باب الواد - نسخة تجريبية

نود إعلامكم أن هذا الموقع حالياً في المرحلة التجريبية. نعمل على تحسينه وتطوير خدماته، وقد تطرأ بعض التغييرات خلال هذه الفترة. شكراً لتفهمكم ودعمكم.

العدوان الصهيو-أمريكي على إيران: تقدير موقف
٢٠٢٦/٠٣/٠٥

صبيحة يوم السبت 28 شباط/ فبراير 2026 بادرت أمريكا و"إسرائيل" بشن عدوان على إيران هدفه المعلن إعادة تشكيل المنطقة صهيونياً من البوابة الإيرانية، ودشَّنته بمجزرة دموية ضدّ مدرسة ابتدائية للبنات جنوبي طهران، في إعلان بالنار نيَّتها تعميم نموذج الإبادة في غزة فنّاً وطريقة لحروب الاستعمار الجديدة في بلادنا. في الوقت الذي يُغرقنا الإعلام بتحليل خلفيات العدوان بإرجاعها إلى ملف المشروع النووي والصاروخي... فإن الحقيقة التي يجب علينا أن نعيها هي أن هدف الحرب هو القضاء على المقاومة في المنطقة كمقدمة ضرورية لتسييد "إسرائيل" عليها. 

ترافقت مع العدوان الصهيو-أمريكي حرب شرسة على الوعي الجمعي العربي والإسلامي من قبل شبكة معقَّدة من المنابر الإعلامية والرموز الثقافية بغية اختراق هذا الوعي الجمعي، بحيث تكون نتيجته الحتمية خلق قابلية عربية شعبية للهيمنة الصهيونية. استعرت حرب الوعي والأفكار هذه بعد الاستهداف الإيراني المشروع القواعدَ الأمريكية في المنطقة العربية التي تنطلق منها العمليات العسكرية وتديرها وتشكِّل خط الدفاع الأول عن "إسرائيل"، هذه القواعد ذاتها المسؤولة عن إزهاق حياة مئات الآلاف في حروب أمريكا المستمرة في المنطقة منذ عقود. لقد كانت هذه الهجمات على القواعد الأمريكية في الخليج تهديداً وجودياً لأنظمتها التي بنَت استراتيجيتها الدفاعية منذ عقود على نقل معاركها بعيداً عن أراضيها إلى داخل الحواضر التاريخية العربية وتخريب الهويات الوطنية والإسلامية لإبقاء دويلاتها آمنة. 

خلفيات العدوان

السياق الحضاري
1.      حرب "الرأسمالية الإبستينية" على الروح الإنسانية وقيمها السامية

 يأتي العدوان الصهيو-أمريكي على إيران في لحظة الانكشاف الصارخ لعقيدة النظام الرأسمالي الإبستينية الكلبية، والتي تجد صداها في صناعة ثقافة الانحلال التي تغزو بها صناعة الثقافة والترفيه الخليجية البنيةَ الروحية لمجتمعاتنا—هذه العقيدة التي لم يعد فيها التوحُّش الرأسمالي مقصوراً على استغلال البشر ونهب الموارد وحسب، وإنما صار عليه أيضاً أن يغزو الروح الإنسانية وتفكيك ممانعتها الروحية المتمثِّلة بالقيم الجليلة والكرامة والحرية في سبيل الإبادة الروحية والقيمية التي تدفع البشر للمقاومة. ومن هنا يمكن فهم استهجان ترامب من عدم استسلام إيران وخضوعها لشروطه المذلّة. 

2.       حرب المسيحية الصهيونية واستدعاء المخيال الصليبي والاستشراقي 

 لا يمكننا فهم الحرب على إيران دون تأطيرها ضمن الحرب الدينية الإمبريالية على قيمنا ورموزنا المقدسة في بلادنا، كما أعلن عنها وزير الحرب الأمريكي، والتي ترافق تدشينها الحديث مع الإبادة الصليبية الأندلسية حاضنة نشوء الحداثة الاستعمارية بوصفها حرب الإنسان الأبيض المفتوحة على العالم. ومن هنا كان الاستدعاء الدائم للمخيال الصليبي في كل حرب ضد قيمنا ورموزنا الدينية والمعنوية، والذي شكَّل هوية جنود الإمبراطورية البريطانية في الحرب العالمية الأولى في فلسطين بصفتها الحرب الصليبية الأخيرة، والتي انتهت بزرع الكيان الصهيوني في بلادنا. هذه حرب حضارية على الحضارة العربية الإسلامية التي تجمع بين كونها المجال الحيوي الأخير للمقاومة النشطة للحضارة الغربية الإبادية، وكونها تختزن مقولة حضارية معنوية فاعلة بديلة وأفقاً حضارياً إنسانياً كاملاً.

