّات المحكمة الشرعيّة في نابلس، 23، 22 رجب 1299هـ/1881م، ص 123. سجلات المحكمة 26، 10 ذي القعدة 1301هـ/1883م، ص 50. سجلات المحكمة 15، 13 ربيع ثانٍ 1286هـ/1869م، ص 311.
[21] دوماني، بشارة: إعادة اكتشاف فلسطين، مصدر سابق، ص 242. مقابلةٌ شخصيّةٌ مع الشقيقين أمجد (50 سنةً) وشامخ (45 سنةً) معاذ ماجد النابلسي، نابلس، 21/5/2019م، نابلس، 18/5/2019م.
[22] النمر، إحسان: تاريخ جبل نابلس والبلقاء، مصدر سابق، ص 289-291. جولةٌ ميدانيّةُ، صبانة النابلسي، نابلس، 18/5/2019.
[23] التميمي، محمد. الكاتب، محمد بهجت: ولاية بيروت، ج2. تحقيق: زهير عبد اللطيف غنايم ومحمد عبد الكريم محافظة. عمّان: الشركة الجديدة للطباعة والتجليد. 2000م، ص 100-101. دوماني، بشارة: إعادة اكتشاف فلسطين، مصدر سابق، ص 245. الشريف، حسام عبود: صناعة الصابون النابلسي، مصدر سابق، ص 25.
[24]  سجلات المحكمة الشرعيّة في نابلس 40، 1321هـ/1903م، ص 133. الشريف، حسام عبود: صناعة الصابون النابلسي، مصدر سابق، ص 45. مقابلةٌ شخصيةٌ مع الشقيقين أمجد (50 سنةً) وشامخ (45 سنةً) معاذ ماجد النابلسي، نابلس، 21/5/2019م، نابلس، 18/5/2019م.
[25] الشريف، حسام عبود: صناعة الصابون النابلسي، مصدر سابق، ص 45.
[26] مقابلةٌ شخصيّةٌ مع الشقيقين أمجد (50 سنةً) وشامخ (45 سنةً) معاذ ماجد النابلسي، نابلس، 21/5/2019م.
[27] النمر، إحسان: تاريخ جبل نابلس والبلقاء، مصدر سابق،  ص 291. الشريف، حسام عبود: صناعة الصابون النابلسي، مصدر سابق، ص 81.