فلسطين

فلسطين، من السِّجن، لا تبدو كما هي، ولا الفلسطينيُّ، ولا الفلسطنة، وبخاصّةٍ لقائدٍ في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية مُنتمٍ للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولاحقاً لحزب التجمُّع الوطنيِّ الديمقراطيِّ، وفيلسوفٍ خفيٍّ، بقامة وليد دقَّة، قضى أكثر من نصف حياته في مقارعة العدوِّ الصهيونيِّ وهو في الأسر، ومثل ذلك في ساحات المواجهة اليومية، من أواخر سبعينيات القرن العشرين وحتَّى اللحظة. فالأسير دقَّة لا يُقارب فلسطين وما يُحايثها من السِّجن وحسب، بل ومن «سجن السِّجن»، وظلم العزل الانفراديُّ وظلمته، بنأيٍ تامٍّ عن الواقعية السياسية وملابسةٍ تامَّةٍ للواقعية الثورية يُحيلان إلى الاختصاص المعرفيِّ المُمارس بموضوع الكتابة، لكن بجماليةٍ ثوريةٍ عزَّ نظيرُها. بهذا الالتزام، تأتي «حكاية سرِّ الزَّيت»، كتخطيطٍ للجسد من وجهة نظر القلب؛ إذ القلبُ هو العضلة الوحيدة التي لا تكفُّ عن النبض وإن نام الجسد، أو ترهَّل، أو أدركه الخمول. قد ينسى الجسد رعاية أنبل ما فيه، قلبُه، من باب «تحصيل الحاصل»، لكنَّ القلب لا يتوقّف عن أداء مهمّته التاريخية في إبقاء الجسد على قيد الحياة، وحراسة الرُّوح من الخلخلة.

يندرج هذا المقال ضمن سلسلةٍ جديدةٍ على باب الواد تقتفي تاريخ تطوّر إنتاج الخرائط لفلسطين، والدوافع وراء إنتاجها، وتفاصيل قهر الجغرافيا والإنسان الفلسطينيّ، من خلال إخضاع الواقع لتسميات الاستعمار تارةً، ولأساطيرٍ أُلصقت بهذه الجغرافية تارةً أخرى، وكيفيّة استخدامها كدليلٍ يقتفيه الجُند الغزاة إلى بلادنا. تُعنى السلسلة بمقالاتٍ ودراساتٍ حول تاريخ رسم خرائط فلسطين، وتنتقل بين مواد وخرائط تاريخيّةٍ تُعطي القارئ فكرةً عن التاريخ "الكارتوجرافي" لفلسطين ضمن جغرافيتها الأعمّ وتشكيلها الحضاريّ التاريخيّ وظروف إنتاجها. كما تعرّج السلسلة على بعض الأحداث والشخصيّات، استعماريّة و/أو وطنيّة، وتنتقل إلى التكنولوجيّات الحديثة في علم نُظُم المعلومات الجغرافيّة ورسم الخرائط، فضلاً عن انعكاس استخداماتها في الشؤون العسكريّة والأمنيّة والتخطيطيّة.

نعلمُ أنّ الكثير من سرديات شعبنا النضالية منذ انطلاقة المقاومة الفلسطينية هي إما غيرُ مكتملةٍ، أو مغيبةٌ، أو مفقودةُ؛ فسِيرُ المقاومة والمقاومين لم تتمتّع بالحصانة الكافية تأريخاً وتحليلاً ونقداً لمنع اندثارها/نا. وهذه مسألةٌ جوهريةٌ تحتاج لإعادةِ تقييمٍ وعملٍ دؤوبٍ في مبحثٍ منفصلٍ. لذلك، كان لا بدَّ من التوقف عند ما هو أبعدُ من مجرد معرفةِ نظريةِ "يعلون" كإجابةٍ ناجزةٍ، بالسعيِ إلى تفكيك عقلية العدوّ وكشف حِيَله. من هذا المنطلق، أسعى في هذه المقالة إلى تحليل تفاصيلِ لحظةِ المواجهة والاشتباك كي لا نترك للعدوّ مجالاً ولو ضئيلاً للعبث بسردية الفدائيّ باسل الأعرج أو إخفائِها وتشويشِها. السؤال البديهي في هذه الحالة هو؛ لماذا قرر العدوّ تصويرَ عملية الاغتيال؟ ثم لماذا نُشر الشريطُ بهذه السرعة؟ ولماذا كان الشريطُ قصيراً زمنيّاً، وبدونِ صوتٍ كذلك؟ ولماذا تم "المونتاج" بهذه الطريقة؟ وما هو الإيحاءُ المقصودُ من تثبيت الكاميرا بهذه الوضعية؟ وما علاقةُ حركة الكاميرا وانسيابيتها بالتأثير العاطفي على المشاهد؟

للقضاء العشائري في بلادنا فلسطين تاريخٌ طويلٌ، وإن كان الحيّز الجغرافي لهذا القضاء يتركز في جنوب فلسطين أساساً، ويمثّل أحد الأجهزة الاجتماعية الأكثر تنظيماً وفاعليةً في مجتمعنا الفلسطيني، لا سيّما في مجال حلّ الخلافات والحدّ من تفاقمها، دون أن يعني ذلك غياب الجوانب السلبيّة عنه، واستخدام وجهاء العشائر من قبل السلطات الاستعمارية وامتداداتها في تاريخنا الفلسطيني.

