باب الواد - نسخة تجريبية

نود إعلامكم أن هذا الموقع حالياً في المرحلة التجريبية. نعمل على تحسينه وتطوير خدماته، وقد تطرأ بعض التغييرات خلال هذه الفترة. شكراً لتفهمكم ودعمكم.

تهويد المسجد الأقصى كهدف في العدوان الصهيو-أمريكي على إيران: تقدير موقف
٢٠٢٦/٠٣/٢٢

(1)

إنّ الثابت في حسابات المشروع الصهيوني في سعيه لإنجاز تهويد المسجد الأقصى، هدماً أو تقسيماً، هو الموازنة بين كل تقدّم في عملية التهويد واستيعاب آثارها، ما بين الفعل وردة الفعل، ضمن منحى تصاعدي لاستراتيجية التهويد الزاحف. وقد تأسست هذه البراغماتية الاستعمارية منذ العام 1925، بإحباط الهاجاناة مخطّط تفجير قبة الصخرة، لأسباب تتعلق بحسابات الربح والخسارة وأثر هكذا فعل على مستقبل المشروع الصهيوني، وبقيت منذ ذلك الحين حاكمة لهذا السلوك. وبطبيعة الحال، تأثّرت وتيرة هذه الاستراتيجية بطبيعة التحوّلات الأيديولوجية في مبنى قيادة هذا المشروع، وتحوّلت إلى محاصرة المسجد الأقصى استيطانياً وهندسة عنيفة للقدس ديموغرافياً وعمرانياً وتحيّن الفرص لفرض وقائع جديدة، كما هو حال المسجد الأقصى اليوم، في انتظار الحسم الذي يبدو اليوم أقرب من أيّ وقت مضى. 

(2)

ترافقت مع بدء العدوان الصهيو-أمريكي على إيران نقلة نوعية في مسار التهويد الزاحف، تمثّلت بإغلاق المسجد الأقصى أمام المصلّين، منذ اليوم الأول للعدوان وطيلة شهر رمضان واستمر إلى يومنا هذا، في سابقة خطيرة وحاسمة في المشروع التهويدي. ولعلّ الأخطر من الفعل الصهيوني ذاته هو قدرة "إسرائيل" على فرض هذا الواقع في ضوء شلل وفشل في مواجهته، مع التنويه إلى مبادرة ثلّة مؤمنة عنيدة بمحاولة كسر الحصار عن الأقصى بالصلاة على أبواب البلدة القديمة والتي جرى قمعها بوحشية. ولا يمكن فصل هذا الشلل، الذي يحتاج للكثير من التأمل والنقد الذاتي، عن حالة الفشل والشلل الفلسطيني العامة في مواجهة حرب الإبادة المستمرة في غزة ونجاح "إسرائيل" في فرض أمر واقع، عبر أدوات خشنة وناعمة، ما فتح شهيتها لمزيد من التغول، ووصولاً إلى إعلانها المنتشي في أول أيام عيد الفطر بأنها المرة الأولى منذ العام 2013 التي يمرّ فيها شهر رمضان بهدوء كامل دون عمليات أو صدامات، وهي التي كانت تحسب لشهر رمضان في القدس والأقصى ألف حساب. 

(3)

مع سقوط مقذوف صاروخي مجهول في "حارة اليهود" (حارة الشرف) داخل أسوار البلدة القديمة في القدس، في أول أيام عيد الفطر، بدأت البروباغندا الصهيونية العمل على تحضير الرأي العام لمخططها الخبيث باتهام ايران بتعمّد استهداف المسجد الأقصى. وقد سبق ذلك بعدة أيام ظهور منشورات على مواقع جماعات الهيكل بعد سقوط شظايا صواريخ اعتراضية في ساحات المسجد الأقصى، تأمل بأن تسقط هذه الشظايا على قبة الصخرة في المرة القادمة. ومن المعروف أن جماعات الهيكل هذه ذات حضور قوي ومعلن في وحدات الجيش، يظهر في رفع رايات الهيكل على المواقع والمركبات العسكرية، واتخاذ شارة الهيكل على البزات العسكرية، مع تحوّل الجيش "الإسرائيلي" خلال حرب الإبادة على غزة إلى ميليشيات ذات قدرة على اتخاذ مبادرات ذاتية. وهذا دون أن ننسى التصريح المباشر لأحد حاخامات جماعات الهيكل بأن "إسرائيل" فوّتت فرصة القصف الصاروخي الإيراني في شهر حزيران الفائت (حرب الـ12 يوم) بتوجيه ضربة صاروخية لقبة الصخرة وتحميل مسؤوليتها لإيران. وهنا يمكننا الرجوع إلى مجزرة كفر قاسم باعتبارها نموذجاً للتفكير الصهيوني في استغلال حالة الحرب الإقليمية في محاولة حسم الإشكاليات العالقة في المشروع الصهيوني، حيث جاءت المجزرة ضمن العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956 بهدف تنفيذ مخطّط تهجير فلسطينيّي منطقة المثلث.