3.       حرب الفاشية التكنولوجية على الإنسان الأخير

رافق الصعود الصاروخي لتقنيات الذكاء الاصطناعي صعودٌ للأنظمة الفاشية الغربية بما مكَّنته هذه التقنيات من إنشاء أنظمة مراقبة شاملة، واختراق العمليات الإدراكية للبشر، وتسريع العنف الاستعماري بمحرِّكات الذكاء الاصطناعي منتجةً نظاماً للفاشية التكنولوجية التي دشَّنت "إسرائيل" مآلاتها الإبادية القصوى بحربها الخوارزمية على غزة. وقد تحوَّل الخليج العربي، الغني بموارد الطاقة، إلى هدف لإنشاء مستعمرات تكنولوجية، أي مراكز البيانات الضخمة النهمة للطاقة. في هذه الحرب، شهد العالم أول اشتباك كوني مادي مع عصب هذه الفاشية التكنولوجية باستهداف مراكز معالجة البيانات الضخمة لشركة أمازون في الإمارات، هذه المراكز التي كانت فاعلة في حرب الإبادة على غزة وحروب "إسرائيل" على لبنان وإيران واليمن. 

السياق الـ (جنوب عالمي)

تأتي الحرب على إيران ضمن السباق الأمريكي المحموم ضدّ الزمن لاستباق تحوُّلات النظام العالمي ووعود تشكّل نظام جديد متعدِّد القطبية تقع المنطقة العربية الغنية بالموارد في قلب الصراع منه. ويأتي ذلك في محاولة لإعادة تثبيت نظام الهيمنة عبر اتخاذه شكل البلطجة الاستعمارية الفجَّة نموذجه الجديد (فنزويلا) بعد عقود من اعتماده على نظام اقتصادي-سياسي يديم التبعية. ولذا، فقد كان العدوان على إيران بصفتها آخر معاقل مشروع الاستقلال والسيادة في المنطقة العربية الإسلامية. 

السياق الصهيوني: الطريق نحو "إسرائيل الكبرى" 

منتشية بحرب الإبادة في غزة والضربات الموجعة التي وجهتها لقوى المقاومة في المنطقة، انتقلت "إسرائيل" في تحديد هدف حروبها من الأمن إلى "إسرائيل الكبرى". فمن ناحية، تتضمّن استراتيجية توسّع "بقعة الزيت" الاستيطانيّة؛ ضمّ الضفة الغربية وتقسيم المسجد الأقصى، والاستيطان في الجنوب اللبناني، جنوب نهر الليطاني، وحوض اليرموك في الجنوب السوري—هذه المناطق التي اعتبرتها الحركة الصهيونية، منذ بدايتها، جزءاً من مشروعها الاستيطاني المؤجَّل. ومن ناحية أخرى، يشهد العقل الصهيوني ما بعد الإبادة والحرب على إيران والمقاومة اللبنانية تطوراً نحو تحقق الفرصة التاريخية لـ"إسرائيل" كقوة عسكرية تكنولوجية عظمى دولياً، وليس فقط إقليمياً، تؤهِّلها لبسط سيادتها الكاملة على المنطقة عسكرياً واقتصادياً، وتفتيت المنطقة طائفياً وعرقياً لكي يكون لها شرعية الوجود ككيان استعماري في شكله الديني الأخير. 

المواجهة: في ضرورة العمل على بناء فكر تحرّري شعبي شمولي 

الثابت في المنطقة العربية أن الدول والتنظيمات، بصرف النظر عن دورها، دائمة التشكُّل والتحوُّل في منطقة لا زالت تبحث عن شكل للاجتماع السياسي: يعبِّر عن هويتها التاريخية ويحقِّق آمالها بالتحرر من التبعية والاستبداد... وهذا ما يجب التعويل عليه، والالتحام به، وتطويره بتطوير فكر تحرُّري يعبِّر عنه وعن قضاياه. ومن هنا، لا يجب علينا اختزال رؤيتنا للواقع ضمن منظور التحليل الجيوسياسي لـ"الدولة"، وإنما العمل على استعادة الإرادة السياسية الشعبية مهما بدا الواقع محبطاً بالنظر إلى حالة الشلل التي تعيشها شعوب المنطقة. وفي مسعانا لتوليد الأفكار والمخيال السياسي، علينا التنبُّه إلى محدودية عمليات التواصل الرقمي، بل إلى منطقها السلبي التواصلي في تحفيز الاستقطاب الحادّ والتشظِّي ضدّ إنتاج الأفكار السياسية الجامعة والفكر النقدي—الشرط الضروري لنشوء أفكار سياسية تعترف بتعقيدات الواقع، لا تنفيه. 