شغلت مدينة القدس حيّزاً كبيراً في مخيلة الأدباء في البناء الفنيّ، سواءً في الأدب المقاوم والعربي، أو في الأدب الصهيوني،  إذ نقل الاهتمام بها الصراع العسكريّ والسياسيّ، والتحيّزات الدينية والاجتماعيّة، حول مدينة القدس إلى ساحات الأدب. وفي هذا المقال، يحاول مصطفى شلش تحليل التناص المكاني لمدينة القدس، ومعالجته، من خلال قراءةٍ  في رواية "مصابيح أورشليم" للروائي العراقي علي بدر، ورواية "سوناتا أشباح القدس، للروائي الجزائري واسيني الأعرج، ومقارنة معالجتهما لمدينة القدس كـ "مكان" مع تناول الرواية الصهيونية "الجالسة في الجنات"، للأديب الصهيوني "حاييم هزاز"، لها.

باختصار، لم تكن السكّة لا عثمانيةً ولا فلسطينيةً بقدر ما كانت سكّةً استعماريّةً أوروبيّةً في فلسطين العثمانيّة، كما لم تكن بين مدينتين فلسطينيّتين بقدر ما كانت بين ميناء يافا والقدس، مدينة الحجيج الأوروبيّ وموطئ القدم الاستعماريّ في بلادنا.

تسلّط هذه المقالة الضوء على المقاومة والمجاهدين في منطقة المثلث* من مدن طولكرم وجنين ونابلس، والقرى فيما بينها والمجاورة لها؛ من خلال إبراز الشخصيات القيادية وأدوارها في النضال ضدّ نهب الأراضي، وممارستها العسكرية والتنظيمية في الثورة، والمرور على المعارك التي حدثت  في هذه المنطقة. كما تتيح لنا المقالة فهم المُجريات والمتغيّرات في سياق البنية الاجتماعيّة، مثل الأوامر والمذكّرات الانتدابية وتفاعلها في صياغة البنية الاجتماعيّة من خلال الإعدامات، وقمع العمال والإضرابات، وأيضاً الاستيلاء على المدارس ونسف البيوت، في محاولةٍ لإعادة الهيمنة على الفلسطينيين بالمنطقة في فترات الثورة وما بعدها.

في الذكرى الثامنة عشرة لانتفاضة الأقصى، يروي لنا كمال الجعبري حكاية الشهيد القائد جمال أبو سمهدانة، "أبو عطايا"، بدءاً من انخراطه النضاليّ في سنٍّ مبكرة، وارتحاله من أجل العلم الذي سخّره لفلسطين، وعودته للالتحاق بأجهزة أمن السلطة. و بينما حافظ الشهيد أبو سمهدانة على مسافةٍ متساويةٍ من الجميع، واصل دعمه لمختلف المجموعات الفدائية متمسكاً بالطابع الوحدويّ للعمل العسكري، منسجماً في ذلك مع أبرز سجاياه الشخصيّة، حيث اتّصف بالتفاني من أجل الغير والزهد الإخلاص. آمن "أبو عطايا" بضرورة إيجاد بديلٍ نضاليٍّ فاعلٍ على الأرض، فشّكل وعددٍ من رفاقه لجان المقاومة الشعبية، ولاحقاً ألوية الناصر صلاح الدين، إبّان الانتفاضة الثانية.  وظّف فيها علمه وخبرته في سلاح الدروع، وتطوير منظومة الصواريخ والأسلحة، كما قاد وشارك في العديد من عمليات الألوية النوعيّة المتميّزة، والتي باتت رقماً صعباً في التصنيع العسكريّ ومقاومة العدوّ.

بعد جولةٍ في خربة سبّة (متسادا عند الصهاينة)، توغّلتُ عصراً في وادي سيّال المهيب الذي يمتدُّ بطول 36 كم من تل عراد ويصبُّ في البحر الميت عند منطقة اللسان. وهكذا وبدون مقدّماتٍ، كان اللقاءُ بذئبٍ يخطو مُسرعاً نحو الشرق، سحرني هذا اللقاء، وحضرتْ دفعةً واحدةً كلُّ أشعار العرب حول لقاء العربيِّ الوحيد بالذئب وحيداً في صحراء الغربة والقلق. عدتُ بعد يومين إلى الوادي حاملاً معي اللحم، مُردّداً أبياتاً من قصيدة الفرزدق "وأطلسَ عسّالٍ" التي حفظناها في المدرسة، طامعاً في لقاءٍ أسطوريٍّ، وضعتُ اللحم مكشوفاً على صخرةٍ، وابتعدتُ أرقُبُه من بعيدٍ، وانتظرتُ، وانتظرتُ حتى طلعت النجمة، ولم يأتِ الذئب! لملمتُ خيبتي وعدتُ إلى البيت. في ذلك المساء، بدأتُ رحلتي الطويلة في "الركض وراء ذئاب فلسطين" … هذه بعضٌ من يومياتها.

قدّم الفلاحون المساهمة الأكثر وضوحاً في توليد الوطنية الفلسطينية، وأدّت هزيمة الفلاحين، في ثورتهم الكبرى ،1936، إلى هزيمة فلسطين. وفي مسار الفلاح الفلسطينيِّ ما يستدعي السؤال النظري الشهير: من أين يأتي الوعي الصحيح؟ والذي نجد إجاباته، بتتبّع سيرة الفلاح، من خلال واقع الممارسة الوطنية النقدية. 

Pages

Subscribe to فلسطين