فلسطين

أخذ نفساً عميقاً، عميقاً جداً، ونظر إلى الأفق. تأمّل تلك المنطقة الجبلية الوعرة غرب الخليل، أراضي دولته الخاصة "شِعْب المِلح"، [1] دولة عبد الحليم الجولاني (الجيلاني) الملقّب بـ"الشَلَف". تأمّل جبالها ووديانها وتعاريجها الطبيعية الخلابة، واستذكر مُغُرها وتقسيمات الثوار فيها؛ مغارة محكمة الثورة، ومغارة السجن، ومُغُر مخازن السلاح، وأخرى لمهاجع مُقاتلي الجيش العربي الجنوبي بقيادته. كانت هذه دولة "الشَلَف"، وكان هو حاكمها المطلق.

منذ السنوات الأولى لانتفاضة الأقصى، ظلّ ما يُعرَف صهيونياً بـ"غلاف غزة"- أيّ المستوطنات التي أُقيمت على أنقاض عشرات القرى الفلسطينية في قضاء غزة، التي دمّرتها وهجّرتها العصاباتُ الصهيونيةُ في عام النكبة- تحت نار المقاومة الفلسطينية التي طوَّرت أدواتها تصاعديّاً، لتصل إلى معادلةٍ تفرض على المستوطنين، من خلالها، البقاءَ لأيامٍ طويلةٍ في الملاجئ والتفكير باتّجاه خيار الهجرة الداخلية.

"إحكيلي عن بلدي"؛ زاويتنا المصوّرة الجديدة على باب الواد، نروي فيها حكايا الناس والأمكنة وسيرة الأشياء في بلادنا فلسطين، في نصوصٍ قصيرةٍ مُعشّقة بالصورٍ، وبلغةٍ مُتقشّفةٍ. وأولُ نصوص هذه الزاوية نصٌّ لأسماء عودة الله تروي لنا فيه حكاية الحدّاد وصانع السكاكين أسعد شاهين، من ترشيحا. 

( عن أحداثٍ حقيقيةٍ وقعت في قريةٍ مقدسيّةٍ في شتاء النكبة)

في ليلةٍ مُمطرةٍ باردةٍ من ليالي كانون، كانت بيوتُ القرية قد أغلقت أبوابها على ناسها. جلست خضرا تُجدِّل ضفيرتها على ضوء اللامضة، (1) عندما سمع حسين صوتَ صهيل فرسه! 

يكتب لنا عوني فارس، قراءةً في هذا الكتاب، الذي جاء في مئة صفحةٍ من القِطع الكبير، وقد امتاز بأنَّه الأحدث (زمنياً) في حقله؛ أيّ دراسة المشهد العمرانيّ وسياساته في فلسطين، والأشمل في تغطية موضوعه؛ حيث شمل أغلب عقارات البلدة القديمة في القدس، والأول في استخدام سجلّات الضرائب الأردنيّة مصدراً رئيساً لتبيان الحيازات العقاريّة في لحظةٍ تاريخيّةٍ مفصليّةٍ (أواخر عام 1966)، وكذلك الأكثف من ناحية ما احتواه من إحصائيّاتٍ وخرائط توضيحيةٍ ملوّنةٍ ورسوم بيانيّةٍ ونسبٍ مئويةٍ حديثةٍ مُثبّتةٍ في ثلاثة وعشرين جدولاً وثلاثة عشر شكلاً. كما أنه صدر في وقتٍ عصيبٍ تتعرّض فيه البلدة القديمة لهجمةٍ استيطانيّةٍ جديدةٍ تستهدفُ استكمال تهويدها بيتاً بيتاً وعقاراً عقاراً، الأمر الذي يُكسِب كلّ شيءٍ في القدس أهميةً كُبرى في معركة صُمودها، بما في ذلك ما يُكتب عنها من نصوصٍ وما يُجمَع عنها من وثائق ويُؤخَذ لها من صورٍ، وما يُرسَم لها من خرائط ويُعدُّ من إحصائياتٍ.

تطرح هذه المقالة سؤالاً أساسيّاً حول العوائق الاجتماعيّة التي تفرض فشل تجربة المجالس المحلّية في الداخل. ومن أجل الإجابة عن هذا السؤال، يجب أن نوضّح مفهوم فشل التجربة، كونها لم تُحقق أيّ فارقٍ في الانتماء السياسيّ الوطنيّ الجامع عند الفلسطينيين في الداخل. تعالج المقالة ثلاثة محاور متعلّقة بهذا الفشل: العشائرية، والعائليّة ومقوّماتها المادّية، والأحزاب العربية في الدولةِ الاستعماريّة، والأسرلة والمُنظّمات الإجراميّة، والتي بدورها تعيق تشكّل علاقاتٍ اجتماعيةٍ جديدةٍ بالداخل على أساسٍ تعاونيٍّ وطنيٍّ مُستقلٍّ. ستمكّننا المحاورُ الثلاثةُ هذه من اختراق بنية الانتخابات المحلّية كما أرستها الكولونيالية، إضافةً إلى ديناميكية تشكّلها وتطوّرها.