إنّ الخطيئة الكبرى التي يمكن أن نقع فيها اليوم هي الاصطفاف مع المشروع الصهيوني بأهدافه المعلنة بمساواته بالمشروع الإيراني عبر مسوِّغات طائفية أو بشرعية خطاب الضحية. ولقد حان الوقت إلى ممارسة عملية نقد جريئة تعترف بآلام الناس لا إنكارها، وتفرِّق بين من يذكِّر دائماً بهذه الآلام كتعبير صادق عن الاكتواء بنار حروب ما بعد الانتفاضات العربية التي انخرطت فيها قوى الإقليم قاطبة، ومن يستخدمها في نشر وتعزيز نزعة الصهينة عربياً على هيئة مضادَّة للوعي الفطري العربي المعادي لـ"إسرائيل"، الذي أنتجته التجربة التاريخية للصراع الطويل مع المشروع الصهيوني. وهذا الوعي، الذي لا يجب اختزاله في مركزية فلسطين في الوجدان العربي، يجب أن يكون وعياً بخطورة المشروع الصهيوني على الجميع في معاشهم ومستقبلهم.

خاتمة 

على الرغم مما يظهر من انتفاشة للمشروع الصهيوني، والصورة التي يبثُّها في حربه النفسية والمعرفية، فإن المتفحِّص لبنية هذا الكيان النفسية العميقة لا يمكنه، موضوعياً، إلا الوصول إلى قناعة بأن هذا الكيان يمر بأزمة وجودية. ولعلّ أهم حقائق هذه الأزمة عجزه التاريخي عن تحويل منجزه العسكري إلى منجز نفسي ومعنوي بين مستوطنيه بإزالة الشعور بالخطر الدائم وحتمية الاندثار—هذه الأزمة الوجودية التي تجد في صعود تيارات الصهيونية الدينية أصدق تعبير عنها عبر محاولة حلِّها عقائدياً وأيديولوجياً. 

إنّ الالتحام بالمعركة يتطلَّب العمل على نقل الجماهير من حالة الفُرجة إلى الفعل المؤسَّس على الوعي بأن المقاومات المسلحة بأشكالها المختلفة لا يمكنها أن تشكِّل بديلاً عن الحالة الجماهيرية، بل هي امتداد لها ومحفِّز لتشكُّلها في ظلِّ واقع عربي مستباح بتحالف الأنظمة الاستبدادية مع "إسرائيل". في حال كهذه، لم يعد النضال لتقرير المصير مطلباً خاصاً بالفلسطينيين، وإنما بالشعوب العربية كذلك من خلال تجاوز حالة التضامن إلى تفعيل المجتمعات سياسياً بتأسيس حركات اجتماعية تطالب بحقِّها في تقرير مصيرها سياسياً واقتصادياً وحضارياً.

 


عن الكاتب
دائرة سليمان الحلبي للدراسات الاستعمارية والتحرر المعرفي
كاتب
اقرأ للكاتب
شارك المقال على مواقع التواصل الاجتماعي
اقرأ/ي أيضًا
دقيقة قراءة • ٢٠١٩/١١/١٥
صيحة الفجر: صدّ العدوان وتحصين المقاومة
يقدّم عرفات الحاج في هذا المقال قراءةً في المواجهة الأخيرة مع المقاومة في غزة وتأثيراتها المحتمَلة، محاولاً الإصغاء لنبض المقاومة الحي الذي عبّر عنه ش...
دقيقة قراءة • ٢٠٢١/١٢/٢٥
أميرة: عندما تطلق «الكاميرا» النار إلى الخلف
وسط الجدل المحتدم حول فيلم «أميرة»، وردود الفعل الغاضبة التي شغلت المجتمع الفلسطيني والعربي، يقدّم حافظ عمر قراءة تحليلية لهذا الفيلم ارتباطاً بموقعه...
أقل من دقيقة قراءة • ٢٠٢٢/٠٥/١٧
القدس.. اليوم التالي
منذ العام 2014 والقدس تعيش حالة اشتباك مستمرّة مع الاحتلال، ما أن تهدأ حتى تشتعل من جديد تحت عناوين وقضايا يتكثّف فيها الصراع مع الاحتلال؛ هبّة الشهيد...

جميع الحقوق محفوظة، متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي .
اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر التحديثات.
اشتراك
يتوجب نسب المقال إلى "باب الواد"، كما يحظر تعديل النصوص أو استخدامها لأغراض تجارية، ما لم يرد تصريح غير ذلك.