(4)

يأتي كل ذلك ضمن حمّى الحرب الصليبية التي أطّرت فيها وزارة الحرب الأمريكية حربها على إيران بوصفها تنفيذاً لمخطط إلهي لآخر الزمان في معركة "هرمجدون" (مجدو). وقد سبقه إعلان صريح من وزير الحرب الأمريكي "هيغسيث"، في زيارة للقدس قبل توليه المنصب، بأن الأوان قد حان لتحقيق الوعد التوراتي ببناء الهيكل. وفي هذا السياق، وجب التنبيه إلى التاريخ الطويل للصهاينة في إبقاء روح الحروب الصليبية حيّة في الوجدان الغربي، من خلال مجموعة معقّدة وممتدّة من الممارسات البحثية وإحياء ذكرى معارك الصليبيين، ولا سيما معركة حطين، عبر إعادة تمثيلها سنوياً وتحويل المواقع الأثرية الصليبية في فلسطين إلى مواقع للذاكرة الغربية الحيّة. 

 (5)

أعلنت "إسرائيل" منذ البداية أن الهدف النهائي للعدوان الصهيو-أمريكي على إيران هو تشكيل "شرق أوسط جديد" بتفكيك قوى المقاومة في الإقليم، والذي يعني فيما يعنيه إظهار التحالف الصهيوني الخليجي إلى العلن، وهذه المرة من باب التطبيع الخشن المذعِن للرؤية الصلفة للصهيونية الدينية المتحلّلة من ديباجات الحل السياسي، وفي القلب منها الاستيطان في الضفة الغربية وتهويد المسجد الأقصى. ويجدر التنويه هنا إلى الحديث المتكرّر صهيونياً منذ "اتفاقيات آبراهام" عن ضرورة توسيع الوصاية على المسجد الأقصى بمنح دول الخليج الوازنة دوراً فيه، بما يمكّن في المآل الأخير من حلّ عقدة المسجد الأقصى صهيونياً، وذلك من خلال الاعتراف بالحق اليهودي التوراتي فيه وإيجاد صيغة عملية لتطبيقه. 

 (6)

يشكّل موقع المسجد الأقصى في الصراع الحضاري المحتدم، كما يتجلّى في الحرب الإمبريالية الدائرة اليوم على آخر معاقل الأمة في الاستقلال والنهوض (غزة ولبنان واليمن وإيران والعراق)، موقع التماس المتقدّم بين الحضارة الإسلامية برؤيتها التوحيدية للعالم، والحضارة الغربية في طورها الصهيوني الإبادي. وهو موقع ترسّخت أبعاده الحضارية الكبرى منذ الحروب الصليبية، بما يكثّفه اجتماع القداسة والاشتباك مع ثالوث الهجمة الغربية على أمّتنا: التغريب والتجزئة والكيان الصهيوني، وهو اليوم محرّك النهوض الروحي السياسي، في ظل الحصار المفروض على الحرمين الشريفين وشلّ فاعليتهما السياسية النهضوية في استرداد الأمة لفاعليتها التاريخية.

 

 

 


عن الكاتب
دائرة سليمان الحلبي للدراسات الاستعمارية والتحرر المعرفي
كاتب
اقرأ للكاتب
شارك المقال على مواقع التواصل الاجتماعي
اقرأ/ي أيضًا
دقيقة قراءة • ٢٠١٨/٠٣/٠٢
البيتكوين: عملة بلا بلد وبلد بلا عملة
اُستخدمت العملات النقدية منذ آلاف السنين لتسهيل المقايضة، إذ كانت تُحدد قيمة العملة عبر قيمتها المادية، وهدفت الدولة من نقش العملات إلى السيطرة على تد...
دقيقة قراءة • ٢٠١٧/٠٧/٢٣
عن الكاميرات الذكية على أبواب المسجد الأقصى
من المهم هنا التنبيه إلى أن دور تقنيات المراقبة بالتصوير، لا يقتصر على الكشف والإنذار، وإنما دورها الأساسي هو استدخال السيطرة الاستعمارية في عقل الفلس...
دقيقة قراءة • ٢٠١٧/٠٨/١٠
جهاد بدر.. شهيد نداء الأقصى
رصاصة واحدة، دخلت الصدر واخترقت القلب، فانفجرت منه نافورة دم سخين يتدفق قوياً، ومن حيث تدفق الدم من قلب جهاد صعدت روحه إلى بارئها في سيارة الإسعاف، وص...

جميع الحقوق محفوظة، متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي .
اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر التحديثات.
اشتراك
يتوجب نسب المقال إلى "باب الواد"، كما يحظر تعديل النصوص أو استخدامها لأغراض تجارية، ما لم يرد تصريح غير ذلك.