عابرون

حينما اشتكى القوميون المتدينون لرئيس الوزراء دافيد بن غوريون أنهم غير مدمجين كليا في الإدارة العامة، أو أنهم افتقروا إلى ذات الوضع الذي تمتع به غير المتدينين، سألهم: "كم منكم دُفن في مقابر الجيش؟". وقد يبدو أنه على مستوى شخصي وفئوي وثقافي أن ثورة أكاديميات ما قبل الخدمة في الجيش قادت الصهاينة المتدينين والمستوطنين إلى مقابر الجيش، واقعياً ورمزياً.

في طيّات التّحولات الاجتماعية الصهيونية، وفي سياق تأثير هذه التحولات على التكوين الديمغرافي والاجتماعي للجيش، وتحوّله - وإن بشكل محدود - من جيش شعبيّ إلى جيش مهنيّ على شاكلة غالبية الجيوش الغربية، تلعب أكاديميات ما قبل الخدمة العسكرية دوراً جوهرياً في استجلاب ودمج شريحة هامة من هامش المجتمع إلى مركزه، أي أبناء التيار الصهيوني القومي المتدين، من خلال استدخالهم في الجيش، وبالأخصّ في الوحدات القتالية.

قد يكون كتاب الباحث الصهيوني شمعون شامير والمتخصص في تاريخ مصر "غصن الزيتون: قصة المركز الأكاديمي الإسرائيلي في القاهرة"، أحد أهم الكتب التي صدرت مؤخراً حول الاستشراق الصهيوني. الكتاب الذي يقع في 465 صفحة من القطع المتوسط يوّثق تاريخ العلاقات الأكاديمية الصهيونية المصرية وشبكة العلاقات المتداخلة بين الطرفين منذ السبعينيات حتى اليوم. سنحاول في هذه المقالة عرض أهم القضايا التي طرحها شامير في كتابه.

معهد أبحاث الأمن القومي الصهيوني في تل أبيب

تعتبر حرب أكتوبر في العام 1973 بين مصر ودولة الاحتلال عاملاً مهمًا في تحديد تطورات ومسارات جديدة في المجتمع الصّهيونيّ، وكثيرًا ما يدرس الباحثون الصّهاينة آثار وتبعات هذه "الصّدمة" اجتماعيًا وأمنيًا وسياسيًا. وكان من نتائجها على الصّعيد الأمنيّ – البحثيّ، الشّعور بالحاجة إلى تأسيس مركز أبحاث متخصص في أمور الأمن، نظرًا لأن المقولة السّائدة بعد الحرب كانت أنه لم يكن هناك من "يتنبأ بها ويقدر جيدًا احتمالات نشوبها بناء على دراسات وأبحاث استراتيجية وأمنية".

 
الثورة في الشؤون العسكرية

نحاول هنا الإضاءة على إحدى إصدارات هذه الأكاديميا الصهيونية، وهي مقالة للجنرال الصهيوني "إيتاي برن" (Itai Brun)، بعنوان: "بينما كنا مشغولين في تخطيط أمور أخرى- الثورة الأخرى في الشوؤن العسكرية"، ونشرت في المجلة المحكمة للدراسات الإستراتيجية في آب من العام 2010.

اعتمدت الحركة الصّهيونية كحركة استعمارية استيطانية تطمح لبناء وطنٍ حصريّ لليهود في فلسطين وإحلال اليهود مكان الفلسطينيين أصحاب البلاد على نماذج وإرث إمبريالي استعماري عالمي، قامت بتطويره وتسخيره ليغدو متلائمًا ومتجانسًا مع مخطّطها الذي مزج ما بين القومية والدين وسخّرهما لتهجير السّكان وإحلال مستوطنين أجانب، مع السيطرة على الأرض وما تبقّى من سكان لم يتم تهجيرهم.

الأمن القومي في الحانة

تضافرت أفكار وجهود 5 جنود صهاينة من خريجي وحدة 8200 في جيش الاحتلال ينشطون تحت اسم مشروع WIZE، مع جهود معهد "أبحاث الأمن القوميّ" في تل أبيب، من أجل جذب شرائح جديدة من المجتمع الصّهيوني وبالأخص الشّباب للاطلاع على أمور الأمن القوميّ ومناقشتها. أما طريقة الجذب الأساسية فتعتمد على نقل هذا النقاش "الجادّ" في طبيعته والذي عادة ما يجري في جوٍّ رسميّ وتقليدي في غرف الاجتماعات في الجامعات ومراكز الأبحاث، نقله ليصبح "شعبياً" أكثر، ومحل تداول في أكثر الأماكن تحرراً من القيود الجدية والرسميّة، وهو الحانة.

Pages

Subscribe to عابرون