عرف العرب كما كلّ الأمم، الحكيم الشعبيّ؛ وهو شخصيةٌ تجمّعت في حوضها جداولُ الحكمة وروافد التجربة؛ فنطقت بكلامٍ يحكي بلسان الواحد ما خَبِرته الجماعة في معاشها وصراعها في الحياة، مُعبرّةً عن  آلام الناس وآمالهم، وأشواقهم وشكواهم، ومعارفهم وعِرفانهم، تَغرِف من نهر الحياة وتسقي الجموع حكمةً مُحلّاةً ببلاغة الإيجاز وموسيقى الكلمات. وقد تكون هذه الشخصية من لحمٍ ودمٍ عاشت بين الناس في زمانٍ ومكانٍ مُحدّديْن، فقالت ما خَبِرته في حياتها، وروت ما سمعته من حِكايات الأسلاف، وقد تكون شخصيةً أسطوريةً صنعتها مُخيّلة الجماعة البشرية وأنطقتها بلسان المفرد ما تفرّق على ألسنتها.

فلسطين، من السِّجن، لا تبدو كما هي، ولا الفلسطينيُّ، ولا الفلسطنة، وبخاصّةٍ لقائدٍ في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية مُنتمٍ للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولاحقاً لحزب التجمُّع الوطنيِّ الديمقراطيِّ، وفيلسوفٍ خفيٍّ، بقامة وليد دقَّة، قضى أكثر من نصف حياته في مقارعة العدوِّ الصهيونيِّ وهو في الأسر، ومثل ذلك في ساحات المواجهة اليومية، من أواخر سبعينيات القرن العشرين وحتَّى اللحظة. فالأسير دقَّة لا يُقارب فلسطين وما يُحايثها من السِّجن وحسب، بل ومن «سجن السِّجن»، وظلم العزل الانفراديُّ وظلمته، بنأيٍ تامٍّ عن الواقعية السياسية وملابسةٍ تامَّةٍ للواقعية الثورية يُحيلان إلى الاختصاص المعرفيِّ المُمارس بموضوع الكتابة، لكن بجماليةٍ ثوريةٍ عزَّ نظيرُها. بهذا الالتزام، تأتي «حكاية سرِّ الزَّيت»، كتخطيطٍ للجسد من وجهة نظر القلب؛ إذ القلبُ هو العضلة الوحيدة التي لا تكفُّ عن النبض وإن نام الجسد، أو ترهَّل، أو أدركه الخمول. قد ينسى الجسد رعاية أنبل ما فيه، قلبُه، من باب «تحصيل الحاصل»، لكنَّ القلب لا يتوقّف عن أداء مهمّته التاريخية في إبقاء الجسد على قيد الحياة، وحراسة الرُّوح من الخلخلة.

يندرج هذا المقال ضمن سلسلةٍ جديدةٍ على باب الواد تقتفي تاريخ تطوّر إنتاج الخرائط لفلسطين، والدوافع وراء إنتاجها، وتفاصيل قهر الجغرافيا والإنسان الفلسطينيّ، من خلال إخضاع الواقع لتسميات الاستعمار تارةً، ولأساطيرٍ أُلصقت بهذه الجغرافية تارةً أخرى، وكيفيّة استخدامها كدليلٍ يقتفيه الجُند الغزاة إلى بلادنا. تُعنى السلسلة بمقالاتٍ ودراساتٍ حول تاريخ رسم خرائط فلسطين، وتنتقل بين مواد وخرائط تاريخيّةٍ تُعطي القارئ فكرةً عن التاريخ "الكارتوجرافي" لفلسطين ضمن جغرافيتها الأعمّ وتشكيلها الحضاريّ التاريخيّ وظروف إنتاجها. كما تعرّج السلسلة على بعض الأحداث والشخصيّات، استعماريّة و/أو وطنيّة، وتنتقل إلى التكنولوجيّات الحديثة في علم نُظُم المعلومات الجغرافيّة ورسم الخرائط، فضلاً عن انعكاس استخداماتها في الشؤون العسكريّة والأمنيّة والتخطيطيّة.

نعلمُ أنّ الكثير من سرديات شعبنا النضالية منذ انطلاقة المقاومة الفلسطينية هي إما غيرُ مكتملةٍ، أو مغيبةٌ، أو مفقودةُ؛ فسِيرُ المقاومة والمقاومين لم تتمتّع بالحصانة الكافية تأريخاً وتحليلاً ونقداً لمنع اندثارها/نا. وهذه مسألةٌ جوهريةٌ تحتاج لإعادةِ تقييمٍ وعملٍ دؤوبٍ في مبحثٍ منفصلٍ. لذلك، كان لا بدَّ من التوقف عند ما هو أبعدُ من مجرد معرفةِ نظريةِ "يعلون" كإجابةٍ ناجزةٍ، بالسعيِ إلى تفكيك عقلية العدوّ وكشف حِيَله. من هذا المنطلق، أسعى في هذه المقالة إلى تحليل تفاصيلِ لحظةِ المواجهة والاشتباك كي لا نترك للعدوّ مجالاً ولو ضئيلاً للعبث بسردية الفدائيّ باسل الأعرج أو إخفائِها وتشويشِها. السؤال البديهي في هذه الحالة هو؛ لماذا قرر العدوّ تصويرَ عملية الاغتيال؟ ثم لماذا نُشر الشريطُ بهذه السرعة؟ ولماذا كان الشريطُ قصيراً زمنيّاً، وبدونِ صوتٍ كذلك؟ ولماذا تم "المونتاج" بهذه الطريقة؟ وما هو الإيحاءُ المقصودُ من تثبيت الكاميرا بهذه الوضعية؟ وما علاقةُ حركة الكاميرا وانسيابيتها بالتأثير العاطفي على المشاهد؟

Pages

Subscribe to فلسطين